رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تزايد استخدام مفهوم الدبلوماسية الرياضية خلال العقدين الماضيين، وأصبح يحتل مكانه داخل عالم الدبلوماسية العامة الذي يتطور ليشكل أساسا لبناء علاقات طويلة الأمد بين الشعوب.
وقد أصبح هناك قدر من الاتفاق على أن الرياضة أصبحت وسيلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول وبناء قوتها الناعمة، وتشكيل صورتها الذهنية، ووضع قضايا سياسية على الأجندة الدولية.
لذلك فإن تحليل الأحداث الرياضية لا بد أن يتجاوز وصف وسائل الإعلام للأحداث، ليستهدف دراسة اتجاهات الرأي العام نحو هذه الأحداث، وصور الدول التي تتشكل من خلالها، وتؤثر على مواقف الشعوب، وإمكانيات بناء العلاقات الدولية.
وفي الكثير من الأحيان تعبر الجماهير خلال الأحداث الرياضية عن مشاعرها الحقيقية تجاه الدول الأخرى، وهو ما يمكن أن يوضح لكل دولة الفرص التي يمكن أن تستغلها لبناء صورتها الذهنية وقوتها الناعمة، كما يمكن أن يشير إلى المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الدولة نتيجة إثارة مشاعر الجماهير، وعدائها لدولة معينة.
إن الدبلوماسية الرياضية أصبحت تحتاج لتأهيل خبراء لدراسة مشاعر الجماهير، واتجاهات الرأي العام والصور الذهنية، وكيفية استغلال الأحداث الرياضية لتطوير السياسة الخارجية للدولة، وبناء علاقاتها الدولية.
حساسية الجماهير
الدبلوماسية الرياضية هي وسيلة اتصال بالشعوب، لكن استخدامها يجب أن يكون في ضوء دراسات متعمقة، فهي دبلوماسية تتميز بالجاذبية، وإمكانيات تعبير الشعوب عن آرائها في السياسة الخارجية لدولها، واكتشاف مشاعر الجماهير وحساسيتها لقضايا معينة.
وهناك الكثير من الأحداث التي توضح أن الدبلوماسية الرياضية يمكن أن تحقق أهداف الشعوب التي تكافح للحصول على حقوقها، فلقد شكَّل استبعاد الفيفا لجنوب أفريقيا عام 1961 انتصارا لحركة الكفاح ضد التفرقة العنصرية، حيث ظلت جنوب أفريقيا مستبعدة من المشاركة في مباريات كرة القدم الدولية من عام 1961 حتى عام 1992، وقد اضطر النظام العنصري إلى إجراء إصلاحات لتصوير نفسه بأنه تخلى عن العنصرية لكي يتمكن من إنهاء عزلته والعودة للمشاركة في المباريات العالمية.
وتعتبر تلك أهم الأمثلة على نجاح الدبلوماسية الرياضية، واستخدامها لتحقيق أهداف طويلة الأمد، فشعب جنوب أفريقيا يذكر الفضل للشعوب التي ساندته في كفاحه، وعملت على عزل النظام العنصري.
وكان ذلك يعود إلى كفاح الدول الأفريقية الذي قادته نيجيريا، حيث قامت الدول الأفريقية عام 1978 باتخاذ قرار بمقاطعة دورة ألعاب الكومنولث بسبب علاقات نيوزيلندا الرياضية بنظام جنوب أفريقيا العنصري.
لذلك استخدم قادة جنوب أفريقيا الذين تم انتخابهم بشكل ديمقراطي عام 1994 الدبلوماسية الرياضية لبناء صورة جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد العنصرية، وساهم ذلك في زيادة القوة الناعمة للنظام الديمقراطي في جنوب أفريقيا، وقدرته على بناء علاقات طويلة الأمد مع الشعوب الأفريقية.
التكامل بين الثقافة والرياضة
ترتبط الدبلوماسية الرياضية بالدبلوماسية الثقافية، ويمكن أن تؤدي إلى تقوية المبادئ السياسية وتكامل السياسات، حيث استخدمت الدول الأوروبية الدبلوماسية الرياضية لتحقيق أهداف إستراتيجية من أهمها زيادة الارتباط الثقافي بين شعوب القارة الأوروبية، وتقوية الاتحاد الأوروبي، وتحقيق التكامل الاقتصادي وزيادة العلاقات التجارية.
