رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعرض في هذه السطور شهادات دولية موثقة عن جرائم ارتكبتها العصابات الصهيونية في حق الفلسطينيين يجب ألا تمر بدون حساب من المجتمع الدولي، فمن ذلك ما نشرته صحيفة الجارديان البريطانية بعددها الصادر يوم 21/3/2009 حسبما ورد في تقرير هيئة تحرير موقع www.walla.co.il من أن صحيفة الجارديان البريطانية تمتلك توثيقاً مفصلاً لشهادات، يتضح منها أن الجيش الإسرائيلي قد ارتكب عدداً من جرائم الحرب خلال عملية الرصاص المنصهر في قطاع غزة. ومن بينها شهادات تفيد بأن الجنود الإسرائيليين استخدموا الأطفال الفلسطينيين دروعاً بشرية، وأطلقوا النار عن عمد على الطوائف الطبية والمستشفيات وأطلقوا النار من المروحيات على المدنيين.
وكانت أكثر الشهادات خطورة تلك التي أدلى بها ثلاثة من الشباب من أبناء أسرة العطار، وصفوا فيها كيف تم اقتيادهم من منزلهم تحت تهديد السلاح، وإجبارهم على السير أمام دبابات الجيش الإسرائيلي في محاولة لمنع حماس من إطلاق النار على القوة خلال دخولها على الأحياء الفلسطينية.
وقال علاء البالغ من العمر 12 عاماً: "لقد أجبرونا على السير في المقدمة حتى إذا ما أطلقوا النار عليهم تصيبنا نحن".
كما يتضح من الشهادات أن الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف تحولوا إلى هدف مشروع عندما كانوا يحاولون نقل الجرحى، حيث قتل 16 مسعفاً. أفادت منظمة الصحة العالمية بأن أكثر من 27 مستشفى و44 عيادة أضيرت نتيجة القصف الإسرائيلي. كما تهدمت عيادتان تماماً، وروى المسعفون أنه في إحدى الوقائع أطلقت دبابة النار عليهم في الوقت الذي كانوا ينقلون فيه أحد المصابين إلى المستشفى. كما يتضح من التحقيق الإسرائيلي أطلق النار على الأهداف مدينة رغم أنه لم يكن هناك احتمال الخطأ في تمييزها. وفي إحدى الوقائع قتلت أسرة مكونة من ستة أفراد بعد أن أصاب صاروخ فناء منزلهما.
وبينما قالت الصحيفة إنها جمعت هذه الشهادات على مدار شهر، رفض الجيش الإسرائيلي من جانبه الرد مباشرة على تلك الاتهامات، ولكن المسؤولين أنكروا ارتكاب جرائم حرب، وقالوا إن الجنود التزموا بالقانون الدولي. ويأتي نشر الصحيفة لهذا التحقيق بعد أن تم يوم الخميس الماضي نشر شهادات لجنود إسرائيليين كشفوا فيها عن حوادث تم فيها انتهاك القانون الدولي.
وفي تقرير نشرته منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" في إسرائيل، ورد أن الجيش الإسرائيلي ارتكب "بالتأكيد" مخالفات للقانون الدولي الإنساني خلال العملية التي تمت في شهر يناير، حيث هاجم طواقم طبية، وأصاب مبان طبية، وهاجم مدنيين، وعرقل نقل المساعدات الطبية للمصابين.
ومن ذلك أيضا ما ورد في تقرير خطير نشرته منظمة هيومان رايتس ووتش الدولية يوم 25/3/2009 ونقلته عن موقعها صحيفة يديعوت أحرونوت في اليوم نفسه تحت عنوان مثير هو [" استخدام الفسفور الأبيض في حرب غزة جريمة حرب " ] وجاء فيه أن استخدام الجيش الإسرائيلي لقنابل الفوسفور الأبيض بين المدنيين خلال عملية "الرصاص المنصهر" يشير إلى ارتكاب جرائم حرب.
ويشمل التقرير الذي نشر تحت عنوان "وابل من النار.. استخدام إسرائيل غير القانوني للفوسفور في غزة" شهادات حول التأثيرات الخطيرة لقنابل الفوسفور الأبيض على المصابين من القصف. وكان ناشطو المنظمة قد بدأوا في التحقيق في إطلاق النار في غزة فور خروج الجيش الإسرائيلي من القطاع. وعثروا على قذائف وعبوات محروقة تحتوي على الفوسفور في الشوارع وأسطح المنازل والأفنية وفي مدارس الأمم المتحدة في القطاع.
وتم إخضاع ما تم العثور عليه للاختبارات المعملية التي ضمت نتائجها إلى التقرير وأرفقت معها صورا التقطت بالأقمار الصناعية، بالإضافة إلى وثائق من الجيش الإسرائيلي والحكومة.
