رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الظرف السوري المأساوي الذي أمسى يتفاقم يوما بعد يوم منذ بداية الثورة المجيدة حتى أصاب الكثيرين نوع من اليأس والإحباط فكادوا يعتبرون أو اعتبروا- على الأصح – أن العالم قاطبة متآمر عليهم وعلى بلادهم بدءا بإسرائيل الصهيونية التي هي مربط الفرس في كل ما حدث ويحدث في سوريا خصوصا - كونها متاخمة حدودياً لها وضمان أمنها أوجب الواجباب - وفي البلاد العربية التي تحركت فيها الثورات عموما إلى روسيا وإيران وأذنابهم المتوحشين ولكنه لما غزت روسيا سورية اليوم سواء أكان ذلك فجأة أو عن تخطيط مسبق مدروس – وهو ما نرجحه – نهضت روح التحرك والتحرق تدب من جديد في أوصال الشعب السوري ومخيمات المهجرين وكتائب القتال في الداخل. إذ إن الاحتلال الإيراني لأرض عربية كسورية – العضو في الجامعة العربية- أشعل إلى حد ما جذوة حب الوطن والذود عن حِماه لدى الكثيرين حتى أثبتوا كذب إيران وسفرائها وسياسييها الذين زعموا أنها تعين فقط في الجانب الاستشاري واللوجستي النظام السوري دون أن تشارك في القتال إلى جانبه. ولكن الجنازات التي ظهرت على الشاشات في الإعلام الإيراني لعشرات الجنرالات الذين قتلوا في حلب وريفها وريف حمص وريف حماة خصوصا "مورك" وكذلك في إدلب وريفها والساحل، وزد إليهم الأعداد الكبيرة التي استطاع الثوار أن يلقنوها دروسا لن تنساه مما يسمى "حزب الله" قيادات وجنودا.. كل ذلك أوضح للبشر جميعا أنه لا فرق بين الاحتلال الأسدي لبلاد الشام والاحتلال الإيراني. وإن كان الاحتلال البوتيني الروسي- ربما- كان أشرسها حيث بدأ يجرب دوره بعد انهيار اللانظام وشركائه. في سوريا – وإن كان إلى اليوم قد أدى إلى يقظة جديدة فإنه لم يحقق شيئا جوهريا يذكر في المكاسب اللهم إلا إزهاق أرواح المدنيين التي تشكو إلى ربها والمخلصين الوطنيين الشرفاء، هذا العدو المجرم الذي – كما قال رئيسه "مد يديف": إننا نحارب في سوريا من أجل مصالحنا لا من أجل حماية الأسد، ولكنه في تصريح آخر أول أمس يقول: إننا مع الحكم الشرعي للأسد في سوريا! إن كل ذلك قد أوقد نيران الحماسة والهبّة الوطنية من جديد في سورية، وذكّر الشعب أن بوتن ونتنياهو إنما هما وجهان لعملة واحدة ولابد من مواجهتهما بكل ما يقتضيه الدين والخلق والوطنية التي لولاها لما بقي وطن في أرض. ولذلك – وأيا كانت السيناريوهات الروسية وتكتيكات محور الشر الرباعي الذي ينظمه طيف واحد من الإجرام والعداء للإنسانية. فإن التذكير بتفعيل الجانب الوطني لدى كل فرد من الشعب ذكرا أو أنثى قد بات ضروريا جدا هذه الأيام لأنه كما يقول الإمام الشافعي – رحمه الله -: ماحك جلدك مثل ظفرك فتولّ أنت جميع أمرك. وإن هذا لممكن تماما. حتى لو منع الأشرار عنا السلاح المتطور. فما غنمه الثوار من اللانظام وشركائه يعتبر عدة قوية تشجّع – كثيرا – إلى اغتنام أكبر من المحتلين الجدد. والحرب إنما تعتبر حربا بالثبات على الأرض. وهو ما حدث في أفغانستان سابقا حتى هزمت الاتحاد السوفيتي – على فقرها – وجعلته يجر أذيال الخيبة. ويخطئ من يظن أن الدين الإسلامي لم يعد بمقدوره أن يؤدي دورا رياديا في الصراع. بل العكس هو الصحيح. وكما قال مولانا(فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) النساء: 19.
