رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تزايد استخدام مفهوم الدبلوماسية الرياضية خلال العقدين الماضيين، وأصبح يحتل مكانه داخل عالم الدبلوماسية العامة الذي يتطور ليشكل أساسا لبناء علاقات طويلة الأمد بين الشعوب.
وقد أصبح هناك قدر من الاتفاق على أن الرياضة أصبحت وسيلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول وبناء قوتها الناعمة، وتشكيل صورتها الذهنية، ووضع قضايا سياسية على الأجندة الدولية.
لذلك فإن تحليل الأحداث الرياضية لا بد أن يتجاوز وصف وسائل الإعلام للأحداث، ليستهدف دراسة اتجاهات الرأي العام نحو هذه الأحداث، وصور الدول التي تتشكل من خلالها، وتؤثر على مواقف الشعوب، وإمكانيات بناء العلاقات الدولية.
وفي الكثير من الأحيان تعبر الجماهير خلال الأحداث الرياضية عن مشاعرها الحقيقية تجاه الدول الأخرى، وهو ما يمكن أن يوضح لكل دولة الفرص التي يمكن أن تستغلها لبناء صورتها الذهنية وقوتها الناعمة، كما يمكن أن يشير إلى المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الدولة نتيجة إثارة مشاعر الجماهير، وعدائها لدولة معينة.
إن الدبلوماسية الرياضية أصبحت تحتاج لتأهيل خبراء لدراسة مشاعر الجماهير، واتجاهات الرأي العام والصور الذهنية، وكيفية استغلال الأحداث الرياضية لتطوير السياسة الخارجية للدولة، وبناء علاقاتها الدولية.
حساسية الجماهير
الدبلوماسية الرياضية هي وسيلة اتصال بالشعوب، لكن استخدامها يجب أن يكون في ضوء دراسات متعمقة، فهي دبلوماسية تتميز بالجاذبية، وإمكانيات تعبير الشعوب عن آرائها في السياسة الخارجية لدولها، واكتشاف مشاعر الجماهير وحساسيتها لقضايا معينة.
وهناك الكثير من الأحداث التي توضح أن الدبلوماسية الرياضية يمكن أن تحقق أهداف الشعوب التي تكافح للحصول على حقوقها، فلقد شكَّل استبعاد الفيفا لجنوب أفريقيا عام 1961 انتصارا لحركة الكفاح ضد التفرقة العنصرية، حيث ظلت جنوب أفريقيا مستبعدة من المشاركة في مباريات كرة القدم الدولية من عام 1961 حتى عام 1992، وقد اضطر النظام العنصري إلى إجراء إصلاحات لتصوير نفسه بأنه تخلى عن العنصرية لكي يتمكن من إنهاء عزلته والعودة للمشاركة في المباريات العالمية.
وتعتبر تلك أهم الأمثلة على نجاح الدبلوماسية الرياضية، واستخدامها لتحقيق أهداف طويلة الأمد، فشعب جنوب أفريقيا يذكر الفضل للشعوب التي ساندته في كفاحه، وعملت على عزل النظام العنصري.
وكان ذلك يعود إلى كفاح الدول الأفريقية الذي قادته نيجيريا، حيث قامت الدول الأفريقية عام 1978 باتخاذ قرار بمقاطعة دورة ألعاب الكومنولث بسبب علاقات نيوزيلندا الرياضية بنظام جنوب أفريقيا العنصري.
لذلك استخدم قادة جنوب أفريقيا الذين تم انتخابهم بشكل ديمقراطي عام 1994 الدبلوماسية الرياضية لبناء صورة جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد العنصرية، وساهم ذلك في زيادة القوة الناعمة للنظام الديمقراطي في جنوب أفريقيا، وقدرته على بناء علاقات طويلة الأمد مع الشعوب الأفريقية.
التكامل بين الثقافة والرياضة
ترتبط الدبلوماسية الرياضية بالدبلوماسية الثقافية، ويمكن أن تؤدي إلى تقوية المبادئ السياسية وتكامل السياسات، حيث استخدمت الدول الأوروبية الدبلوماسية الرياضية لتحقيق أهداف إستراتيجية من أهمها زيادة الارتباط الثقافي بين شعوب القارة الأوروبية، وتقوية الاتحاد الأوروبي، وتحقيق التكامل الاقتصادي وزيادة العلاقات التجارية.
