رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقولون بالإنجليزية: "أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً". قد يصدقُ هذا المثل على محاولة الغرب بشكل عام، وأمريكا تحديداً، للتعامل مع ظاهرة الإرهاب الدولي. ولكن، لو أن هذه القوى ستصل فعلاً لتحقيق ذلك الهدف.
لماذا نُشكِّكُ في الأمر؟ لأن التفكير بأحداث عقدٍ ونصف من الزمان تجعل الحليم حيراناً فيما يتعلق بممارسات الغرب وسياساته المتعلقة بهذا الموضوع، وهي المُفعمة بالتناقضات، وإساءة الحسابات، والزهد في سماع اقتراحات الحلول، وفي الاستجابة للمبادرات. فمنذ عامين تقول السي آي إيه إن عدد (داعش) لا يتجاوز المئات، ثم يصبح بعد عامين عشرة آلاف، لتصرخ اليوم بأنهم تجاوزوا ثلاثين ألف مقاتل!
والحقيقة أن مثل هذا التصرف إما أن يدل على سوءٍ في التقدير والتخطيط والحسابات لا يجوز معه اعتبار من يمارسه دولة (كبرى)، أو أنه يدل على رغبةٍ غير معلنة في تفاقم الظاهرة، تُصبح معها مثل تلك الممارسات غطاءً للإلهاء وصرف الأنظار عن الحقيقة المذكورة، ولا تفسير ثالث منطقياً لمثل هذه الظاهرة الغريبة.
أكثر من هذا، لا ندري إن كانت أمريكا وأوروبا بمراكز أبحاثها ومؤسساتها التي يُفترض بها أن تحفظ كل معلومة صغيرة أو كبيرة في هذا العالم، تتذكر أن ثمة مؤتمراً دولياً لمكافحة الإرهاب عُقد في الرياض منذ قرابة عشر سنوات حضرته أكثر من ستين دولة. وأن أجندة المؤتمر ودراساته وأوراقه وتوصياته كان يمكن أن تكون (دليل المُستخدِم)، إن صح التعبير، للقضاء على ظاهرة الإرهاب الدولي لو تم الأخذ بها منذ ذلك الوقت.
الأرجح أن السادة من خبراء العالم الذين يجمعون اليوم أربعين دولةً لمكافحة إرهاب (داعش) بالتركيز على القوة والضربات الجوية، نسوا تماماً ذلك المؤتمر وتوصياته الذهبية. من هنا، كان ضرورياً أن نذكِّرهم، ونذكر العالم، بها. وكم سيكون مؤلماً أن نذكرهم مرةً أخرى بها بعد زمن في حال فشل جهودهم المبنية على رؤية مختزلة وأحادية للإرهاب ولسبيل مكافحته بشكل شاملٍ ونهائي.
ذَكَرَت التوصياتُ يومَها أن الأسباب الجذرية للإرهاب تشمل الفقر المدقع، والنظام والهيكل الاجتماعي غير العادل، والفساد، والأسباب السياسية، والاحتلال الأجنبي، والاستغلال الشديد، والتطرف الديني، والانتهاك المنتظم لحقوق الإنسان، والتمييز، والتهميش الاقتصادي، والاستلاب الثقافي نتيجة للعولمة، إضافة إلى الصراعات الإقليمية التي تستغل كذريعة للأعمال الإرهابية ولعمليات المنظمات الإرهابية. فأين النظام الدولي من معالجة هذه القضايا بالشكل الذي يكفل محاربة الإرهاب الحقيقي؟
ذكرت التوصيات أنه ينبغي بذل محاولات جادة لتسوية المنازعات الإقليمية والدولية سلمياً من أجل تفويت الفرصة أمام المنظمات الإرهابية لاستغلال معاناة الشعوب التي ترزح تحت وطأة ظروف غير عادلة.
ذكرت أنه ينبغي دعم جهود الإصلاح الوطني بهدف توسيع المشاركة السياسية والتعددية، وتحقيق التنمية المستدامة، والتوصل إلى توازن اجتماعي وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني بغية التصدي للظروف التي تعزز العنف والتطرف.
نعم، أكدت التوصيات أنه بصرف النظر عن أي ذريعةٍ يسوقها الإرهابيون تبريراً لأعمالهم، فإن الإرهاب لا مبرر له. لكنها أَوضَحت أيضاً أن غياب الاتفاق بشأن تعريف شامل للإرهاب يعيق الجهود الدولية لمكافحته، ولهذا يكون من الضروري دائماً التغلب على مشكلة تعريفه.
