رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا نظرتم إلى وسائل الإعلام الغربية، فسترونها تتحدث عن كوارث تشهدها تركيا منذ إعلان حالة الطوارئ. وسائل الإعلام تلك تقول إن قانون الطوارئ الذي تم استخراجه لمكافحة منظمة فتح الله جولن الإرهابية، بات يستخدم من قبل الرئيس رجب طيب أردوغان، لضرب كل قوى المعارضة.
وفقًا للغرب، فإن وضع حرية الصحافة، وحرية التعبير، والقانون، والنظام العام، تعيش مآزق كبيرة في تركيا التي تأخذ منحى سيئا للغاية.
إن الأخبار التي نشرتها وسائل الأعلام تلك، إضافة إلى تعليقات السياسيين الغربيين على تلك الأخبار، أسهمت إلى حد بعيد بتشويه صورة تركيا في الخارج.
ماذا يحدث في تركيا؟
هكذا يسعون لإظهار تركيا في الخارج، لكن كيف نحن نرى الوضع من الداخل؟ ماذا يحدث في تركيا وهل أثرت حالة الطوارئ في البلاد على حياتنا؟
لربما أن محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في 15 يوليو الماضي، كان الحدث الأكثر تأثيرًا على المجتمع والأحداث السياسية في تركيا. كما أن الحدث ذاته سيبقى مجال حديث وبحث لسنوات عديدة، سيكتب عنه كتبٌ ويعدُّ حوله أفلام وثائقية.
إن حالة الطوارئ التي نتحدث عنها قد أعلنت بعد محاولة انقلاب حدثت في البلاد. وأعتقد أن اتخاذ مثل هذا الإجراء هو بالتأكيد حق طبيعي لتركيا. بعد إعلان حالة الطوارئ تزايدت في وسائل الإعلام وكواليس السياسة الأوروبية نبرة العداء ضد تركيا. علمًا أن فرنسا على سبيل المثال أعلنت حالة الطوارئ لمرتين عقب الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها البلاد. وهي تعيش منذ 9 أشهر في حالة طوارئ.
عقب محاولة الانقلاب أعلنت تركيا حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، إلا أن ردود الفعل الأوروبية على ذلك الإعلان جعلت تركيا تصاب بالدهشة والغضب أيضًا. فالمعايير المزدوجة للغرب وعدم فهم مواقف أقرب الحلفاء جعلت التوتر هو سيد المواقف في العلاقات التركية الغربية.
هل يفتح قانون الطوارئ الباب أمام حدوث انتهاكات؟
إن إقالة بعض الموظفين الحكوميين واعتقال بعض الصحفيين والكتاب الذين يعتقد أنهم على صلة مع منظمات إرهابية كان على رأس الإجراءات التي أسيء فهمها في الخارج، وأخذت بعين الاعتبار.
بلغ عدد الموظفين الحكوميين الذين تم استبعادهم عن العمل حتى الآن أكثر من 100 ألف موظف، نصفهم تم إخراجهم من العمل بشكل نهائي. والسبب هو حرص تنظيم فتح الله جولن الإرهابي على التغلغل في معظم مؤسسات الدولة من قضاء وتعليم ووزارات وذلك لفترة تزيد عن 30 عاما.
إن هذا التغلغل الذي وصل إلى الشرايين الحيوية والإستراتيجية في الدولة والقادر على إصابة أعضائها بالشلل، دفع الدولة نحو حماية بنيتها بشكل غريزي واتخاذ إجراءات حازمة في هذا المجال.
أظهرت الدولة ردة فعل قوية لحماية نفسها من جميع الموارد البشرية التي تشكل خطرا عليها وحفظ الأمن في عموم البلد، لذا وكما نقول بالتركية فمن الممكن أن يكون "الأخضر احترق مع اليابس"، أي أن بعض غير المذنبين أيضًا قد تضرروا إلى جنب المذنبين، جراء تلك الإجراءات.
وقد اختصر الرئيس أردوغان ما حدث في تركيا بقوله: "اختلط الحابل بالنابل"، فالخيرون اختلطوا مع الأشرار وبات من الصعب الفصل بينهم.
تعديلات دستورية مرتقبة لإعادة الحقوق لأصحابها
وأنا واحد من الكتاب الذين كتبوا منتقدين بعض تلك الإجراءات. فإن أعتقد بضرورة توخي الحيطة والحذر في المواضيع المتعلقة بالعدل والإنصاف. لا شك في أنه من الممكن وقوع بعض التجاوزات في مثل هذه الحملة الكبيرة لتقويم مسار الدولة، لكن المهم في الموضوع هو إنشاء آليات تضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها.
أصدر الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء بن علي يلدرم تصريحات مطمئنة في هذا الصدد، وأعلنا عن قرب إصدار تعديلات دستورية تضمن عودة الحقوق لأصحابها. وأشارا أيضًا إلى أن تلك التعديلات ستتحول إلى قوانين قريبًا.
صحفيون وكتَّاب رهن الاعتقال
هناك أحداث معقدة يشهدها عالم الإعلام والفكر حول العالم. فالصحفيون والكتاب الذين تم توقيفهم هم أولئك الذين وقفوا دومًا إلى جانب تنظيم فتح الله جولن الإرهابي، وعملوا دومًا على شرعنة أفعاله، وسعوا إلى التمهيد لقيام انقلاب عسكري في البلاد. في الواقع، إن هذه الحالة، تشهد جدلًا أيضًا بين المثقفين والسياسيين الغربيين منذ فترة طويلة جدًا. دعونا نقل إن هنالك مجموعة من الكتاب والصحفيين تدعم أفكار تنظيم داعش الإرهابي في فرنسا، ما الذي كانت ستفعله فرنسا حيالهم؟ أعتقد أنها كانت ستعتقلهم كما اعتقلت بعض خطباء المساجد.
إن تركيا الآن، تشهد صراعًا بين الأمن والحرية. لا شك أن هنالك بعض الممارسات الخاطئة التي تخللت تلك العملية، لكن تلك الممارسات ليست بتاتًا كما تسعى بعض وسائل الإعلام إلى الترويج لها، كما أنها ليست موجهة ألبتة لإسكات أصوات المعارضين.
إن كل دولة تسعى لضمان استمرار وجودها، وأمنها، ونظامها، كان لزامًا عليها أن تتخذ مثل تلك الإجراءات. الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، غزت بعد هجمات 11 سبتمبر بلدين (أفغانستان والعراق) من دون أي تحقق أو مساءلة. إن واشنطن أعلنت زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الذي كان يعيش في أحد الكهوف، أنه الإرهابي الأخطر حول العالم، بعد أحداث 11 سبتمبر، وحملته مسؤولية ذلك العمل الإرهابي الكبير الذي هزَّ العالم آنذاك، لكنها في الوقت نفسه، غير مقتنعة بأن ذلك الشخص القابع في بانسلفانيا، ويملك مدارس ومؤسسات وشركات ورجال أعمال يعملون لحسابه في 170 بلدًا مختلفًا، هو المسؤول عن محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا. لعمري إن هذا لتناقض خطير.
إن تركيا تشعر بغضب عارمٍ جراء كل هذه التناقضات والظلم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
13074
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2028
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1884
| 29 يوليو 2026