رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أفادت تقارير إخبارية مؤخراً بأن حركة طالبان ستقوم بفتح مكتب لها في دولة قطر. ويعتقد كثيرون أن هذه الخطوة من الممكن أن تمهِّد لإجراء محادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان.
بدأت الحرب في أفغانستان في أكتوبر 2001 - بعد ثلاثة أشهر من هجمات الحادي عشر من سبتمبر من قبل تنظيم قاعدة أسامة بن لادن. وبما أن تنظيم القاعدة قد تأسس في أفغانستان، ويتمتع بحماية من حركة طالبان، فلقد قامت الولايات المتحدة بغزو البلاد بهدف القضاء على تنظيم القاعدة.
اعتقد معظم الناس في ذلك الحين بأن الحرب سوف تضع أوزارها خلال بضعة أشهر ولكن حتى الآن ما زالت الولايات المتحدة تقاتل حركة طالبان المتمرِّدة على نطاق واسع. بعد أكثر من عقد من الزمان، أصبحت الحرب في أفغانستان أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة متجاوزة في ذلك حرب فيتنام.
وبغض النظر عن طول مُدَّتها، فإن الحرب في أفغانستان تعتبر الأكثر تكلفة ضمن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في أي وقت مضى مع إجمالي نفقات وصل إلى 489 مليون دولار أمريكي وما زال الإنفاق مستمراً بحسب ما أورده موقع costofwar.com الذي يقيس ارتفاع تكلفة الحرب في الثانية الواحدة.
وفقاً لمؤشر أفغانستان في معهد بروكينغز، فإنه قد تم قتل 1841 جندي أمريكي فيما أصيب 14.969 في العمليات منذ بداية الحرب في عام 2001. وقد تم تشريد ونزوح ما يقارب من 352.000 شخص داخلياً في البلاد حتى ديسمبر 2010. ورغم أنه لا يوجد إحصاء رسمي لعدد المدنيين الذين قتلوا منذ عام 2001، فإن التقديرات تشير إلى أن عشرات الآلاف من المدنيين قد لقوا حتفهم في الحرب الجارية هناك.
بعد أحد عشر عاماً من القتال، اعترفت الولايات المتحدة أخيراً بالحاجة لإجراء محادثات مع حركة طالبان خصوصاً أن الجماعة قد غيَّرت تكتيكاتها وبدلاً من العمل في الخفاء واصل المتمرِّدون عملياتهم في شكل حرب عصابات ضد القوات الأمريكية. لقد أدركت الولايات المتحدة أن الرئيس الأفغاني الحالي حميد كرزاي له القليل من السيطرة على البلاد باستثناء بعض المناطق التي لديه فيها نفوذ. ومن أجل وضع استراتيجية قابلة للتطبيق للخروج من هذه الحرب المطولة، كان لزاماً عليهم البدء في مفاوضات مع حركة طالبان.
في عام 2009 أثناء مراقبة الانتخابات في أفغانستان، قال الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، "في كل مرة نطلق فيها واحدة من طائراتنا من دون طيار من قاعدة كنساس ونقتل مائة شخص، نصنع مائة ألف من الأعداء الجدد". وأضاف كارتر: "أود أن نتفاوض مع السكان المحليين بدلاً من زيادة عدد القوات".
هناك نحو 40 مليون من البشتون في جميع أنحاء العالم من بينهم أكثر من 14 مليون شخص في أفغانستان و28 مليونا في باكستان. بغض النظر عن عددهم الكبير، فللبشتون تأثير قوي في آسيا الوسطى وروابطهم العائلية عميقة. لذا، فإنه من المهم، كما قال كارتر، بالنسبة للولايات المتحدة أن تعقد محادثات وتتفاوض مع حركة طالبان بما أن أكثرية أعضائها ينتمون إلى إحدى الجماعات العرقية الرئيسية في أفغانستان.
ومؤخرا أثارت تصريحات نائب الرئيس جو بايدن الجدل عندما أعلن في مقابلة مع مجلة نيوزويك بأن "حركة طالبان في حد ذاتها ليست عدوّاً لنا". وأضاف: "لم يدلِ الرئيس مطلقاً في أي من تصريحاتنا السياسية بأن حركة طالبان هي عدونا لأنها تهدد مصالح الولايات المتحدة".
كذلك ذكرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند في تصريح لمجلة السياسة الخارجية "ذا كيبُل": أنها "سوف تدعم المصالحة مع عناصر طالبان الذين هم على استعداد للخروج من ساحة المعركة، شريطة نبذ العنف وقطع العلاقات مع تنظيم القاعدة ودعم الدستور الأفغاني وأن يكونوا جزءً من العملية السياسية".
في حلقة نقاش بمركز وودرو ويلسون الدولي في نوفمبر من العام الماضي، قال وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر، "ليس لدي أي اعتراض من حيث المبدأ على التفاوض مع حركة طالبان". لكنه أضاف أنه: "إذا كانت هناك مفاوضات مع حركة طالبان، فإنها ينبغي أن تكون في إطار المفاوضات الإقليمية متعددة الأطراف".
