رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في محاولة لإلقاء الضوء على بعض النصوص الواردة في الدستور الدائم لدولة قطر والتي قد تخل بالتوازن النسبي المطلوب بين السلطات العامة في الدولة، تناولنا في الأسبوعين الماضيين الإطار المالي والإطار السياسي والتشريعي لمسودة يمكن دراستها ومراجعتها تحقيقاً لمبدأ جوهري أكد عليه الدستور ويتمثل في أن “ الشعب مصدر السلطات” واليوم نكمل ما بدأناه في الأسبوع الماضي بشأن الإطار التشريعي وذلك ببيان هذه العناصر:
أولاً: يقرر الدستور الدائم لأعضاء مجلس الشورى حق اقتراح القوانين، على خلاف ما ذهب إليه النظام الأساسي المؤقت المعدل الذي كان يقصر هذا الحق على مجلس الوزراء، فله وحده حق اقتراح القوانين. وحسناً فعل الدستور الدائم بتبنيه هذا الأمر، فسن التشريعات في الأساس من أهم اختصاصات البرلمان، ومن غير ذلك يحرم هذا الأخير من آلية المبادرة في سن القوانين. ورغم ذلك نجد المادة (105) من الدستور بعد أن أكدت هذا الحق لمجلس الشورى فرضت وصاية غريبة على الاقتراحات المقدمة من أعضاء مجلس الشورى! إذ اشترطت أحالتها إلى الحكومة لتقوم بدراستها وإعادتها ثانية للمجلس في ذات دور الانعقاد أو في الدور الذي يليه، وهذا أمر فيه من التطويل ما فيه، وتجعل آلية سن التشريع إذا جاء من طرف مجلس الشورى بطيئاً، لذا يقترح إلغاء هذا الإجراء، فالسلطة التنفيذية ينبغي أن يقتصر دورها بشأن القوانين في التصديق والإصدار والنشر في الجريدة الرسمية.
ثانياً: لم يحدد الدستور القطري فترة معينة ينبغي خلالها للسلطة التنفيذية أن تصدق على القانون وأن تصدره بعد رفع مشروعه إليها من مقبل مجلس الشورى، على خلاف العديد من الدساتير التي تحدد فترة زمنية لذلك كأن يكون ثلاثين يوماً على سبيل المثال، فإذا لم يصدر اعتبر القانون حكماً قد صدق عليه وصدر. لذا يقترح إضافة العبارة المحددة لفترة زمنية معينة يصدر خلالها القانون بعد رفع مشروعه إلى الأمير، فالقول بغير ذلك يجعل مشروع القانون الذي وافق عليه الشعب من خلال ممثليه في المجلس في مهب النسيان أو التناسي.
ثالثاً: تجيز المادة (106) من الدستور الدائم لسمو الأمير إيقاف العمل بالقانون الذي وافق على مشروعه مجلس الشورى بأغلبية ثلثي أعضائه بعد رده إليه في المرة الأولى. وهو أمر خطير للغاية إذ يجعل دور مجلس الشورى بشأن سن التشريعات شكلي للغاية، وغير فعال، فما قيمة القانون الذي وافق الشعب على مشروعه من خلال ممثليه في البرلمان، وأصر عليه ثانية بأغلبية كبيرة تتمثل بثلثي أعضاء المجلس، إذا كان بإمكان السلطة التنفيذية إيقافه لضرورة تقدرها هي، دون تحديد لمفهوم الضرورة، كما أن المدة التي يوقف بها العمل بالقانون غير محددة، إذ يمكن أن يوقف العمل به إلى مالا نهاية. لذا ينبغي أن يلغى هذا النص أساساً من الدستور.
