رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المشهد العربي الذي تتناقله الفضائيات، يعلن أن الشعب العربي قد قرر التحرر من النظم الحاكمة، وأنه فقد الثقة في أنها تسمعه أو تراه، وحتى عندما تخاطبه فهي تقول ما ترغب هي أن تسمع، مخادعة أو مناورة ولكنها لا تعني ما تقول ولا ما يجب أن تفعل. جموع الشعب تردد هتافا واحدا "الشعب يريد إسقاط النظام"، هو نفس "الهتاف ـ النداء ـ الهدف"، أيا كان الموقع الجغرافي في الجزائر أو ليبيا أو اليمن، وحتى عندما وصل إلى البحرين كان ذات الهتاف، وها هو المغرب يتململ. وكأننا أمام عامل جديد أضيف إلى عوامل الوحدة العربية. ذات الأنين الشعبي من أنظمة جاءت عبر مرحلة التحرر الوطني والثورة، لتتحول إلى صور جديدة للاستبداد والطغيان وقهر الشعوب، والعجز عن الارتقاء إلى مواكبة التقدم العصري أو الاستجابة لمتطلبات الحياة الضروريه للشعوب.
خرجت الشعوب فأسقطت شرعيات قائمة، واستردت الإرادة بيدها، في كل من تونس ومصر، وانفجرت الأمور في ليبيا واليمن والجزائر وكذلك في شمال العراق!، وهناك حالة من الصراع لم ينته بعد، وإن كانت في حدها الأدنى قد قضت على التمديد والتوريث في اليمن.
وتدافع الأنظمة عن نفسها بصور كثيرة، ولكنها تنتهي إلى إطلاق الرصاص على الشعب لتؤكد سقوطها النهائي وفقدانها لمبرر وجودها، وعجزها عن الانتماء للشعب والقبول بإرادته، وصار الواضح أن وجود الأشخاص فوق مقاعد الحكم وبالتالي الأنظمة هدف يمكن أن تبيد الأنظمة الشعب من أجله.
النظام الذي يوجه الرصاص إلى أبناء الشعب، يحكم على نفسه بالسقوط، ويكتب شهادة وفاته بدماء الشهداء.
كان واضحا أن الشعب يريد إسقاط النظم، ولكن إلى حد بعيد هو يرى البديل في صورة غير مكتملة، يراها في حرية سياسية ويراها في تطهير الدولة من الفساد ويراها في دعوة لحق المواطنين في فرصة متكافئة للعمل ويراها في الدعوة للعدل الاجتماعي. هذا الفارق بين ما يريده الشعب وبين استيعاب القوة العسكرية التي يناط بها تسيير الأمور، لإرادة الشعب، أدى إلى حالة من التخبط بين ما يريده الشعب وبين رؤية القوة العسكرية، وهذا بدوره استدعى الكثير من القلق وكشف مدى الفجوة بين حركة الشعب وبين القوى السياسية والنخبة وحتى الجيوش العربية.
ومع اشتعال الموقف في ليبيا الى حد خروج نجل القذافي سيف الإسلام للتهديد بحرب أهلية إذا لم تتوقف حركة المظاهرات الشعبية، وكان قبل التهديد بالحرب الأهلية قد تحدث عن مؤامرات الخارج وعن الإمارة الاسلامية ، وهي الفزاعة الليبية للغرب وبديل فزاعة الإخوان المسلمين التي استخدمت في الأيام الأولى لتبرير القتل واستخدام الرصاص لإيقاف المظاهرات. هو ذات المسلسل من الكلمات الموجهة ببرود بينما الأمة في حالة اشتعال، ولا أعتقد أن موقف القذافي ونظامه بعد عمليات القتل هذه في ليبيا، سيكون قابلا للاستمرار والبقاء.
من المقولات التي يحتفظ بها الوعي العربي، أن الشعوب لا تستخلص حريتها وإرادتها لتضعها في متاحف التاريخ، وتعود لتحيا ذات المأساة تحت سيطرة من نوع جديد تستبدل فيها الأوجه والأشخاص، والمسميات، ولكنها تؤدي إلى حالة سلب الإرادة والوصاية على الحرية بما ينهيها.