هذا يفتح المجال لتطوير نظرتنا للرياضة، فهي ليست مجرد مباريات رياضية، لكنها مناسبات يتم فيها التعبير عن الشعوب ومواقفها من القضايا، والتعبير عن الرأي العام، والتحذير من خطورة الصور النمطية على العلاقات بين الشعوب.
فكثيرا ما تنطلق الجماهير في تعاملها مع الشعوب الأخرى من صور نمطية شكلتها وسائل الإعلام كما حدث في المباريات الرياضية بين مصر والجزائر، حيث كانت وسائل الإعلام المصرية تعمل على تعبئة مشاعر الجماهير المصرية ضد الشعب الجزائري، وذلك بهدف صرف انتباه الشعب المصري عن أحداث داخلية مثل رفع الأسعار.
وهذا الأسلوب يوضح خطورة عدم فهم الدبلوماسية الرياضية واستخدامها في بناء علاقات طويلة الأمد بين الشعوب، وضرورة تأهيل خبراء لإدارة الدبلوماسية الرياضية، حيث كان يمكن استخدام الحدث لتطوير العلاقات بين مصر والجزائر.
كما تظهر خلال المباريات الرياضية الكثير من الفرص لتعبير الشعوب عن هويتها ومواقفها واعتزازها بكفاحها وتاريخها.
الدبلوماسية الرياضية وإدارة الصراع
لذلك يمكن أن تستخدم الدول الدبلوماسية الرياضية لإدارة صراعها مع دول أخرى، لذلك أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية قسما للدبلوماسية الرياضية عقب أحداث 11 سبتمبر بهدف الوصول إلى الشباب في الشرق الأوسط عن طريق الرياضة والتأثير عليهم.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن التبادل الرياضي بين الشعوب يفتح الأبواب لمشاركة المجتمعات، وبناء العلاقات بينها وإن الرياضة وسيلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية مثل تمكين الشباب والمساواة بين الجنسين وحل الصراعات.
وهناك الكثير من البرامج التي يقدمها قسم الدبلوماسية الرياضية في وزارة الخارجية الأمريكية، مثل برنامج المبعوثين الرياضيين الذي يقوم على إرسال مدربين رياضيين للالتقاء بالشباب، وشرح أهمية الرياضة للصحة، وبرنامج الزيارات الرياضية الذي يستضيف الرياضيين والمدربين والإداريين في الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن الدبلوماسية الرياضية تستهدف التأثير على الرياضيين، واستخدامهم للتأثير على الجمهور الذي يحبهم ويشجعهم، وهذا يفتح المجال لتطوير الدبلوماسية الرياضية لتصبح أداة لبناء القوة الناعمة للدول، وتحقيق أهداف سياستها الخارجية واستخدام الرياضة للتغلب على الخلافات والعداء والصراعات بين الشعوب.
الدبلوماسية الرياضية والعولمة
ولذلك ارتبطت الدبلوماسية الرياضية بالعولمة، وتحقيق منظومة من الأهداف المرتبطة بها مثل إقناع الشعوب بتحقيق التنمية المستدامة، ومواجهة المخاطر التي تهدد الأمن العالمي، وبناء العلاقات الدولية على أسس جديدة.
لذلك تطور مفهوم الدبلوماسية الرياضية، حيث أصبحت وسيلة يستخدمها صناع القرارات والوكالات الدولية لخلق علاقات أقوى بين الشعوب، كما تطورت مفاهيم أخرى مثل الدبلوماسية الرياضية من أجل التنمية والسلام، والتغلب على الخلافات بين الشعوب وخلق فرص للتعاون بينها.
بناء سمعة الدولة
لذلك صممت أستراليا إستراتيجيتها لاستخدام الدبلوماسية الرياضية لبناء سمعتها التي تقوم على أنها دولة تعمل لبناء شراكة مع الدول الأخرى، وزيادة العلاقات التجارية معها، والمساعدة على تطوير اقتصادها، وأنها تستخدم الدبلوماسية الرياضية لزيادة إمكانيات تحقيق السلام حول العالم.
