رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا كنا قد أدركنا شيئا مما يرتبه فلول النظام السابق في الداخل، فإن ما يرتبه حلفاؤه في الخارج لا يزال خفيا عنا. مع ذلك فبين أيدينا دليل يبين لنا كيف فكروا في الأمر وتحسبوا له قبل أن يقع، الأمر الذي يسلط ضوءه كاشفا على نواياهم بعد الذي وقع.
(1)
أتحدث عن القراءة الإسرائيلية للعلاقة مع مصر، كما رآها آفى ديختر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي في محاضرته التي ألقاها على الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي بتل أبيب في شهر سبتمبر في عام 2008، وفيها شرح موقف إسرائيل ازاء المتغيرات المحتملة في العديد من دول المنطقة، ومصر من بينها، وهى المحاضرة المهمة التي أشرت إليها أكثر من مرة من قبل، لكنني وجدت أن قراءتها باتت أكثر من ضرورية بعد ثورة 25 يناير، التي لم تخطر لأحد على بال، لا نحن ولا هم ولا أي طرف آخر في الكرة الأرضية، ذلك أنهم تصوروا أن التغيير «الدراماتيكي» الذي يمكن أن تشهده مصر لا يخرج عن أحد احتمالات ثلاثة، على حد تعبير السيد ديختر، هذه الاحتمالات تتمثل في ثلاثة سيناريوهات هى:
1 ـ سيطرة الإخوان المسلمين على السلطة بوسائل غير شرعية، أى خارج صناديق الاقتراع، وهذا السيناريو يفترض أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تدهورت بشدة في مصر، الأمر الذي يفقد النظام القائم القدرة على السيطرة على الوضع، ويؤدي إلى انفلات زمام الأمن، بما يمكن أن يؤدي إلى حدوث فوضى واضطرابات، في ظلها يجد الإخوان فرصتهم لتحقيق هدفهم في الوصول إلى السلطة.
2 ــ حدوث انقلاب عسكري، وهو احتمال استبعده المخططون الإسرائيليون في الأجل المنظور، إذ اعتبروا أن الأوضاع في مصر قد تسوء إلى درجة خطيرة، مما قد يدفع قيادات عسكرية طموحة إلى السعي لركوب الموجة والاستيلاء على السلطة، لكن لدى إسرائيل العديد من الأسباب الوجيهة التي تجعلها تتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره مجرد فرضية، ومن ثم تستبعد وقوعه.
3 ــ أن تتفاقم الأوضاع في مصر، بحيث يعجز عن إدارة البلاد خليفة مبارك الذي راهن الإسرائيليون على أنه سيكون واحدا من اثنين: إما جمال مبارك أو السيد عمر سليمان، مما يترتب عليه حدوث موجات من الفوضى والاضطرابات في أنحاء مصر، وهو وضع قد يدفعها إلى محاولة البحث عن خيار أفضل يتمثل في إجراء انتخابات حرة تحت إشراف دولي تشارك فيه جماعات سياسية وحركات أكثر جذرية من حركة كفاية، لتظهر على السطح خريطة جديدة للتفاعلات الداخلية.
بعد عرضه لهذه السنياريوهات الثلاثة قال السيد ديختر ما نصه: في كل الأحوال فإن عيوننا وعيون الولايات المتحدة ترصد وتراقب، بل وتتدخل من أجل كبح مثل هذه السيناريوهات، لأنها ستكون كارثية بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة والغرب.
(2)
فى محاضرته ركز وزير الأمن الداخلي على نقطتين أساسيتين هما: إن من مصلحة إسرائيل الحفاظ على الوضع في مصر بعد رحيل الرئيس مبارك، ومواجهة أية تطورات لا يحمد عقباها، بمعنى حدوث تحولات مناقضة للتقديرات الإسرائيلية، الثانية إنه مهما كانت الظروف فإن انسحاب مصر من اتفاقية السلام وعودتها إلى خط المواجهة مع إسرائيل يعد خطا أحمر، لا يمكن لأية حكومة إسرائيلية أن تسمح بتجاوزه، وهى ستجد نفسها مرغمة على مواجهة هذا الموقف بكل الوسائل.
اعتبر الرجل أن العلاقات بين إسرائيل ونظام الرئيس مبارك «أكثر من طبيعية»، وهو ما سمح للقادة في تل أبيب ببلورة عدة محددات تجاه مصر تمثلت فيما يلى:
* تعميق وتوطيد العلاقات مع فريق الرئيس المصري، ومع النخب الأخرى الحاكمة المتمثلة في قيادات الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، ومع رجال الأعمال.
* توسيع قاعدة العلاقة مع المنظومة السياسية والاقتصادية والإعلامية من خلال الارتباط بمصالح مشتركة تنعكس بالإيجاب على الجانبين.
* السعي لصوغ علاقة أقوى مع العاملين في المجال الإعلامي بمصر، نظرا لأهمية دور وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام وبلورة اتجاهاته.