هذا يفتح المجال لتطوير نظرتنا للرياضة، فهي ليست مجرد مباريات رياضية، لكنها مناسبات يتم فيها التعبير عن الشعوب ومواقفها من القضايا، والتعبير عن الرأي العام، والتحذير من خطورة الصور النمطية على العلاقات بين الشعوب.
فكثيرا ما تنطلق الجماهير في تعاملها مع الشعوب الأخرى من صور نمطية شكلتها وسائل الإعلام كما حدث في المباريات الرياضية بين مصر والجزائر، حيث كانت وسائل الإعلام المصرية تعمل على تعبئة مشاعر الجماهير المصرية ضد الشعب الجزائري، وذلك بهدف صرف انتباه الشعب المصري عن أحداث داخلية مثل رفع الأسعار.
وهذا الأسلوب يوضح خطورة عدم فهم الدبلوماسية الرياضية واستخدامها في بناء علاقات طويلة الأمد بين الشعوب، وضرورة تأهيل خبراء لإدارة الدبلوماسية الرياضية، حيث كان يمكن استخدام الحدث لتطوير العلاقات بين مصر والجزائر.
كما تظهر خلال المباريات الرياضية الكثير من الفرص لتعبير الشعوب عن هويتها ومواقفها واعتزازها بكفاحها وتاريخها.
الدبلوماسية الرياضية وإدارة الصراع
لذلك يمكن أن تستخدم الدول الدبلوماسية الرياضية لإدارة صراعها مع دول أخرى، لذلك أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية قسما للدبلوماسية الرياضية عقب أحداث 11 سبتمبر بهدف الوصول إلى الشباب في الشرق الأوسط عن طريق الرياضة والتأثير عليهم.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن التبادل الرياضي بين الشعوب يفتح الأبواب لمشاركة المجتمعات، وبناء العلاقات بينها وإن الرياضة وسيلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية مثل تمكين الشباب والمساواة بين الجنسين وحل الصراعات.
وهناك الكثير من البرامج التي يقدمها قسم الدبلوماسية الرياضية في وزارة الخارجية الأمريكية، مثل برنامج المبعوثين الرياضيين الذي يقوم على إرسال مدربين رياضيين للالتقاء بالشباب، وشرح أهمية الرياضة للصحة، وبرنامج الزيارات الرياضية الذي يستضيف الرياضيين والمدربين والإداريين في الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن الدبلوماسية الرياضية تستهدف التأثير على الرياضيين، واستخدامهم للتأثير على الجمهور الذي يحبهم ويشجعهم، وهذا يفتح المجال لتطوير الدبلوماسية الرياضية لتصبح أداة لبناء القوة الناعمة للدول، وتحقيق أهداف سياستها الخارجية واستخدام الرياضة للتغلب على الخلافات والعداء والصراعات بين الشعوب.
الدبلوماسية الرياضية والعولمة
ولذلك ارتبطت الدبلوماسية الرياضية بالعولمة، وتحقيق منظومة من الأهداف المرتبطة بها مثل إقناع الشعوب بتحقيق التنمية المستدامة، ومواجهة المخاطر التي تهدد الأمن العالمي، وبناء العلاقات الدولية على أسس جديدة.
لذلك تطور مفهوم الدبلوماسية الرياضية، حيث أصبحت وسيلة يستخدمها صناع القرارات والوكالات الدولية لخلق علاقات أقوى بين الشعوب، كما تطورت مفاهيم أخرى مثل الدبلوماسية الرياضية من أجل التنمية والسلام، والتغلب على الخلافات بين الشعوب وخلق فرص للتعاون بينها.
بناء سمعة الدولة
لذلك صممت أستراليا إستراتيجيتها لاستخدام الدبلوماسية الرياضية لبناء سمعتها التي تقوم على أنها دولة تعمل لبناء شراكة مع الدول الأخرى، وزيادة العلاقات التجارية معها، والمساعدة على تطوير اقتصادها، وأنها تستخدم الدبلوماسية الرياضية لزيادة إمكانيات تحقيق السلام حول العالم.
كما أن الدبلوماسية الرياضية تشكل وسيلة لخلق حوار دائم بين الشعوب، ونقل المعرفة لها، والتأثير على فئات معينة داخل الشعوب مثل الشباب والنساء.