ومن دروس ثورة يوليو 1952 كما كتبها جمال عبد الناصر في كتاب "فلسفة الثورة"، أنه عندما كان يلتقي رجال السياسة والأحزاب والنخب ليناقشهم في أمر مصر، كان الحل الذي يقدمون هو "أنا"، حتى كتب أنك إن سألتهم عن حل مشكلة السمك في هاواي لكان ردهم "يا جمال بك ، أنا". ويبدو أنه ليس استدعاء من التاريخ ولكنها سمة كل الأحزاب والنخب بعد الثورات التي تتجاوزهم وتفرض تغييرا بعيدا عن إرادتهم.
والغريب أن القبول من البعض الذي ينتمي الى المعارضة المصرية ليلة الخميس 10 فبراير بعد خطاب التفويض من حسني مبارك لعمر سليمان، بأمر التفويض كان دلالة على عمق الاختلاف بين حركة الشعب في الشارع وبين وعي هؤلاء المنتمين الى المعارضة، وبعد ثمانية أيام من التنحي كان قول هؤلاء: "بالتفويض قد حققنا ما لم نكن نحلم به!!!". قول يؤكد أن ثورة الشعب تجاوزت كل أطياف المعارضه، وهؤلاء البعض الذين قالوا بذلك يتحدثون عن الترشح لمنصب الرئيس إن كانت هذه رغبة أنصارهم، نوع من الإسفاف السياسي الذي تعج به بورصة الثورة في مصر الآن. هو ذات حال الساسه منذ 60 عاما "حل مشكلة السمك في هاواي يا جمال بك أنا".
ومساء يوم 20 فبراير يعلن أحمد شفيق تعديلا على وزارته المرفوضة، بضم بعض من الأحزاب والشخصيات التي لا تنتمي إلى الوطني، وكأنهم لا يسمعون ولا يرون، وكأنهم يسعون عكس إرادة الشعب، وهو ذات الموقف للدكتور يحيي الجمل، وهو موقف من لا موقف له، فعندما دعي الى لجنة التعديلات الدستورية التي أنشأها حسني مبارك، ذهب ، وها هو عندما دعاه شفيق يذهب ، وفي كلا الحالتين، فإن حركة الشعب عكس حركة الأحزاب والنخبة، فقد أعلن الشعب عن مظاهرة مليونية يوم الثلاثاء 22 فبراير لإقالة وزارة شفيق.
الموقف حرج، وجد خطير، ومنشأ الخطورة اختزال ثورة الشعب في إصلاحات دستوريه، وعدم الاستماع الى الشعب، وترك الأمور والتخمينات تتفاقم، والاكتفاء باجتماعات مغلقة، وإطلاق فزاعة بين الشعب، هي وطنية القوات المسلحة، وكأن هناك من قال بغير هذا، ويثنون بأن موقف الجيش من الشعب وثورته أعلن في بيان قال بمشروعية مطالب الشعب، ومن قال غير هذا، ثم يدينون الاعتصامات والإضرابات العمالية، ويتهمون النظام واتباعه بترتيبها، ويؤاخذون العمال على هذا، بينما هم اكتشفوا صواب إقالة العضو المفوض على شركة المحله للغزل والنسيج، وبينما هم يملكون سلطة اعتقال من يتآمر على الوطن، وليس مقبولا أن يشكوا تصرفاته ومؤامرته للشعب، فليس الشعب قوة الاعتقال ولا سلطة المجلس بين يديه.
يبدو الأسلوب المستخدم هو ذاته منهج إدارة نظام مبارك للأزمات، لا سمع ولا رد فعل، واتخاذ إجراءات استفزازيه. ويبلغ الاستفزاز قمته مع تناقل أخبار عن تعذيب جري لمن اعتقلهم الجيش، وهو أمر يجب على المتحدث باسم المجلس العسكري أن يفسره، لأن الرجل ذهب بجسده إلى أهله في السويس والثأر مازال في السويس لم ينته مع من قتل أبنائهم. ويزداد الموقف توترا في ذات وقت إعلان التعديلات الوزارية، فقد تحركت قوة من البوليس الحربي لاعتقال عدد من السائقين في السويس لاتهام رئيس الشركه لهم بأنهم يمتنعون عن العمل، وعندما حاول الأهالي منع المدرعة من الحركة دهست المدرعة سيدة وفارقت الحياه، وصار الحادث يفرض مواجهة بين الجيش والشعب، رغم محاولات البعض لتجاوزه مساء نفس اليوم بالتصالح والهتاف بوحدة الجيش والشعب.
