رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول من أمس، كنت أفكر – كما اعتدتم مني – بالقضية التي سأطرحها في زاويتي الأسبوعية، كان ذهني منشغلًا بإسبانيا، ليس لفوز منتخبها المستحق على نظيره الأرجنتيني في نهائي بطولة كأس العالم لكرة القدم فيفا 2026 فقط، بل لمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية أيضًا، وكنت أبحث عن زاوية أربط بها بين الأمرين، قبل أن يستوقفني خبر استشهاد الحاج عودة عبد الرحيم عودة فراخنة، والشاب أحمد عادل رشيد أبو مخو برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين في بلدة دير جرير شرق رام الله.
وما آلمني أكثر أن الهجوم وقع بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي لمتابعة نهائي كأس العالم لكرة القدم، بانتظار صافرة النهاية، في حين كانت في رام الله انتهت بتوقيت الشهيدين، ظللت أفكر في هذا التناقض القاسي، وتهيأت للكتابة عن تلك المفارقة المؤلمة التي لا تحدث إلا على أرضنا المحتلة، لكن الحياة كانت قد أعدَّت لي زاوية أخرى؛ زاوية لا تقل إنسانية عما كنت أنوي أن يخطه قلمي، لكنها باغتتني كما لو أنني ارتطمت بلوح زجاجي، وكأن عقلي كان يوجهني إلى مسار آخر لم أكن أخطط للكتابة عنه في ذلك الصباح.
عند وصولي إلى مقر الصحيفة لمحَت عيناي سيارة إسعاف عبر البوابة الزجاجية لمدخل الزوار، وأنا، كما يعلم المقربون مني، أهاب رؤية سيارات الإسعاف، وأدعو دائمًا أن تكون وجهتها نجاةً لا مصابًا، وأن يصل من فيها سالمًا وأن يعود من نُقل إليها معافى، صعدت إلى الطابق الأول حيث يقع مكتبي، معتادةً أن أرى أحد أولئك الجنود المجهولين الذين يسبقون الجميع إلى العمل، فيعيدون ترتيب ما تركناه خلفنا من فوضى في الليلة السابقة؛ ورقة هُنا، وكوب قهوة بارد هناك، وآثار ساعات طويلة من العمل تختزلها مقاعد الزملاء ومكاتبهم، فأنتم أدرى بفوضى الصحفيين حين يستبد بهم الإلهام ويلتقطون فكرة وسط زحام اليوم وضجيج صالة التحرير الذي لا ينتهي.
لكنني في ذلك الصباح لم أره، وأنا المعتادة أن يبادرني كل يوم بتحية الصباح بلغته العربية المكسّرة: "سلام عليكم"، هذه المرة غاب صوته، فلم أجد "م.ر" في مكانه المعتاد، عندها عاد إلى ذهني مشهد سيارة الإسعاف، وسرعان ما أدركت أنها جاءت من أجله؛ الرجل الذي يتولى يوميًا، إلى جانب عدد من الجنود المجهولين، ترتيب مكاتبنا والعناية بتفاصيل راحتنا، حتى رأيت مسعفين اثنين يجريان له اللازم، لأقتنص لحظة وأسأل المسعفة عن قياساته الحيوية إن كانت تشي بسوء؟، حتى أخبرتني حينها أن علاماته الحيوية مستقرة، وأن تخطيط القلب المبدئي سليم، إلا أن نقله إلى المستشفى ضروري لاستكمال الفحوصات ولمزيد من الاطمئنان.
