رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فوز الإسلاميين ووصولهم للسلطة في أكثر من بلد – فلسطين وتركيا ومصر وليبيا وتونس.. – أثار بعض التخوفات لدى خصومهم وطرح واستحضر جدالات كثيرة تحت عناوين كثيرة " مرجعية الإسلام، وقواعد الدستور، والعلاقات الدولية، والمعاهدات الخاصة، وعملية التسوية، وحقوق الإنسان، وقضية المرأة، وتدخل الفقه الديني وعلماء الشريعة في مسألة الفن والإبداع والتأليف، والأطر والمقبول والمرفوض في كل ذلك..
قبل أيام وعلى إحدى الفضائيات دار نقاش (وإن شئت قل صراع) حول مسألة أحقية أو عدم أحقية تحديد ضوابط ومعايير يتم من خلالها نقد الأعمال الفنية من قبل غير المختصين – الفنانين - وأحقية أو عدم أحقية تدخل علماء الشريعة الإسلامية - تحديدا – في ذلك.. والذين يرفضون النقد الديني والأخلاقي للفن يقولون الفن ينقده الفنانون والإبداع ينقده المبدعون وليس علماء الشريعة تماما مثلما أن فتاوى الدين ينتقدها علماء الدين وليس سواهم.. وأقول ابتداء:
مما لاشك فيه أن الكثير من المفاهيم الجميلة التي تشكل هويتنا الثقافية والدينية قد تم حقنها وتضمينها معاني فاسدة (كليا أو جزئيا) كجزء من الحرب الثقافية والنفسية والقيمية على هويتنا فصار كل مفسدة تسوق على أنها الإبداع الذي ما بعده إبداع وروج لكل المحرمات بغير اسمها - فالخمر صار مشروبات روحية، والربا صار فوائد بنكية، وإخراج المرأة من الحماية المجتمعية صار تحريرا، ومنع النسل صار تنظيم أسرة، والهيمنة الأجنبية صار تعاونا دوليا، والغزو الثقافي صار تبادلا ثقافيا.. إلى آخر هذه السلسلة.. والفن الذي في أصل اللغة (واحد الفنون ؛ وهي الأنواع، والأفانين الأساليب وأجناس الكلام وطرقه، ويقال: رجل متفنن أي ذو فنون) – مختار الصحاح - فنن - ص513 – هذا الفن بكل معناه الكبير والواسع اختزل واقتصر وانحصر في الطرب والتمثيل.. ولم يعد له تعلق بفنون العلم وفنون الكلام وفنون التربية وفنون الدعوة وفنون التعليم وفنون التأثير.. كذلك الإبداع فهو (من أبدع الشيء اخترعه لا على مثال سابق، والله بديع السماوات والأرض أي مبدعهما..) - مختار الصحاح - بدع – ص43 – غادر هو الآخر كل معانيه ومضامينه ليلتحق في زماننا بالمعنى المزور للفن وليصير ذيلا له لا يكاد ينفصل عنه إلا عندما يتجاوز الخطوط الحمراء القيمية والدينية.. ولم يعد يحتوي أي مضمون من التفوق العلمي وبراءات الاختراع ولا حتى في مواجهة الأمية والتجهيل والغزو الأجنبي.. على العكس فمن يتحدث اليوم – أو بالأمس القريب – عن هذه المواجهات ويبدع في مخالفة البؤس الدارج فيها صار يوصف بالتخلف والرجعية والنمطية والحجرية والخشبية والموتورية..
لذلك أرى أن على من يحاور في هذه الموضوعات تحرير دلالات الألفاظ وأصل المعاني ابتداء.. وعليه فالتمثيل والغناء والطرب ليس هو الفن والإبداع حصرا فإن كان يثير الغرائز ويصرف عن الجدية ويتناغم مع الغزو الفكري الأجنبي.. فإنما هو العدوان والاختراق والبؤس بعينه ؛ مهما تسمى بغير اسمه أو نسب لغير أهله..
