رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يمكن للواقع العربي أن يتقدم خطوة إيجابية إلى الأمام دون حد أدنى من المصالحة، على الأقل، لما تبقى سليماً من أطراف النظام العربي. لكن سنن التاريخ وقوانين الاجتماع البشري تؤكدُ أنه لا مصالحة دون إصلاح. هذا إذا كنا نتحدث عن مصالحةٍ حقيقية وليس عن مظاهر خارجية وشعارات للاستهلاك.
وفي الحقيقة، لا وجود ولا حاضر ولا مستقبل للعرب في غياب الإصلاح.
ما من شكٍ أن للعرب بصمتهم المختلفة في كل شيء.
يفعلون كل ما يفعله الآخرون، ولكن أيضاً بأسلوبهم المميز الذي لم يعرف التاريخ له مثيلاً.
فهم يتقنون مثلاً صناعة التاريخ، لكنهم يصنعونه على طريقتهم الخاصة، والتاريخ الذي يصنعه العرب اليوم سيبقى إلى زمانٍ طويل تحت بند (حقوق الاختراع المحفوظة)، بإيجابياته وسلبياته.
نحن نعيش في عالمٍ مليء بالتناقضات، هذه حقيقةٌ لا يماري فيها عاقل، لكن الأسئلة تطرح نفسها:
لماذا يصرُّ العرب على الحياة في ظلِّ متناقضاتٍ إضافية مُختلَقة يُحاصرون أنفسهم وشعوبهم، وحاضرهم ومستقبلهم، فيها؟
خنقَ العرب أنفسهم وحاضرهم وهم يتصايحون لزمنٍ طويل.
لا صوت يعلو فوق صوت (المقاومة)..
لا صوت يعلو فوق صوت (الكرامة)..
لا صوت يعلو فوق صوت (الاستقلال)..
لا صوت يعلو فوق صوت (الاعتدال)..
لا صوت يعلو فوق صوت (الواقعية)..
لا صوت يعلو فوق صوت (النظام الدولي)..
لا صوت يعلو فوق صوت (المصلحة)..
كان كل فريقٍ منهم، ولا يزال، يرى الأولوية لشعارٍ من الشعارات المرفوعة أعلاه، دون غيره، واحتدم النقاش حتى وصل إلى حد الخصام والنزاع.
ولكن، من قال: إن المقاومة لا تتعايش مع الواقعية؟ من قال: إن هناك تناقضاً مُستعصياً بين الكرامة والمصلحة؟ من قال: إن صيانة الاستقلال مستحيلة في ظل النظام الدولي؟
أي فكرٍ سياسي هذا الذي يفهم العالم ويتعامل معه بتلك الطريقة؟
كيف يمكن أن نقلب الحقائق رأساً على عقب في عالمنا العربي إلى هذه الدرجة؟
إلى متى تستمر هذه الطريقةُ في التحليل السياسي محوراً لصناعة القرار في حياتنا العربية؟
متى ندرك حقائق بديهية أدركها العالم منذ زمن؟ وبدأ (جيراننا) يدركونها في السنوات الأخيرة ويستحوذون على مساحات من القوة العالمية والنفوذ الإقليمي بناءً عليها؟
متى ندرك مرةً واحدةً وإلى الأبد أن تحقيق (المصلحة) لا يُمكن أصلاً إلا في ظل وجود (المقاومة الحقيقية) و(الإصرار على الكرامة) و(إرادة الاستقلال) و(منهج الاعتدال) و(مدخل الواقعية) و(احترام النظام الدولي) معاً؟
متى ندرك أن مصيبتنا الرئيسية والأولى تكمنُ في عملية الفصل التي مارسناها في التعامل مع تلك المفاهيم المترابطة؟
كيف يمكن للعالم بأسره في الغرب والشرق أن يرى استحالة التخطيط السياسي وإمكانية صناعة القرار في معزلٍ عن استخدام تلك العناصر مجتمعةً، في حين نرى وحدَنا دون العاقلين من الناس أنها مُتضاربة إلى درجة أن تُصبح في واقعنا سببَ الخلاف والشقاق والمهاترات والقطيعة؟!