الرياضة والتطبيع
في ضوء ذلك يمكن أن نفهم أهداف إسرائيل من العمل بشكل متواصل طوال العقود الماضية للمشاركة مع رياضيين عرب، أو فرق رياضية عربية في مباريات أو أي شكل من المنافسات الرياضية، حيث تدرك إسرائيل أن التطبيع مع النظم والحكومات غير قابل للاستمرار، وأن الشعوب ترفض هذا التطبيع، وتعتبر أن المشاركة مع أية فرق رياضية إسرائيلية خيانة لقضية العرب الأولى، وهي قضية فلسطين.
وكل الشعوب العربية تعبر عن إعجابها وحبها للرياضيين الذين يعبرون عن ارتباطهم بقضية فلسطين ورفضهم للتطبيع مع إسرائيل.
وقد احتل محمد أبو تريكة مكانته في قلوب كل الشعوب العربية عندما عبَّر عن تعاطفه مع غزة ضد العدوان الإسرائيلي، وقدم التضحيات التي تتناسب مع نبل الموقف، وشرف المبدأ وعلو الهمة.
وقد ظهر ذلك واضحا في تعبير الشعوب العربية عن حبها وإعجابها بالرياضيين العرب الذين قرروا الانسحاب وعدم المشاركة مع لاعبين إسرائيليين، كما عبَّرت الجماهير عن كراهيتها واحتقارها للاعبة السعودية التي قبلت المشاركة مع لاعبة إسرائيلية.
ولقد كان الفخر واضحا على مواقع التواصل الاجتماعي بموقف لاعب الجودو الجزائري فتحي نورين الذي انسحب من أولمبياد طوكيو لرفضه مواجهة اللاعب الإسرائيلي، وقال "لقد عملنا بجد للتأهل للألعاب لكن القضية الفلسطينية أكبر من ذلك، وأنا أرفض التطبيع مهما كلفني الغياب عن الألعاب الأولمبية.. فإن الله سيعوضني عن ذلك".
كما افتخر العرب برفض لاعب الجودو السوداني محمد عبد الرسول مواجهة لاعب إسرائيلي، وانسحابه من المنافسة.
لقد قام فتحي نورين ومحمد عبد الرسول بدور دبلوماسي في التعبير عن الرأي العام العربي الرافض للتطبيع، وهو موقف أكبر وأهم من الفوز في المسابقة، ولقد أصبح لهما مكانة مهمة في قلوب كل العرب.
ولكن السؤال ماذا لو قام كل الرياضيين العرب والمسلمين بمقاطعة إسرائيل ورفض اللعب أمامها؟ هل يمكن أن تعاني إسرائيل من العزلة كما عانت جنوب أفريقيا في مرحلة النظام العنصري؟
والرياضيون العرب الذين سيعبرون عن تمسكهم بمبادئهم، ويرفضون التطبيع يمكن أن يكسبوا قلوب العرب وأرواحهم وحبهم وإعجابهم.
هذا هو دور الدبلوماسية الرياضية العربية الذي يمكن أن يسجله التاريخ كنموذج للنجاح في تحقيق الأهداف، وبهذا الموقف يمكن أن نطور الدبلوماسية الرياضية العربية.
ومن المؤكد أن شعب الجزائر الذي عبر عنه فتحي نورين بموقفه الشجاع يستحق إعجاب البشرية كلها بكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي، واستلهام تجاربه كشعب فاعل في التاريخ، وكذلك الشعب السوداني الذي ينتمي له محمد عبد الرسول.
كما أن الأمة العربية التي ينتمي لها فتحي نورين ومحمد عبد الرسول سوف تنتفض يوما لتنتزع حقها في الحرية والديمقراطية وتحرير فلسطين، فهي أمة حية لا يمكن أن تموت.
الجزيرة نت
هل ينجح أعداء أمتنا في تقسيم دولنا؟
نعيش جميعا منعرجا تاريخيا يتمثل لدينا فيما نراه يوميا من تقسيم دولنا أعراقا وقبائل وفرقا وهو ما يسعى... اقرأ المزيد
33
| 16 يناير 2026
السيكودراما وذوو الإعاقة
السيكودراما (Psychodrama) هي طريقة علاجية جماعية تعتمد على التمثيل الإيجابي والتجسيد الدورى للمشاهد الداخلية والعلاقات بين الناس. اخترعها... اقرأ المزيد
27
| 16 يناير 2026
خطورة التربية غير الصحية
هناك فرق كبير بين التركيز على الجهد وليس النتيجة في التربية وتلبية الاحتياجات الأساسية وليس كل الرغبات والرفاهيات... اقرأ المزيد
30
| 16 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1485
| 14 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
816
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
813
| 13 يناير 2026