وهى تنسج علاقاتها في هذه الاتجاهات فإن السعي الإسرائيلي حرص على إقامة علاقات ويتفق مع أقوى شخصيتين في مصر ستلعبان دورا رئيسيا في الإمساك بمقاليد السلطة بعد رحيل الرئيس حسني مبارك، وهما ابنه جمال واللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية.
هذا الارتياح إلى التمدد الإسرائيلي في الساحة المصرية لم يحجب عنها حقيقة القلق الذي يعاني منه المجتمع، وهو ما عبر عنه السيد ديختر بقوله إن النظام في مصر يعاني عجزا جزئيا في إحكام سيطرته على الوضع بقبضة من حديد، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل حريصتان قدر الإمكان على تدعيم الركائز الأساسية، التي يستند إليها النظام، ومن بين تلك الركائز نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار، قادر على تحليل الحيثيات التي يجري جمعها وتقييمها باستمرار ووضعها تحت تصرف القيادات في كل من واشنطن وتل أبيب والقاهرة.
أضاف صاحبنا في هذا الصدد أن الولايات المتحدة وإسرائيل وهما تتحركان بشكل حثيث لتأمين النظام القائم في مصر تحرصان عبر ممثليهما المختلفة في مصر (السفارات والقنصليات والمراكز الأخرى) على تقديم كل صور العون لحملة انتخاب جمال مبارك رئيسا للجمهورية بعد رحيل أبيه، والهدف من ذلك هو تمكينه من الفوز بتأييد الشارع والرأى العام المصري، ودعم أنشطته المختلفة الاجتماعية والثقافية لكي يصبح أكثر قبولا من والده.
(3)
وهما تسعيان إلى تأمين النظام القائم، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تبنتا استراتيجية ثابتة في هذا الصدد، شرحها آفى ديختر على الوجه التالى: منذ دخلت الولايات المتحدة إلى مصر عقب وفاة الرئيس جمال عبدالناصر وتولي السادات زمام الأمور، فإنها أدركت أنه لابد من إقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية في أرجائها على غرار ما فعلته في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية، وانطلقت في ذلك من اقتناعها بأن من شأن تلك الركائز أن تحجم أية مفاجآت غير سارة تحدث في مصر.والخطة الأمريكية التي تغطي ذلك الجانب تعتمد على مجموعة من العوامل هى:
* إقامة شراكة مع القوى والفعاليات المؤثرة والمالكة لكل عناصر القوة والنفوذ في مصر الطبقة الحاكمة وطبقة رجال الأعمال والنخب الإعلامية والسياسية.
* شراكة أمنية مع أقوى جهازين لحماية الأمن الداخلي مباحث أمن الدولة والداخلية والقوات الخاضعة لها وجهاز المخابرات العامة.
* تأهيل محطات استراتيجية داخل المدن الرئيسية مراكز صنع القرار القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية والسويس وبورسعيد.
* الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة في القاهرة، في جاردن سيتى والجيزة والقاهرة (مصر الجديدة) بإمكانها الانتشار خلال بضع ساعات والسيطرة على مراكز عصب الحياة في القاهرة.
* مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر وبجوارها في الغردقة والسويس ورأس بناس.
وهو يعلق هلى هذه الركائز قال إننا لا نستطيع أن نؤكد أننا حققنا المستوى المنشود، توفير الضمانات التي من شأنها أن تصد أية احتمالات غير مرغوبة بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة. لكننا أنجزنا بعض الخطوات على الأرض، ونحسب أن بوسعها أن تكبح أية تطورات مباغتة أو عاصفة قوية، وفي كل الأحوال فإن إسرائيل قررت أن تعظم وتصعد من وتيرة وجود ونشاط أجهزتنا التي تسهر على أمن الدولة وترصد التطورات التي تحدث في مصر، الظاهرة منها والباطنة.
إلى جانب عمليات القائمين التي تم اتخاذها، فإن إسرائيل بذلت جهدا من نوع آخر لمساندة نظام الرئيس مبارك، عن طريق دعوة الحلفاء الأمريكيين إلى عدم تقليص حجم الدعم، الذي يقدم إلى مصر لتمكين الرئيس مبارك في مواجهة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المستفحلة، التي يمكن وتحدث انفجارات تهز نظامه، وهو يصف الوضع في مصر ذكر أن أزمتها الاقتصادية والاجتماعية من ذلك النوع غير القابل للحل، وقال إن كل الإصلاحات الاقتصادية التي طبقت في مصر في عهد مبارك لم تسهم على الإطلاق في حل تلك الأزمات حتى المساعدات الأمريكية السنوية (2.5) مليار دولار لم تعالج الخلل في الهيكل الاقتصادى والاجتماعى المصري لأن هناك خللا بنيويا في الاقتصاد المصري يصعب معالجته بمساعدات هي مجرد مسكنات تخفف من الآلام بشكل مؤقت ثم تعود الأزمة لتستفحل وتتفاقم، وكانت نتيجة ذلك أن الأوضاع عادت مصر إلى ما كانت عليه قبل عام 1952، الأمر الذي أدى إلى حدوث الانقلاب، الذي قام به ضباط الجيش في ذلك العام، وهو ما أثار مخاوف نظام مبارك، وكذلك مخاوف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى. وهى التي يمكن أن تبد أى تغيير غير مرغوب فيه، وإذا ما حدث ذلك فإن تداعياته لن تكون مقصورة على مصر، ولكن آثارها ستنعكس على عموم المنطقة.
