رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

474

د. جاسم الجزاع

تكنولوجيا العلاقات: نعمة أم نقمة؟

22 يناير 2025 , 02:00ص

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا.. بهذا البيت العذب عبّر ابن زيدون عن مرارة الفراق وتحوله من قرب الأحبة إلى وحشة البعد، وعن تبدل دفء اللقاءات إلى جفاء يعصف بالقلوب. في زمنه، فكان الفراق نتيجة للظروف الجغرافية أو الأقدار المحتومة، لكننا اليوم نعيش فراقًا من نوع آخر، فراقًا تغذيه التكنولوجيا الحديثة التي كان يُفترض بها أن تقربنا.

ففي عالمنا الحديث، أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث وعدتنا بتقريب المسافات وتعزيز التواصل بين البشر. ومع ذلك، حملت معها سؤالًا محوريًا: هل نحن اليوم أكثر قربًا أم أكثر عزلة؟ لقد أضحت المنصات الرقمية وسيلة أساسية للتفاعل، لكنها كشفت تدريجيًا عن جوانبها الأخرى، حيث قدّمت لنا فرصًا غير مسبوقة للتواصل، لكنها في الوقت نفسه زرعت بذور العزلة والانزواء خلف الشاشات، وأصبحت العلاقات تُختصر في تعليقات وإعجابات إلكترونية، وفقدنا الكثير من دفء اللقاءات الحقيقية التي تعمق الروابط بين الناس. كم مرة جلسنا في غرفة واحدة ومكان واحد مع أصدقائنا أو أفراد عائلتنا، لكن الصمت كان سيد الموقف، والجميع منشغل بشاشته؟ التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تقربنا تحولت في بعض الأحيان إلى حاجز غير مرئي يبعدنا عن التواصل الإنساني الحقيقي. أصبح الناس يتحدثون دون أن يسمعوا بعضهم البعض، ويشاركون دون أن يشعروا بحلاوة المشاركة، وينشغلون بمتابعة حياة الآخرين بدلًا من عيش حياتهم الخاصة بصدق وعمق.

لكن مع ذلك لا يمكننا إنكار الجانب الإيجابي للتكنولوجيا. فهي جلبت معها فوائد لا تُقدر بثمن، إذ أصبح بإمكاننا أن نبقى على اتصال بأحبائنا مهما بعدت المسافات، وأن نشارك لحظاتنا ونتعلم ونعمل بطرق لم تكن متاحة من قبل. ومع ذلك، يبقى السؤال: كيف نوازن بين هذه الفوائد وبين التأثيرات السلبية التي تهدد عمق علاقاتنا ودفئها؟

طبيعي جدا أن الحل لا يكمن في التخلي عن التكنولوجيا، بل يكمن في طريقة استخدامها وأن تكون بوعي، فيجب أن نعيد صياغة علاقتنا بها، بحيث نضع حدودًا لاستخدامها ونخصص وقتًا خاليًا من الشاشات، لنعيش اللحظات مع أحبائنا بصدق واهتمام. فاللقاءات الحقيقية، والمحادثات الصادقة، والنظر في عيون من نحب، تعيد الروح إلى العلاقات التي أرهقتها السطحية الرقمية.

وفي النهاية، إنقاذ العلاقات الإنسانية بيننا مسؤوليتنا جميعا! أفرادا وجماعات، فالتكنولوجيا أداة قوية إذا أُحسن استخدامها، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الروابط الحقيقية الشاعرية التي تُبنى على الثقة والاهتمام، فإذا تعلمنا التوازن بين العالم الرقمي والواقعي، يمكننا أن نصنع عالمًا يحتفظ بإنسانيتنا، حيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لتعزيز العلاقات، وليس لتحويلها إلى ظلال باهتة لا حياة فيها.

مساحة إعلانية