رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لبنان غالب ما يفاجئ المراقبين له.. دولة في قلب الصراعات الشرق أوسطية تؤثر بها وتتأثر، وأحيانا تشكل استثناء داخل محيطه.. هكذا ولد لبنان ككيان استثنائي انتزع من جسد الدولة العثمانية العليا.. وهكذا نما في جمهوريته الأولى منزوعاً من الجسد السوري ليشكل حاضنة لأكثرية مسيحية وسط بحر إسلامي.. أُريد له زمن الاحتلال الفرنسي أن يكون جسر عبور الغرب إلى الشرق، وأُريد له بعد الاستقلال أن يكون ميزانا يقيس حرارة العلاقات بين الأشقاء الكبار من حوله: مصر، سوريا، العراق، السعودية، وحتى ليبيا في فترة من فتراته.
كان لبنان خلال الحرب الأهلية التي دامت عقدا ونصف يمثل تصارع رغبات وتطلعات ونزوات النظم والحكام العرب.. عانى طويلاً ومازال يعاني.. وكلما حاول أن يقيل عثرته يتعثر مرة أخرى حتى غزاه الربيع العربي برياحه الساخنة القادمة من سوريا قبل أن تتحول إلى حفيف نار تقتات على احتقان مذهبي مزمن.
حاول لبنان أن ينأى بنفسه عن الصراع في سوريا واخترع مصطلحا جديدا في العلوم السياسية سماه "النأي بالنفس" وترجم هذا المصطلح في تصويت مندوب لبنان في جلسات الجامعة العربية بخصوص الأزمة السورية، فلم يكن موافقة على قرار اتخذته الجامعة ولا معارضة له.. بل هو بين بين.. شيء أشبه بطلاسم أهل المنطق وعلم الكلام.. هو نأي بالنفس لا يفهمه إلا الساسة اللبنانيون من بين الساسة العرب.. لم يترجم المصطلح جيداً، فإذا بلبنان يغرق في الوحول السورية من حزب الله بعددته وعتاده إلى الجماعات السلفية بما تحويه من تخبط وفوضى وصولاً إلى تصريحات السياسيين من كل حزب ومشرب، جميعها لا تكف عن التدخل في الشأن السوري.. وفي نهاية المطاف وجد لبنان نفسه غارقا حتى أذنيه في المعمعة السورية. فما كان من حكومة ميقاتي إلا القول: "نأينا بأنفسنا عن الأحداث في سوريا إلا أن الأحداث هناك لم تنأى بنفسها عنا". وبات يتندر اللبنانيون بمصطلح "النأي بالنفس"، على منوال: الحكومة فقط من تنأى بنفسها عن سوريا أما الشعب اللبناني وأحزابه وطوائفه فكلها تخوض حربا وسجالا في تفاصيل الوضع السوري. اليوم تولد حكومة في لبنان.. ليست حكومة حيادية، كانت قوى 14 آذار تأمل بها، وليست حكومة أمر واقع يخشى حزب الله من فرضها، ولا هي حكومة اللون الواحد التي شكلها حزب الله وحلفاؤه سابقاً بعد أن قطع تذكرة ذهاب لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري. إنما هي حكومة المصلحة الوطنية كما يعلن رئيسها تمام سلام ويؤازره في ذلك السيد حسن نصر الله.. مصطلح جديد في العلوم السياسية يضاف إلى سلسلة المصطلحات التي يخترعها اللبنانيون في إدارة قضاياهم السياسية.. هي "حكومة المصلحة الوطنية"، وليست حكومة الوحدة الوطنية، ويقصد مطلق المصطلح أن مهمة حكومته هو إنجاز الاستحقاقات الدستورية في موعدها مثل القانون الانتخابي وتهيؤ البلاد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، ومساعدة الجيش في تحقيق الأمن المتردي في كل قطعة وزاوية من لبنان.. هي حكومة، أعضاؤها متخاصمون، يكيلون الاتهامات لبعضهم بالعمالة للخارج لكنهم يجلسون في آن واحد على طاولة واحدة لحلّ قضايا الوطن والمواطنين.. إنه الاستثناء اللبناني الذي لا مثيل له في عالم السياسة..
ساسة لبنان حالهم كحال البلد.. في الوقت الذي تتراجع فيه حظوظ التسوية السياسية في سوريا، وتتقدم مؤشرات التدخل العسكري الخارجي تخرج الحكومة اللبنانية إلى النور، فهل هي حكومة تدشن لسلسة من التفاهمات تحمي ما تبقى من لبنان؟ أم أن ولادتها لا يشي بشيء من ذلك بقدر ما يخفي تحت هذه المرونة المستجدة محاولة كسب نقاط جديدة في الصراع الذي لم يعلن الفرقاء أنه انتهى؟ لا شك أن غطاء إقليميا أعطي لأطراف النزاع لتشكيل الحكومة لكن ليس يعني ذلك أن الأيام القادمة ستكون شهر عسل.. انفجار بئر حسن في الوقت الذي تعكف اللجنة الوزارية على صياغة البيان الوزاري للحكومة لا يشجع على التفاؤل المرغوب لدى أغلب اللبنانيين الذين تعبوا من لغة الاحتقان التي أتقن حروفها وعباراتها الساسة في لبنان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1692
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1251
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1002
| 07 يناير 2026