رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"مرابع الأجداد أمانة" شعار اليوم الوطني لهذا العام، مستمد من قصيدة المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، نلمس من حروفه وكلماته مدى البعد الوطني الذي لا يحده زمان ولا مكان لمؤسس الدولة، ليعكس العلاقة الوثيقة التي تربط الإنسان القطري ببيئته منذ القدم، ومدى تعايشهم مع طبيعتها برّاً وبحرًا، ومدى الاهتمام بها، ليتخذ الشعار الصفة التفاعليّة الواقعية لبيئة صحيّة مستدامة، من أجل سلامة الوطن، وسلامة مواطنيه، فالوطن لابد أن يتوشح ببيئة سليمة صحيّة للحفاظ على مرابع الأجداد، بذلوا قصارى جهدهم، وجفت عروقهم ليبقى الامتداد المكاني متوارثاً لأجيال تستكمل البناء وتعطرنا برحيق عمقه التاريخيّ، وتستكمل الطريق بأمانة وإخلاص وحب..
… تاريخ اليوم الوطني لا ينتهي بانتهاء الاحتفالات في يومه الوطني، إنما بالاستمرارية في الحفاظ على كيانه في جميع المجالات، وبأمانة وانتماء صادق، خاصة المجال البيئيّ الذي يعتبر مرابع الإنسان نحو حياة سليمة ونظيفة، ليأتي اختيار هذا الشعار متزامنًا مع ما توليه دولة قطر لقضية التغيّر المناخي ودعمه بمختلف السبل، لإيمانها بحتميّة تهيئة بيئة صحيّة نظيفة، خالية من ملوثات العوادم والنفايات وانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وملوثات المصانع وغيرها، فالبيئة بالأمس تختلف كانت الصحراء برمالها النقية، والبحر بصفاء مياهه، والجو بنقاء هوائه، هذه البيئة تمثل البعد الروحيّ والوجدانيّ والمكاني ما بين الإنسان والأرض التي استخلفه الله عليها، لم يشُبْها عوامل مناخية كما هي اليوم أدت إلى تغييرها وتأثيرها على الأرض، نتيجة ما يعرف بالاحتباس الحراري، فالأنشطة الصناعيّة والزراعيّة على مستوى العالم التي تعتمد عليها طبيعة الحياة الجديدة أدت إلى رفع مستويات الغازات الدفيئة مثل غاز ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروجين في الغلاف الجوي، ناهيك عن التغيّرات الطبيعية كالجفاف الشديد، وندرة المياه، وشدة الحرائق، وارتفاع منسوب مياه البحار والفيضانات وذوبان الجليد القطبي وغيرها، أدت إلى التغير المناخي، حتى أصبح هذا التغير أكبر التحديات التي يواجهها العالم.
… ومن هذا المنطلق أكدّت دولة قطر التزامها الثابت بلعب دور رئيسيّ وفاعل في الجهود العالمية لمواجهته، وما استحداث وزارة مختصة بالبيئة والتغيّر المناخي إلا انعكاس لهذا الاهتمام لتحقيق إستراتيجية وطنية للبيئة، كما عكست لنا قمة تغيّر المناخ التي حضرها سمو الأمير، حفظه الله، والتي عقدت في مدينة "غلاسكو" بأسكتلندا في الولايات المتحدة الجهود والمبادرات التي تتخذها دولة قطر مع قضية التغيّر المناخي، منها بناء إرث مستدام يعود بالنفع على الأجيال المقبلة، كما أنّ التكنولوجيا والتقنيات الحديثة التي ستطبق في المونديال ستضمن استدامة أكثر للمنشآت والملاعب، واستكمالا لهذه المسيرة التي تنتهجها دولة قطر في الحفاظ على بيئة صحيّة سليمة من المنغصات والملوثات البيئية، وما يحمله شعار اليوم الوطنيّ في ضوئهما يجب علينا أن نسلط الضوء على خلق بيئة صحية سليمة المرابع بصحرائها وبحرها وجوها، هي مسؤولية مشتركة لها عمق قيميّ هادف إلى تحقيق مسيرة ما بناه الأجداد والآباء بسواعدهم ووفائهم وانتمائهم.
…. فحين نحتفل ونرفع الشعار "مرابع الأجداد أمانة"، لابد أن يسبقه العهد بحمل أمانة الوطن، وأمانة الأرض، وأمانة العمل، لاستكمال المسيرة، الشعارات والأهازيج والعروض والاحتفالات هي نسمات يعيشها الإنسان لحظات ثم تنتهي بانتهاء الوقت الزمنيّ باليوم الوطنيّ،،،، ثم ماذا !! هناك أرض وبيئة، تحويان الإنسان بكل معطياتهما، تتطلبان الاهتمام والعناية والدعم للحفاظ عليهما،، تتطلبان أمانة وضميراً ووفاء وصدقاً، لارتباط سلامتهما بصحة الإنسان وسلامته،، البناء التنموي الذي تسعى له الدولة لتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030 يتطلب سواعد سليمة صحيّة، وأجساداً قوية البنان، وقوية الفكر، لم تبخل الأرض علينا بخيراتها ودفئها وحبها وعطائها ومواردها والعمل من أجلنا، بقدر عطائها يكون وفاؤنا. فقد أشار آخر استعراض وطنيّ طوعيّ مقدم إلى المنتدى السياسيّ رفيع المستوى للأمم المتحدة بشأن التنمية المستدامة، إلى جهود دولة قطر في الحد من التلوث وصون وحماية البيئة والحفاظ على التنوع الحيويّ في الوقت الذي يتم فيه استخراج النفط والغاز وصناعته، ينتج عنها ملوثات بيئيّة ضارة نتيجة الاستخراج والتكرير والشحن والنقل وانبعاثات الاحتراق وغيرها، وما الحزام الأخضر حول المدينة وضواحيها، وتحقيق الإدارة المستدامة للمحميات الطبيعية والأنظمة البيئية، وتوفير بيانات ومعلومات عن البيئة القطرية، والتوعية الإعلامية إلا لتعزيز وتحسين الإدارة البيئية، وبناء مجتمع واعٍ بالبيئة والاستدامة البيئية، بقدر تلك الجهود لابد أن يكون العطاء بالمحافظة على البيئة الوطنية، لنعيش بمرابع وطننا بأمانة وسلامة،، ويجب أن لا يحدّ احتفالنا زمن وتاريخ ويوم، إنما أزمان ممتدة، وأيام عديدة، وإرث متوارث، ومرابع تسطر على أرضها تاريخ الأجداد بمداد الإخلاص والحب والوفاء للوطن نتذكرها ويتذكرها الأجيال القادمة،،
وكل يوم وطنيّ ووطننا وأميرنا وشعبنا بخير
Wamda.qatar@ gmail
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2460
| 04 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
1521
| 09 مارس 2026
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
1338
| 08 مارس 2026