ولكن قبل أن تغادر سيارة الإسعاف، وجدت نفسي أطرح أسئلة على المسعفة كي تطرحها عليه، قلت لها: اسأليه هل يشعر بحزن يتوسط قلبه؟ هل يفتقد شيئًا لا يستطيع البوح به؟ هل أمضى ليلته في سلام، أم أن همًّا ما سَهِر معه حتى الفجر؟ هل أثقلته مسؤوليات لا تحتملها الجبال؟ وهل أخفى وراء ابتسامته اليومية تعبًا لم ينتبه إليه أحد؟
لم أكن أنتظر إجابات عن تلك الأسئلة بقدر ما كنت أراجع نفسي، فكم مرة نصادف أشخاصًا كل يوم دون أن نسألهم بصدق عن أحوالهم؟ وكم مرة نعتاد حضورهم إلى درجة أننا نتعامل معه كأمر مسلَّم به؟ وكم مرة نفترض أن الجميع بخير لمجرد أنهم يواصلون أداء أدوارهم المعتادة، ويبتسمون في وجوهنا كل صباح؟
فلا أدري لماذا ننتظر دائمًا حتى تنفد طاقة الإنسان بالكامل كي نلتفت إليه؟، لماذا نحتاج إلى أن يخذله جسده أو يستنزف آخر ما لديه من قوة حتى نقتنع بأنه كان متعبًا فعلًا؟، لماذا لا نرى الإشارات الصغيرة التي يرسلها لنا كل يوم؛ الإرهاق المختبئ خلف الابتسامة، والصمت الذي يزداد طولًا، والقلق الذي يحاول صاحبه أن يداريه عن عيون الآخرين؟
الحقيقة أن الإنسان لا يبلغ مرحلة الإنهاك دفعة واحدة، بل يقاوم طويلًا، ويبرر تعبه، ويؤجل شكواه، ويستعين على أوجاعه بالصبر، حتى إذا نفدت طاقته تمامًا، التفت الجميع نحوه ليسمعوا تهشم جدار صمته، وتلك الصرخة المكتومة، لكن بعد أن يكون التعب قد استنزف منه الكثير.
لكن مع توالي الأحداث بت أمقت كيف بتنا نجيد الاحتفاء بالأشخاص بعد غيابهم أكثر مما نجيد احتضانهم وهم بيننا، فنقيم حفلات التأبين، ونكتب كلمات الرثاء، ونعدد المناقب والفضائل، بل ونقوى حينها على دسِّ النقائص في جيب النسيان، بينما كانوا بحاجة إلى سؤال صادق عن أحوالهم، أو كلمة امتنان، أو يد تربت على أكتافهم في وقتها.
فما نفع قبلة على رأس ميِّت لن يشعر بدفئها؟!، وما جدوى بستان من الزهور يُهدى إلى مريض بعد أن يكون المرض قد استنفد ما بقي لديه من قوة؟!، وما قيمة الدموع المتأخرة إذا كانت كلمة طيبة في وقتها كفيلة بأن تخفف عن قلبه بعض ما يحمل؟!، نحن، في كثير من الأحيان، نؤجل المحبة والامتنان وكأن العمر مضمون، ونؤجل السؤال وكأن الغد وعد لا يُخلف، نؤجل الاتصال بصديق، وزيارة قريب، والاطمئنان على زميل، والتعبير عن الامتنان لمن يستحقه، ثم نفاجأ بأن بعض الناس كانوا يخوضون معاركهم بصمت، وأنهم لم يكونوا بحاجة إلى كلمات تُقال بعد فوات الأوان، بقدر حاجتهم إلى التفاتة صادقة وهم ما زالوا بيننا.
ختامًا...
لعل ما حدث مع "م.ر" ذلك الصباح أيقظني من الفكرة التي كنت أنوي الكتابة عنها إلى فكرة أخرى أكثر التصاقًا بحياتنا اليومية، ففي الوقت الذي كنت أفكر فيه بتقاطع احتفال العالم بنهائي كأس العالم مع نزيف الدم الفلسطيني في الضفة الغربية، وجدت نفسي أمام درس مختلف، درس يقول إن علينا أن نرى الناس قبل أن تنهكهم الحياة، وأن نسأل عنهم قبل أن تثقلهم الهموم، وأن نخبرهم بقيمتهم قبل أن يحرمنا الوقت من ذلك، فالمحبة، كسيارة الإسعاف تمامًا، لا نفع منها إذا وصلت متأخرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحفية فلسطينية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3027
| 24 سبتمبر 2026