وتستخدم قوات الجيش الإسرائيلي قنابل الفوسفور للتغطية على العمليات البردية، نظراً لأن هذه القنابل تثير الضباب بعد إطلاقها، ومع ذلك فإن هذا يعتبر سلاحا خطيرا يشتعل عندما يلامس الأكسجين. وعندما يلامس الجلد يتسبب الفوسفور الأبيض في حروق شديدة ومستمرة.
وذكر التقرير أن الجيش الإسرائيلي ألقى قنابل الفوسفور بشكل متكرر على الأحياء السكنية متسبباً في قتل وإصابة مدنيين. وفي إحداث أضرار بالمباني المدنية بما في ذلك المدارس والأسواق ومخازن المواد الإنسانية والمستشفيات.
وقال فريد أبراهامز، أحد كبار الباحثين في المنظمة وأحد معدي التقرير: إن "الجيش الإسرائيلي لم يستخدم الفوسفور في غزة في المناطق المفتوحة فقط كغطاء دخاني لإخفاء عملياته، ولكنه أطلق الفوسفور الأبيض بشكل متكرر على مناطق مأهولة ومزدحمة حتى بينما لم تكن قواته في المنطقة، وكان يمكن استخدام قنابل دخان أكثر أمناً. ونتيجة لذلك، عانى ومات مدنيون بلا طائل".
وقالت المنظمة إن إطلاق النار المتتابع يحتاج إلى تصديق من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي. وأضافت: "تجنب محاكمة كبار القادة بسبب الموت غير المبرر للمدنيين الذي تسبب فيه الفوسفور الأبيض".
وتشير نتائج التقرير إلى أنه خلال العمليات الأخيرة في قطاع غزة أطلقت القوات الإسرائيلية قذائف مدفعية تحتوي على الفوسفور الأبيض يبلغ قطرها 155مم، وأحياناً كان يتم إطلاق القذائف على مناطق مأهولة أو بالقرب منها، وكانت كل قذيفة تفجر في الجو، تطلق 116 كتلة لهب من الفوسفور الأبيض في نطاق يصل إلى 125 متراً من نقطة الانفجار.
وذكر التقرير أن الجيش الإسرائيلي كان على علم بأن الفوسفور الأبيض يشكل خطراً على الحياة، حيث ذكر تقرير طبي أعدته وزارة الصحة خلال العملية أن "الفوسفور الأبيض" في حالة النجاة من الموت، له القدرة على التسبب في أمراض خطيرة في حالة ما لامس الجلد المكشوف أو ما تم استنشاقه أو بلعه" ويشير التقرير إلى أن الحروق التي تصيب أقل من 10% من الجسم يمكنها أن تكون قاتلة بسبب ضررها على الكبد والكلى والقلب.
وأعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن تقريراً مبدئياً للجيش بشأن استخدام الفوسفور الأبيض في قطاع غزة، قد أكد أن الجيش التزم بقواعد القانون الدولي، واستخدم هذا السلاح في مسائل محددة تقتضيها العمليات العسكرية وبما يتفق وقواعد القتال.
وذكر التقرير، الذي يتم عرضه قريباً على رئيس هيئة الأركان العامة، أنه لم يتم استخدام تلك القنابل بشكل عشوائي أو بهدف تهديد المدنيين.
وكان علي الخشان، وزير العدل الفلسطيني، قد تقدم في شهر يناير 2009 بشكوى رسمية ضد إسرائيل أما المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي متهمها باستخدام قنابل الفوسفور في مناطق مأهولة ومزدحمة بالسكان.. في البداية، عندما توجه الفلسطينيون إلى المحكمة الجنائية الدولية وكان هناك ادعاء بعدم إمكانية فتح ملف ضد إسرائيل نظراً لأنها لم توقع على وثيقة تأسيس المحكمة؛ أي ميثاق روما، ولكن فيما بعد ظهرت إمكانية فتح ملف لكون الجريمة حدثت في المناطق الخاضعة للسيادة الفلسطينية، وهو ما يمكن أن تصفه بأنه لا يقع تحت السيادة الإسرائيلية.
فهل تتبنى الجامعة العربية فتح هذا الملف أمام محكمة العدل الدولية؟ نتمنى ذلك.
هناك حرب وهنا عدوان
لعلكم لاحظتم إنني لم أتطرق للحرب الأمريكية الإيرانية منذ وقت طويل لا سيما وإن هذه الحرب تتفاقم في... اقرأ المزيد
57
| 05 أغسطس 2026
بين التحدي والشغف... يولد الأثر
• في حياة كل إنسان قصة تركت وقعها وأثرها لا يعرفها الآخرون، ومعركة خاضها بصمت، وكلمة غيَّرت مسار... اقرأ المزيد
57
| 05 أغسطس 2026
النخلة والصاروخ
اليوم تجد دول الخليج العربي نفسها في نقطة ارتكاز استراتيجية فريدة بعد أحداث صاخبة ومستمرة، بلا شك، وإن... اقرأ المزيد
36
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4173
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2310
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1482
| 30 يوليو 2026