رابعاً: عالجت المادة (70) من الدستور القطري مشكلة عدم انعقاد مجلس الشورى وكانت هناك حاجة لإصدار قانون ما، إذ أتاحت لسمو الأمير في الأحوال الاستثنائية التي لا تحتمل التأخير ولا تحتمل الانتظار إلى حين عودة مجلس الشورى، أن يصدر مراسيم لها قوة القانون على أن تعرض هذه المراسيم بقوانين على مجلس الشورى صاحب الاختصاص الأصيل في سن التشريعات عندما ينعقد ثانية في أول اجتماع له. والمادة (70) رغم إدراكها أن مجلس الشورى هو صاحب الاختصاص الجوهري بشأن سن القوانين إلا أنها للأسف أضعفت من هذا الدور، ولنا في ذلك عدة ملاحظات: 1- لم ترتب المادة أي جزاء بشأن هذه المراسيم بقوانين إذا لم تعرض على المجلس أو تعمد عدم عرضها في أول اجتماع، بأن تعتبر كأن لم تكن مثلاً في حال عدم عرضها من قبل الحكومة.
2- اشترطت المادة أغلبية صعبة التحقيق في حالة رفض المجلس لهذه المراسيم بقوانين، وهي أغلبية ثلثي الأعضاء! فالقانون أساساً يتم المرافقة على مشروعه أو رفضه بأغلبية بسيطة هي أغلبية الأعضاء الحاضرين، فكيف يشترط الدستور بشأن المرسوم بقانون أغلبية أكبر، فكأنه بذلك أعطى المراسيم بقوانين قوة أكبر من القوانين، رغم تأكيده بأن لها ذات القوة، وكأننا وقعنا في تناقض هنا! 3- افترضت المادة أنه في حال مرور أربعين يوماً على عرض هذه المراسيم بقوانين على مجلس الشورى دون أن يبدي رأياً فيها، بأن ذلك موافقة ضمنية من طرفه، فكأن الدستور في هذا الأمر اتبع أسلوبين مختلفين لإبداء الرأي في المراسيم بقوانين، فإذا كان رأي المجلس يذهب إلى الموافقة على ما شرّعته السلطة التنفيذية في فترة غيابه فيكتفي بمجرد الصمت، أي حتى الأغلبية البسيطة وهي أغلبية الأعضاء الحاضرين لا تمارس هنا، من أجل إبقاء هذا التشريع، بينما إذا ذهب رأيه إلى رفض المرسوم بقانون أو طلب تعديله فإن الأغلبية تختلف وتصبح أكثر شدة وهي أغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس.
خامساً: جعلت المادة (104) من الدستور اختصاص سن التشريعات في فترة حل مجلس الشورى لسمو الأمير بمعاونة مجلس الوزراء، وفترة حل البرلمان وفقاً لهذه المادة قد تطول لتصل إلى ستة أشهر وربما أطول. هذا الأمر يحتاج إلى إعادة النظر فيه، ذلك أن حل البرلمان يعد في الواقع من ضمن فترات عدم انعقاد المجلس الذي يفترض أن تسري بشأنه الأحكام الخاصة بالمراسيم بقوانين، أي يفترض أن تعرض هذه التشريعات كذلك على مجلس الشورى في أول اجتماع له بعد أن يشكل من جديد ثانية، ليقول رأيه فيها، ولكن المادة (104) للأسف أخرجت حالة حل المجلس من نطاق تلك الأحكام، وجعلت الاختصاص بأكمله للسلطة التنفيذية.
وفي الختام، ينبغي التأكيد بأن السلطة التي تملك سن القانون هي السلطة الأقوى، وأن الدستور القطري حاول أن يوزع اختصاص سن التشريع بين مجلس الشورى والسلطة التنفيذية، إلا أن الدارس لتلك المواد الدستورية يرى بوضوح رجحان كفة السلطة التنفيذية في ذلك مما يعد إخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات الذي يعتبر تحقيق التوازن النسبي بينها من أهم أركانه. ونضيف بأن عدم وجود برلمان منتخب إلى الآن، وعدم تفعيل المحكمة الدستورية تجعل اختصاص سن التشريع بأكمله، نظرياً وعملياً، للسلطة التنفيذية، أي تجعلها تنفرد بالقوة جميعها.
halsayed@qu.edu.qa
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1275
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1077
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1002
| 07 يناير 2026