كما أن الدبلوماسية الرياضية تشكل وسيلة لخلق حوار دائم بين الشعوب، ونقل المعرفة لها، والتأثير على فئات معينة داخل الشعوب مثل الشباب والنساء.
الرياضة والتطبيع
في ضوء ذلك يمكن أن نفهم أهداف إسرائيل من العمل بشكل متواصل طوال العقود الماضية للمشاركة مع رياضيين عرب، أو فرق رياضية عربية في مباريات أو أي شكل من المنافسات الرياضية، حيث تدرك إسرائيل أن التطبيع مع النظم والحكومات غير قابل للاستمرار، وأن الشعوب ترفض هذا التطبيع، وتعتبر أن المشاركة مع أية فرق رياضية إسرائيلية خيانة لقضية العرب الأولى، وهي قضية فلسطين.
وكل الشعوب العربية تعبر عن إعجابها وحبها للرياضيين الذين يعبرون عن ارتباطهم بقضية فلسطين ورفضهم للتطبيع مع إسرائيل.
وقد احتل محمد أبو تريكة مكانته في قلوب كل الشعوب العربية عندما عبَّر عن تعاطفه مع غزة ضد العدوان الإسرائيلي، وقدم التضحيات التي تتناسب مع نبل الموقف، وشرف المبدأ وعلو الهمة.
وقد ظهر ذلك واضحا في تعبير الشعوب العربية عن حبها وإعجابها بالرياضيين العرب الذين قرروا الانسحاب وعدم المشاركة مع لاعبين إسرائيليين، كما عبَّرت الجماهير عن كراهيتها واحتقارها للاعبة السعودية التي قبلت المشاركة مع لاعبة إسرائيلية.
ولقد كان الفخر واضحا على مواقع التواصل الاجتماعي بموقف لاعب الجودو الجزائري فتحي نورين الذي انسحب من أولمبياد طوكيو لرفضه مواجهة اللاعب الإسرائيلي، وقال "لقد عملنا بجد للتأهل للألعاب لكن القضية الفلسطينية أكبر من ذلك، وأنا أرفض التطبيع مهما كلفني الغياب عن الألعاب الأولمبية.. فإن الله سيعوضني عن ذلك".
كما افتخر العرب برفض لاعب الجودو السوداني محمد عبد الرسول مواجهة لاعب إسرائيلي، وانسحابه من المنافسة.
لقد قام فتحي نورين ومحمد عبد الرسول بدور دبلوماسي في التعبير عن الرأي العام العربي الرافض للتطبيع، وهو موقف أكبر وأهم من الفوز في المسابقة، ولقد أصبح لهما مكانة مهمة في قلوب كل العرب.
ولكن السؤال ماذا لو قام كل الرياضيين العرب والمسلمين بمقاطعة إسرائيل ورفض اللعب أمامها؟ هل يمكن أن تعاني إسرائيل من العزلة كما عانت جنوب أفريقيا في مرحلة النظام العنصري؟
والرياضيون العرب الذين سيعبرون عن تمسكهم بمبادئهم، ويرفضون التطبيع يمكن أن يكسبوا قلوب العرب وأرواحهم وحبهم وإعجابهم.
هذا هو دور الدبلوماسية الرياضية العربية الذي يمكن أن يسجله التاريخ كنموذج للنجاح في تحقيق الأهداف، وبهذا الموقف يمكن أن نطور الدبلوماسية الرياضية العربية.
ومن المؤكد أن شعب الجزائر الذي عبر عنه فتحي نورين بموقفه الشجاع يستحق إعجاب البشرية كلها بكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي، واستلهام تجاربه كشعب فاعل في التاريخ، وكذلك الشعب السوداني الذي ينتمي له محمد عبد الرسول.
كما أن الأمة العربية التي ينتمي لها فتحي نورين ومحمد عبد الرسول سوف تنتفض يوما لتنتزع حقها في الحرية والديمقراطية وتحرير فلسطين، فهي أمة حية لا يمكن أن تموت.
الجزيرة نت
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2580
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
1371
| 20 أكتوبر 2026