هاهي إيران، مثلاً، تمارس أكبر دورٍ في الإرهاب الرسمي المنظم في المنطقة، وتقف بقوة وراء إرهاب لم يسبق له مثيل من قِبل نظام الأسد، والحوثيين، وتدعم ممارسات الطرفين عبر حركاتٍ إرهابية وميليشيات منظمة مثل الحركة التي تسمي نفسها (حزب الله) وغيرها من المنظمات الطائفية. لكن الحملة الدولية المعاصرة تتجاوز كل ذلك، ولا تذكره بكلمةٍ واحدة. في حين أننا نعلم أن خلق إجماعٍ شعبي ووطني كبير على المهمة الخطيرة المتمثلة في محاربة (داعش) تتطلب ربطاً واضحاً بين هذه القضايا.
وهذا ما كان المقصود إلى درجة كبيرة حين ذَكرت التوصيات أن "من الأهمية بمكان معالجة العوامل التي توفر أرضية خصبة لازدهار الإرهاب بغرض الإسهام في القضاء على الإرهاب". ويعلم القاصي والداني دور إيران الرئيس في توفير أرضية خصبة لازدهار الإرهاب في المنطقة بكل أنواعه، وعن سابق قصدٍ وإصرار. الأنكى أن تحاول إيران التذاكي على دول المنطقة وعلى العالم بادعاء البراءة والحديث عن ضرورة محاربة الإرهاب، وعن رغبتها في المشاركة في ذلك، في حين أن عليها أن تفعل الكثير لتُثبت أنها ليست منغمسة فيه إلى النخاع كدولة راعية رسمية للإرهاب.
لم تأخذ دول العالم المقترح المذكور بشكلٍ جدي للأسف، ولم تتعامل مع موضوع الإرهاب الدولي بما يتناسب مع خطورته الحقيقية بشكلٍ يثير الكثير من الاستغراب والتساؤلات. حصل هذا رغم أن ألف باء التفكير السياسي تؤكد أنه لو تمت الاستجابة لمثل تلك التوصيات، فإن من المؤكد أن عمل عشر سنوات وفقاً لها كان يمكن له أن يخلق واقعاً لا نصل معه إلى ما وصلنا إليه اليوم.
هكذا، تتضح مرةً أخرى مشكلة النظام الدولي وافتقاده القدرة أو الإرادة، وفي كثيرٍ من الأحيان كليهما، في معرض التعامل مع القضايا الكبرى التي تمس غالبية الدول والشعوب. وإلا فإن من غير الممكن وجود تفسير آخر لهذا الاستهتار كل هذه المدة، في مقابل الصحوة المفاجئة التي نراها الآن. والكل يعلم أن فعالية التعامل مع مثل هذه القضايا المعقدة بتخطيط شمولي طويل الأمد هي أكبرُ بكثير منها عندما تكون مُستعجلةً وقائمةً على الحشد والتعبئة والترتيبات الانفعالية التي تأتي استجابةً للضغوط الراهنة.
ما يزيد الأمر سوءاً هو أن مثل هذه السياسات القصيرة النظر تسمح لدولٍ مثل روسيا بلعب أدوارٍ فيها الكثير من الانتهازية والنفاق. فروسيا التي عطلت مجلس الأمن مرات عندما حاول القيام بدورٍ لمواجهة إرهاب نظام الأسد، والذي كان منبع إرهاب داعش وغيرها بممارساته الوحشية، هي التي تتصنع اليوم المناداة بالشرعية والحرص عليها، وترفض محاربة الحركة دون ذلك، بل والأسوأ أنها تُطالب بدورٍ لنظام الأسد الإرهابي في الحرب على الإرهاب.
لقد قالت العرب دائماً إن (درهم وقاية خير من قنطار علاج). وفي حين يبدو النظام الدولي في وارد الغفلة عن تلك القاعدة، فإن المشاركة في الجهود الحالية مطلوبة، رغم أن تحقيق أهدافها بشكلٍ فعال قد لا يكون ممكناً، في نهاية المطاف، إلا بمشروعٍ إقليميٍ شاملٍ وعاقل ينبني على مقولة عربيةٍ أخرى تؤكد دائماً بأن (أهل مكة أدرى بشعابها).
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص... اقرأ المزيد
216
| 07 يونيو 2026
امتحانات الثانوية.. صناعة أجيال تبني الوطن
مع انطلاق اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية للعام الأكاديمي 2025-2026، تبدأ مرحلة مفصلية في حياة آلاف... اقرأ المزيد
174
| 07 يونيو 2026
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة عمرية، بل تتحول إلى سؤال كبير يطرق ضمير الإنسانية: كيف... اقرأ المزيد
204
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3507
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2607
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2283
| 02 يونيو 2026