وإن الناس بدافع هذا الدين وفطرته وبالدافع الوطني – ما دام صادقا – لدى النصارى وأطياف الشعب الأخرى. وبتناسي أي حقد لطرف على طرف واعتبار أن الصفحات القديمة من الرواسب تُطوى ولا تُروى – فإن الجميع سوف يقتربون من أهدافهم – ويتمسكون بالنصوص والتوجيهات التي تجعل حب الوطن لديهم هو ينبوع التضحية – حياله. وإنه كما يقول – لا كوردير: عندما يكون الوطن في خطر فكل أبنائه جنود. أي بمعنى أن الوطنية تعمل ولا تتكلم فقط، كما هي حالة السفاح الأسد الذي يتكلم في خطاباته عن الوطن وهو نفسه الذي احتله والإيرانيون والروس الأمريكان والصهاينة بدءا وختما. ولا ندري إن كان سيأتي محتل آخر من المريخ! وهذا تماما ما عبر عنه أمير البيان العربي شكيب أرسلان بقوله: يفكر الوطني بالأجيال القادمة لا بالانتخابات القادمة التي هي مربط الفرس لدى كل خائن وعميل ومزوّر وحاقد على الشعوب بينما ترى في الجانب الآخر أن الوطنيين الصادقين هم الذين يُحيون الوطن بدمائهم الزكية، ولا يميتونه بدموع التماسيح، ولعل هؤلاء هم عدتنا القوية، وهم الذين يعتبرون أن الخبز في الوطن خير من بسكويت الأجانب كما يقال، وكما قال شوقي:
وللأوطان في دم كل حر يدٌ سلفت ودَيْن مستحق
قالها أثناء الاحتلال الفرنسي لسوريا ونحن نقولها اليوم كذلك للاحتلال الروسي، وخير للمرء أن يموت في سبيل فكرته من أن يُعَمَّر طول الدهر خائنا لوطنه جبانا عن نصرته، كما يقال، ولكن ماذا نؤمل ممن جعلوا اليهود أئمتهم في الإجرام والصليبيين شركاءهم في المجازر والروس والصينيين طلائعهم في الشر والهيمنة على الضعاف. ومناوئة الأحرار ليل نهار، هذا بالسلاح وذاك بماله، والباطنيون من الشيعة الروافض هم عملتهم الرائجة بل خُدّامهم الأمناء لتنفيذ مآربهم في عصر ما يسمى نصرا للأقليات والاعتماد على أعداء الإسلام كهؤلاء الذين مزقوا كل وحدة في الأمة وكانوا – ومازالوا- مع الأعداء ضد أهل الوطن. ويكفي أن التشابه بينهم وبين اليهود ليس له عد ولا حصر!. ولهذا فإننا نهيب بجميع أطياف الشعب السوري والشعوب العربية الحرة والإسلامية المخلصة وكل ذوي الضمير الحي أن يكونوا مع الشعب السوري المظلوم لا مع الظالم السفاح الذي يزعم أنه طلب من روسيا أن تدافع عنه وتسحق الإرهاب وقد استجابت!. وكأن هذا القائل ومن هو مثله لا يعرفون أن الحق خلاف ذلك ولكنهم يخادعون دينهم وعقلهم " كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ "الكهف: 5. ومن هنا: فإننا نؤكد ضرورة الجهاد ضد هذا الغازي الخاسر حتى لا يغضب الله علينا ولا نعد من جملة الجبناء الرعاديد. كما قال الكاظمي:
ومن لم يكن من دون أوطانه حمى فذاك جبان بل أخسُّ وأحقر
فلا وألف لا للهجرة من سوريا وتركها لهؤلاء الخنازير يسكنونها ويغيرون ديموغرافيتها. ولعمر الحق إن هذا من غير ضرورة ملجئة لهو من أكبر الكبائر. ولا للخلافات التي تفرق الصفوف ولا توحدها أبدا. وقد قالت العرب حتى قبل الإسلام: "المحن تذهب بالإحن". فتعاونوا يا ثوارنا ودعوا الخصومات جانبا فيكفينا ما جاء به اللانظام بأمر الصهاينة والعالَم الشرير بمن هم ضدكم ويحرسون بالطيران الروسي الذي يغطي هجوماتهم ضدكم. فكونوا من أهل الشرع والعقل والحكمة. وحذار أن تُقطِّعكم الأهواء فيفرح العدو بذلك ويستحوذ على البلاد والعباد- لا سمح الله -. وكما قال علي الجارم:
عزيز على الأوطان أنَّ شجاعةً تُمزِّقها الشحناء في غير طائل
فهل أنتم فاعلون أيها العظماء؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2766
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1248
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
912
| 17 مارس 2026