وقد أعلن الرئيس أوباما في العام الماضي أن الولايات المتحدة سوف تسحب قواتها وتقوم بتسليم المهمة الأمنية في نهاية الأمر إلى السلطات الأفغانية بحلول عام 2014. وقد تتمكن الولايات المتحدة من خلال المحادثات مع حركة طالبان من إيجاد وسيلة لإدخال الجماعة في العملية السياسية لتصبح جزءً من الحكومة الأفغانية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هناك الكثير من أوجه الشبه بين إدارة الرئيس أوباما والرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون.
ففي بداية عهده، كان جونسون يعتقد بضرورة احتواء نفوذ الشيوعية، ولهذا قام على النقيض من أوامر سلفه القاضية بسحب القوات العسكرية بزيادة أعدادها في حرب فيتنام. ولكن مع تصاعد عدد الضحايا، أصبحت سياسة جونسون لا تحظى بشعبية لدى الرأي العام الأمريكي، وأدرك الرجل أنه لا يمكن كسب تلك الحرب ولذلك سعى لتحقيق تسوية سلمية. وبالمثل، فإن الرئيس أوباما يواجه اليوم نفس الوضع.
ومع ذلك، فإن قرار الرئيس أوباما بالتفاوض مع حركة طالبان مثير للشكوك، خاصةً أن هذا القرار أتى في نهاية فترة إدارته حيث ستكون الانتخابات المقبلة في شهر نوفمبر من هذا العام.
كان أحد الوعود التي قطعها الرئيس أوباما خلال حملته الانتخابية للرئاسة الأمريكية هو إغلاق سجن خليج جوانتانامو، ولكنه لم يتمكن حتى الآن من الوفاء بذلك الوعد.
فهل تتجه إدارة أوباما من خلال المحادثات مع حركة طالبان لإغلاق فصل من فصول الحرب الأفغانية عن طريق التفاوض على إطلاق سراح البقية الباقية من سجناء جوانتانامو، وفي الوقت نفسه الوفاء بوعد أوباما لإغلاق السجن؟ لقد طالبت حركة طالبان بالفعل بأن يتم نقل بعض السجناء المحتجزين في خليج غوانتانامو إلى دولة قطر. وقد سعوا مؤخراً للإفراج عن ثلاثة من كبار قادتهم مقابل إفراجهم عن جندي أمريكي كان قد أُعتقِل في أفغانستان قبل عامين ونصف.
ومع ذلك، قد يشكل هذا الأمر مشكلة محتملة بالنسبة لدولة قطر خصوصاً أن الأحكام الواردة في دستور البلاد لا تسمح باعتقال أي شخص من دون محاكمة. فالمادة 36 من الدستور القطري تنص على أن " الحرية الشخصية مكفولة، ولا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون. ولايعرَّض أي إنسان للتعذيب أو للمعاملة الحاطة بالكرامة، ويعتبر التعذيب جريمة يعاقب عليها القانون".
ومن خلال إجراء محادثات مع حركة طالبان، يبدو أن الولايات المتحدة تحاول تطبيق سياسة فرِّق تَسُد بغية الفصل بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة (بين الأفغان والعرب) بحيث يمكنها حصر نفوذ حركة طالبان داخل أفغانستان فقط.
وهذا يشير على نحو ما بأن نفوذ تنظيم القاعدة قد تراجع بعض الشيء خاصةً بعد مقتل أسامة بن لادن، فمنذ ذلك الحين، لم نسمع أي أخبار عن نشاطات تنظيم القاعدة.
كما كان للربيع العربي الذي اجتاح منطقة الشرق الأوسط في العام الماضي تأثير كبير في تقليص نفوذ تنظيم القاعدة على الجماهير. فرغم أن أفكار ابن لادن وتنظيم القاعدة لم تختفِ تماماً من الساحة، إلا أنها ضعُفت لأن الجماهير أصبحت هي السُلطة لإدراكهم أن بإمكانهم الحصول على مطالبهم دون اللجوء إلى دعم جماعات أو أفكار معينة. فقد أظهر الربيع العربي أن الناس بإمكانهم إجراء التغييرات التي يريدونها لمجتمعاتهم بأنفسهم.
والآن وبعد أن أصبحت الأفكار القديمة لا تتمتع بالنفوذ الذي كانت تحظى به، صار الغرب يُسوِّق لنوع جديد من الفكر ألا وهو الإسلام المعتدل والذي يتجسَّد في جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات التي اكتسبت السلطة من خلال الانتخابات بعد الإطاحة بالأنظمة العربية القديمة.
إن على الدول الغربية التي تحاول الدفع بهذه الأفكار أن تستفيد من أحداث الماضي التي تحمل كثيراً من العِبَر حتى لا يعيد التاريخ نفسه.
من خلال استضافة مكتب طالبان في دولة قطر، يمكن للدولة مرة أخرى أن تلعب دورا أساسياً في مستقبل أفغانستان.
وبغض النظر عن وجود قاعدة أمريكية في دولة قطر، فإن أمن قطر واستقرارها يهيئان بيئة مثالية لعقد محادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان. وأيضاً، فإن قطر كانت دائماً وما زالت لها سمعتها كداعية للإصلاح. وليست هناك طريقة لإبراز الدور الإصلاحي لهذا البلد أفضل من أن يصبح وسيطاً بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في نسختها المعتدلة الجديدة. بذلك، يمكن لقطر أن تصبح رائدة في مجال إدخال الإسلام المعتدل في ميدان السياسة.
رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3915
| 23 سبتمبر 2026