رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أقدم المصرف المركزي على خفض أسعار الفائدة في مبادرة لم نعتدها من قبل , فقد خفض سعر الخصم بنصف في المائدة وجاءت خطوة المصرف المركزي موفقة من حيث مواكبتها لهبوب عاصفة الديون السيادية الأوربية وتعرض قطاعها المالي لضغوط غير مسبوقة , وجاء تخفيض أسعار الفائدة الأخيرة مفاجأة سعيدة حيث ظهر فيها المصرف المركزي على غير عادته , من تفاعل مع أحداث الأسواق وتقلباتها ورد فعل موفق فالتوقيت لم يكن ليكون أفضل ففي الوقت الذي تعرضت فيه الاسواق لحالة من التوتر وعدم اليقين وهي في اشد الحاجة للدعم تقدم المصرف المركزي بخفض اسعار الفائدة مما يوفر السيولة للقطاع المالي ويدعم النمو الاقتصادي ويحصن السوق المالي والعقاري ضد أي هزات محتملة جراء تداعيات عدم الثقة والغموض الناتج عن تصدع صورة المشرع الأمريكي والذي عادة ما تعتمد عليه الأسواق العالميه في فترات الأزمات , واذا به يكون مصدر الهزات والازمات مما يزيد من مخاطر الاستثمار ويدخل المستثمرين مؤسسات وافراد في دوامة التكهنات بما هو ممكن وما هو متوقع , وتزامن ذلك مع تبعات الازمه الماليه وما أعقبها من ارتدادات سلبية ليس اقلها ازمة الديون الغربية وفي الوقت الذي يواجه العالم أزمة الديون السيادية الغربية , يظهر علينا مشهد صياغة القرار في الولات الأمريكيه بمظهر لا يليق ببعض الدول الفاشلة , مما يجعل امكانية تكرار ذلك في المستقبل أمرا محتملا وجعل الاقتصاد العالمي معرضا لاحتمالات تكرار الأزمات وتردي النمو الاقتصادي العالمي مما يزيد من التكهنات بتعرضه للركود السبب الرئيس لما تعانيه الاقتصادات المتقدمة وخاصة أوروبا وأمريكا من تفاقم العجز وفي ميزانياتها وتعرضها لتخفيض الجدارة الائتمانية , وعليه فإن اصحاب القرار في بلدان العالم لا بد أن يأخذوا تبعات قراراتهم في الحسبان قبل الاقبال على سن قوانين او وضع سياسات تكون بمثابة مسمار في نعش الاقتصاد العالمي , وفي وقت أصبح فيه الاقتصاد العالمي لا يحتمل الهزات ويرتبط ببعضه البعض لدرجة التكامل فاي اقتصاد يتعرض لأزمة سيتسبب في تدني الثقة في الاقتصاد العالمي ,فليس هنالك هامش يكفي لمناورات أو أخطاء أوقرارات غير مدروسة العواقب , ولذلك نحن في مرحله تاريخية لم يسبق لها مثيل في مدى مسؤولية كل متخذ قرار في العالم أمام دول العالم فلم تعد هنالك قرارات محلية بمعناها المتعارف عليه تاريخيا فكل قرار محلي له آثار عميقة على الاقتصاد العالمي وكلما كبر اقتصاد تلك الدولة بدت مسؤولياتها أمام العالم أكبر واعتماد دول العالم على قرارات حكيمة أكبر فليس هنالك مجال للتجربة والاختبار على حساب اقتصادات العالم والمشاكل البينية تظل محكومة بمدى تعرضها للاقتصاد العالمي , وكيفية تعامل كل دولة ومدى حساسيتها لأثر قراراتها على الاقتصاد العالمي أما أن يكسبها سمعة طيبة وأما أن سمعة سيئة وستحاسب على خشبة المسرح العالمي فتكسب قوة ناعمة تمكنها من تحقيق مصالحها او تفقد تلك القوة الناعمة وتفقد القدرة على التأثير في القرارات العالمية , فكون الدولة صاحبة مسؤولية وسيمكنها من تحقيق رؤيتها وتحصل على سماع الأطراف الدولية لشكواها ومطالبها أما الدول التي ستكون مصدر اختلالات وعدم ثقة ...اذن العالم ودول أوروبا وامريكا أصبحت مهددة وعلى شفير حفرة من تلك المصائب ومثل هذا المصير تاريخيا كان يهدد الدول الفقيرة وغير المستتبة أمنيا , وتأتي خطوة المصرف المركزي في ظل تلك الظروف لتعطيه مصداقية وتعزز من إمكانيات النموا الاقتصادي في الدولة وتمنح المصرف الاستقلالية التي يحتاجها ليؤثر على رؤية الاقتصاد المستقبلية من خلال اكتساب الثقة من طرف المستثمرين لان الخطوة التي أقدم عليها المصرف المركزي لم تكن تقليدية أو مواكبة لخفض اسعار فائدة من قبل المصرف المركزي الأمريكي اوالمصرف المركزي الاوروبي فقد جاءت خطوة المصرف المركزي الوطني بشكل مستقل اعطت انطباعا بأن المصرف المركزي يملك القرار في مسائل السياسة النقدية وهذا يضفي بعد استقلالية القرار ويمكنه من التعامل مع بعض خصوصيات الاقتصاد الوطني بعيدا عن الارتباط الاعمي بالسياسات النقديه الامريكية والتي عادة ما تكون غير مناسبة لدورات الاقتصاد الوطني لاسباب عدة لا يتسع لها المجال هنا , ولذلك اصبح لدينا سياسة نقدية مرنة ... اما في الماضي فلم نملك الحد الادنى من الاستقلالية بل في كثير من الاحيان تكون ردات فعل المصرف المركزي الامريكي ليست في صالح الاقتصاد الوطني لاسباب اقلها ان اقتصادنا يعتمد على النفط والغاز في الوقت الذي يحتاج فيه الاقتصاد الامريكي للنفط والغاز لتحفيزه أي في حال ارتفعت اسعار النفط والغاز فهي في صالح الاقتصاد الوطني وليست في صالح الاقتصاد الامريكي اي ان الاقتصاد الوطني والامريكي على طرفي نقيض لذلك فلا بد ان تعكس السياسه النقديه ذلك من خلال استخدام ادوات السياسة النقدية كي تعطي نتائج في الغالب متباينة لما تتطلبه السياسة النقدية في امريكا .