(4)
هل هناك تهديد حقيقى يمكن أن يؤدى إلى تغيير النظام في مصر، وإذا كان الرد بالإيجاب فماذا أعدت إسرائيل لذلك الاحتمال؟ ــ ذكر آفى ديختر أن هذا السؤال يتردد باستمرار داخل مراكز الدراسات الاستراتيجية في إسرائيل، وفي رده عليه قال ما يلى: إن النظام في مصر أثبت كفاءة وقدرة على احتواء الأزمات، كما أثبت قدرة على التكيف مع الأوضاع المتأزمة. مع ذلك فهناك تهديد ناجم عن تشابك وتعقيد المشاكل والأزمات الداخلية الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، الآن الحزب الديمقراطى، الذي يرأسه مبارك يهيمن على الحياة السياسية.
فيما خص الشق الخاص بأسلوب مواجهة إسرائيل لأية تغييرات أو تحولات جادة تحدث في مصر، فإن الوزير الإسرائيلى الأسبق أكد أن الدولة العبرية على تنسيق مع الولايات المتحدة في كل ما يتعلق بهذه المسألة، وفي الوقت ذاته فإنها على استعداد لمواجهة أى طارئ بما في ذلك العودة إلى شبه جزيرة سيناء إذا استشعرنا أن تلك التحولات خطيرة، وأنها ستحدث انقلابا في السياسة المصرية تجاه إسرائيل وأضاف اننا عندما انسحبنا من سيناء فإننا ضمنا أن تبقى رهينة. وهذا الارتهان تكفله ضمانات أمريكية، من بينها السماح لإسرائيل بالعودة إلى سيناء إذا اقتضى الأمر ذلك، كذلك يكفله وجود قوات أمريكية مرابطة في سيناء تمتلك حرية الحركة والقدرة على المراقبة، بل ومواجهة أسوأ المواقف، وعدم الانسحاب تحت أى ظرف من الظروف.
فى هذا السياق ذكر الرجل أن إسرائيل تعلمت دروسا لا تنسى من حرب عام1967، لذلك فإن سيناء أصبحت مجردة من السلاح ومحظور على الجيش المصري الانتشار فيها، وتلك هي الضمانة الأقوى لاحتواء أى تهديد افتراضي من جانب مصر، وهو يعزز رأيه فإن إسرائيل لن تتخلى تحت أى ظرف عن تمسكها بتجريد سيناء من السلاح، مضيفا أن مصر حين طلبت إدخال 600 من أفراد الشرطة، حرس الحدود والأمن المركزى للتمركز على حدود قطاع غزة، فإن الطلب درس دراسة مستفيضة من جانب الطاقم الأمني ومرت الموافقة عليه بمخاض عسير داخل الحكومة.
وهو يختتم محاضرته قال آفى دختر إن القاعدة الحاكمة لموقف الدول العبرية هي أن مصر خرجت من ساحة مواجهة إسرائيل ولن تعود إليها مرة أخرى، وهى قاعدة تحظى بالدعم القوي والعملي من جانب الولايات المتحدة.
هذا الاستعراض يثير أسئلة عدة حول طبيعة الأصداء، التي أحدثتها ثورة 25 يناير داخل إسرائيل، وحول مصير التجهيزات والركائز التي أعدتها بالتعاون مع الولايات المتحدة داخل مصر لمواجهة احتمالات التغيير «الدراماتيكى» خصوصا حين وقع من حيث لا يحتسبون، وحين جاء بمن لا يتمنون، إننا لا نعرف شيئا عما يجري تحت السطح أو يدور وراء الكواليس، لكننا ينبغى ألا نتصور أنهم يقفون صامتين وغير مبالين، ولذلك من حقنا أن نسأل عن حقيقة الدور الذي يقومون به في الوقت الراهن تحت الطاولة وبعيدا عن الأعين.
معالم من بدر
إنها معركة بدر، إنها معركة الفرقان، إنها فاتحة معارك النصر والعزة في الإسلام، قائدها رسول الله صلى الله... اقرأ المزيد
156
| 05 مارس 2026
الدبلوماسية الخليجية خط الدفاع الأول في زمن الحرب
تشهد منطقة الخليج تصاعدًا ملحوظًا في حدة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة؛ فلم يعد المشهد مجرد توتر سياسي... اقرأ المزيد
144
| 05 مارس 2026
الكلمة دائما لـ «صحاب الأرض»
منذ أسابيع أصابتني قفلة من القراءة. تركت نفسي للأفلام والمسلسلات. سأقف عند مسلسل واحد هو «صحاب الأرض». حقق... اقرأ المزيد
156
| 05 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2820
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1062
| 26 فبراير 2026