لا يمكن أن يحصل هذا إلا في غياب (المشروع العربي). في عالمٍ يزدحم بالمشاريع القديمة والناشئة.
حسناً، سنكون واقعيين هنا ولن نقفز إلى المطالبة بمشروع عربي.
لكن باب المصالحة العربية المفتوح باستحياء هذه الأيام يمكن أن يكون خطوةً صغيرةً أولى على طريق ظهور ذلك المشروع إلى النور، غير أنها خطوةٌ لن تقود إلى شيء إلا بالعودة إلى حديث الإصلاح، قبل أي شيءٍ آخر.
وهنا أيضاً، يجب على العرب تفكيك تناقضات تُشوّشُ تفكيرهم، ويجعلونها تحديداً محور ثقافتهم السياسية ومحور صناعة القرار لديهم.
فالإصلاح لا يجب أن يعني بالضرورة ثورةً تعصف بالاستقرار، والإصلاح لا يعني بالضرورة تغييراً يقف في وجه الاستمرارية، والإصلاح لا يعني بالضرورة زعزعةً للمشروعية السياسية. هذا إذا تم التعامل مع عملية الإصلاح بالجدية والتوازنات المطلوبة والممكنة.
والإصلاح في نهاية المطاف يعني مصالحةً (حقيقية) مع شعوبٍ عربية باتت تتطلع إلى حياةٍ كريمةٍ تؤمن لها رزقها الحلال وما تستحقه من صحةٍ وتعليمٍ وفرصة للعمل المشرّف والمشاركة في صناعة حاضرها ومستقبلها، وفي صيانة استقرارها واستقلالها وأمنها.
هذا هو الإصلاح الذي نتحدث عنه ببساطةٍ واختصار. ولا داعي لتعقيد الأمور وفلسفتها في هذا الإطار.
لكنّ الخطير في الموضوع أن غياب هذا النوع من الإصلاح سيُفجّر أي مصالحةٍ عربية. وسيُفجّر بعد ذلك الواقع العربي بأسره.
قد يكون مطلوباً أيضاً الحديث عما لا تعنيه المصالحة لارتباطها بالإصلاح.
فقد رأى النظام السياسي العربي إلى أي مدى يُمكن للاختلاف أن يَخصم من مشروعيته السياسية. وإلى أي مدى يمكن للقطيعة أن تكون مدخلاً للاستفراد بأطرافه واحداً بعد الآخر. وإلى أي مدى يمكن للشقاق أن يستنزف من طاقات الأطراف المختلفة في زمنٍ بات شحيحاً بالطاقات والموارد.
لهذا، فالمصالحة لا يجب أن تعني بالضرورة الاستتباع أو الاحتواء أو الإذعان لرأي واحد. ولا يجب أن تعني غياب الاختلاف في وجهات النظر كلياً.
السياسة أدوارٌ ومصالح، ولو جرّب العرب تحصيل مصالحهم المشتركة من خلال توزيع الأدوار لرأوا العجب العُجاب. ولأبصروا بعين اليقين كيف يَظهر احترامٌ متبادل وغير مسبوق مع (النظام الدولي).. في وجود رؤيةٍ سياسية تمزج في عناصرها بمهارة (المقاومة الحقيقية) و(الإصرار على الكرامة) و(إرادة الاستقلال) و(منهج الاعتدال) و(مدخل الواقعية) معاً.
والسياسة تنازلات مُتبادلة، فلو تجاوز العرب عقلية (كل شيء أو لا شيء) لحلّوا من خلافاتهم أكثر مما يتصورون، ولتبين لهم أن التعامل مع التحديات الإقليمية والعالمية من مدخل (المحاور) كان فخاً قبل أن يكون أي شيءٍ آخر.
ربما تبدو معادلة المصالحة والإصلاح معقدة لدى البعض. لكن السياسة فنُّ الممكن، وقد تكون ثمة فرصة لتحقيق ذلك الممكن خلال المرحلة المقبلة في وجود قدرٍ من الإرادة السياسية، وقبلها وبعدها قدرٍ من التفكير السياسي الجديد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5724
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5235
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1728
| 13 مايو 2026