وبطبيعة الحال وجب وضع سياسات نقديه في معظم الأحيان تخالف السياسات النقديه الامريكيه . ولكن لم نر ذلك في الماضي وكلما طالبنا بمراجعة اهداف السياسة النقدية في الدوله كلما أوغل المصرف في صمته , لذلك فإن رؤية المصرف في شكله الجديد هي نسمة هواء نقي قد يكون السبب في ذلك هو الاتحاد النقدي ومحاولة مواكبة اسعار الفائدة في المنطقه وكانت فرصة لا تعوض من اجل تقريب اسعار الفائدة المحلية واسعار الفائده في منطقة الخليج بشكل خاص والعالم بشكل عام , او قد يكون السبب هو اعادة تنظيم المصرف ووجود مجلس اداره مكٌن المصرف من استقلالية لقرار عن سياسات الدولار النقدية , او قد يكون السببان مجتمعان , على كل حال اي كان السبب ما فى خطوة المركزى فهو مؤشر فى استقلالية القرار فيما يخص السياسة النقدية , ومواكبة ذلك للاوضاع الاقتصادية والضغوط على الاقتصاد العلمي وقراءة ذلك تستحق الاشاده , قدرة المصرف على اتخاذ ذلك القرار في وقت لم تقدم عليه المصارف المركزية يستحق خطوة ايجابية واستباق أي تبعات سلبيه لما كان يحدث في الاسواق العالميه يستحق الاشادة , وحتى لا يشط المتابعون والمهتمون من رجال مال واعمال ومستثمرين ومراقبين نرجو من المصرف المركزي تعيين ناطق رسمي يوضح توجهات المصرف دون الحاجة للتكهنات والاشاعات , الآن وقد اقدم المصرف المركزي على خفض اسعار الفائدة يبقى مؤشر الاسعار ومعدل التضخم ورؤية معدل النمو في الاقتصاد المحلي هل هناك هامش لخفض اخر وهل مؤشرات الاسعار يسمح بذلك , فلا يزال الهامش بين اسعار الفائده في الاقتصاد المحلي واسعار الفائدة في منطقة الخليج يوحي بان المصرف قادر ويحتاج لخفض اخر بمقدار اثنين الى اثنين ونصف في المائة , من ناحية ولكن معدلات التضخم قد لا تسمح بذلك حيث انها تحوم حول الثلاثة الى ثلاثة ونصف مما يعني أن المصرف سيواجه بعض الصعوبة للوفاء بالتزامه بمعايير الوحدة النقدية , واذا اضفنا على ذلك الزيادة في الاجور والتي بلغت 60%فان احتمالات زيادة الضغوط التضخمية ستكون اكبر بكثير في المستقبل المنظور , خاصه وان المستهلكين والاسر سوف تجد الفرصة لتحقيق متطلباتها المتأخرة , والمصارف ستجد نفسها في حال افضل بكثير لتحسن مداخيل عملائها وتحسن إمكانيات السداد لديهم مما سينقذ الكثير من الديون من حالة التعسر الى امكانيات سدادها , وهذا سيخلق مفارقات لن يكون المصرف المركزي بقادر على احتوائها حتى تتضح الصورة بعد فترة قد لا تكون قصيرة من اجل معرفة اثار الزيادة في الاجور واثرها على معدلات الفائدة , مما قد يؤدي الى تأخير الوحدة النقدية اذا كان توحيد اسعار الفائدة شرط ضروري لإكمال مشروع الوحدة النقدية , وإذا اضفنا لكل ذلك مشاريع كاس العالم وغيرها تزيد ضبابية امكانية الالمام بمدى تأثر الاقتصاد بكل هذه العوامل مجتمعة , وكل هذا يضع المصرف المركزي في مكان لا يحسد عليه خلال الفترة القادمة من أجل تحديد الخطوات القادمة في مسلسل السياسات النقدية .
والله من وراء القصد
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4815
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3354
| 23 سبتمبر 2026