الشعب قام بثورة، هل هناك من يختلف على هذا؟
الشعب طالب بإسقاط النظام، فهل هناك دلالة على القبول بهذا؟
الشعب يطالب بحكومة انتقالية، فلماذا العناد والإصرار على حكومة مرفوضة، حتى وإن أجريت عليها عمليات التجميل بإضافات لا تعني التغيير؟
والشعب يطالب بحل المجالس المحلية المزورة وحل الحزب الوطني الذي يدير المؤامرات المضادة، فلمصلحة من يتم تجاهل هذه المطالب؟
والشعب يطالب بإطلاق حرية تكوين الأحزاب، وإتاحة فترة انتقاليه لتكوين جمعية تأسيسية لإصدار دستور جديد، فلماذا استطراد العناد، وادعاء أن المجلس يريد أن يذهب وبسرعة، ومعنى التعجل في هذا الأمر، هو تسليم السلطة للنظام المنهار والذي يمثل تحالف السلطة السابقه والرأسماليين الجدد!!!
والشعب يزداد القلق داخله من بقايا النظام، ويتزايد الحديث عن دور للحزب والأجهزة سواء أمن الدولة أو المخابرات أو بقايا الوطني أو تحالف تجار السلاح والبترول والمخدرات، أو هؤلاء جميعا ؟؟؟
وأمن الدوله تطل برأسها في شأن النقابات، وتخلق بؤر توتر كما لو أنها ترسل رسالة، نحن موجودون!!
والمخابرات عين لها حسني مبارك رئيسا بينه وبين الشعب والأمن القومي موقفا خطيرا، أليس ولاؤه لمن عينه؟؟؟
والشعب يريد موقفا من رؤساء التحرير الذين حاولوا اغتيال الثورة، والمجلس العسكري يحتضنهم، حتى إن البعض تساءل عما يفعله المجلس العسكري لمن يلتقيهم، فكل من يخرج من لقاء معه، يخرج مبتهجا، بينما الألم يعتصر الشعب، وتأخذ الهواجس بالعقول!!!
ونأتي إلى المحافظين ومديري الأمن بالمحافظات، جميعهم شاركوا في تزوير الانتخابات ثلاث مرات من بعد 2005، وشاركوا في جرائم القتل في ثورة 25 يناير، أليس من الواجب عدم استمرارهم، ولماذا الانتظار، من أقنعكم أن بذهابهم ستكون هناك فوضى؟
ثم هل السطات السويسريه أكثر حرصا على أموال الشعب المنهوبة؟؟؟ ليس من المنطقي أن تقوم السلطات السويسرية بتجميد أرصدة الرئيس السابق، بينما تتجاهل السلطات المصريه الأمر.
الأمر جد خطير، لا يحتمل التأويلات أو التخمين أو إعادة واقعة إعدام ثورة 52 لخميس والبقري في كفر الدوار والتي ظلت عالقة في ثوب الثورة، ويجب أن يخرج من المجلس العسكري من يستطيع أن يتحدث إلى الشعب، وليرفع عن كاهل الشعب كل الأعباء التي ظل يحملها من النظام السابق ولم يحاسب عليها أحدا حتى الآن.
الشعب أسقط الشرعية عن مبارك ونظامه، والرصاص يمكنه أن ينتقل من الجماهير في تظاهراتها إلى رصاص انتقائي يحاصر الوعي والدعوة الى التغيير، وليس هناك من حل إلا الاستجابة لمطالب الشعب، لأن البديل حمام دم تصورنا أنه انتهى يوم تنحي مبارك، ولكنه مازال يطل برأسه مهددا الثورة وشرعيتها.
هناك حرب وهنا عدوان
لعلكم لاحظتم إنني لم أتطرق للحرب الأمريكية الإيرانية منذ وقت طويل لا سيما وإن هذه الحرب تتفاقم في... اقرأ المزيد
57
| 05 أغسطس 2026
بين التحدي والشغف... يولد الأثر
• في حياة كل إنسان قصة تركت وقعها وأثرها لا يعرفها الآخرون، ومعركة خاضها بصمت، وكلمة غيَّرت مسار... اقرأ المزيد
54
| 05 أغسطس 2026
النخلة والصاروخ
اليوم تجد دول الخليج العربي نفسها في نقطة ارتكاز استراتيجية فريدة بعد أحداث صاخبة ومستمرة، بلا شك، وإن... اقرأ المزيد
36
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4155
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2310
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1482
| 30 يوليو 2026