أما أن الفن ينتقده الفنانون كما أن الفتاوى ينتقدها علماء الشريعة ؛ فهذا وإن بدا كلاما جميلا ومنطقيا فإنه غير صحيح وقياس على غير أساس (مع الفارق – كما يقال -) وذلك من وجهين ؛ الأول: أن الفتاوى - في الواقع - صار ينتقدها كل من هب ودب من فنانين وسياسيين وحتى من غير المسلمين.. والوجه الثاني: أن الفن ليس كالفتوى ؛ فالفتوى هو اختصاص قائم على علم خاص ومتابعة منهجية وليس على الرأي الشخصي ما يتطلب خصوصية في علم المفتي وفهمه.. أما الفن فله جوهر هو الفكرة والاتجاه والرسالة المتضمنة فيه واتجاهات الحلول التي يقدمها، وله شكل خارجي هو القالب الأدائي من كونه مسرحية أو شعرا أو نثرا.. فالجوهر هو موضع البحث، وهو المطلوب نقده من قبل علماء الدين ومن المفكرين ومن التربويين وهو المعرض للقبول أو الرفض.. أما الشكل الفني فهو موضع الاختصاص الذي لا ينقده إلا المختصون..
وعلى فرض أن تمثيلية أثارت فتنة، أو أخلّت بمفهوم وطني، أو جرحت المنظومة الأمنية للمجتمع، أو اشتملت على مشاهد تهتك الحياء ؛ فهل لأحد أن يقول: لا تنتقدوها فهذا اختصاص المسرحيين والفنانين؟ وهل نقدها يجب أن ينصب فقط على الجوانب الفنية من إضاءة وزاوية تصوير وعمق اندماج..؟ أي سخف هذا؟! ومن قال إن الفنان والمسرحي – الناقد – هذا بالضرورة قد أحاط بكل المنظومة الفكرية والخلقية والدينية والقانونية التي تشكل وتحكم المجتمع ليتمكن من إطلاق أحكام صحيحة في ذلك؟ أليس العلماء والمربون وعلماء النفس والقضاة هم الأقدر على نقد هذا المضمون؟ وإذا كان البعض اليوم يحاولون أن يسوقوا إمكانية نقد القرآن الكريم الذي هو (كتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فهل الفن الذي يقوم على كشف الصدور وهتك الستور وهز الخصور أكثر معصومية وتحصينا منه لمجرد أنه يسمى فنا ولأن من أداه يقال له فنان؟ وهل لأحد بعد كل هذا أن يقول لا نقبل نقد الفن إلا إذا قبلنا نقد الفتوى؟
لعل من الإنصاف والتمام هنا أن نتعرض لقلة من علماء الدين في الجهة الأخرى الذين يتوجسون من كل ما يأتي من جهة الفنانين وبالأخص إذا كان غير مألوف معتاد.. فهؤلاء أيضا وإن كان عذرهم أن السمة الغالبة على فن وطرب هذه الأيام مجافاة الدين والنفور من رقابته ما يجعلهم يحكمون بالغالب على النادر.. إلا أن عليهم مع ذلك أن يطوروا خطابا أكثر موضوعية وينطلق من الدين لا العرف، ومن الوعي بالتطورات واحتياجات الواقع والفهم الصحيح للنصوص وتحكيم عموم البلوى ولا يحرص على استفزاز المتوجسين ولا استثارة المتربصين.. فالفن منه المقبول ومنه المرفوض.. وأذكر هؤلاء بقوله تعالى في سورة الشعراء (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) وأذكرهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر لعب الأحابش في المسجد بل واستمتع به، وأذكرهم أيضا بعثمان بن مظعون الصحابي رضي الله عنه الذي مر على الشاعر لبيد وهو ينشد أهل مكة شعرا فقال في شعره: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.. فقال عثمان: صدقت! فأتبع لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل.. فقال عثمان: كذبت فنعيم الجنة لا يزول.. فهو إذن قبول ورفض ولكنه عن بينة وعلم بعيدا عن شخصنة جهة القابل والرافض وجهة المقبول والمرفوض..
آخر القول: الفن والإبداع والتأليف هو نشاط ونتاج بشري فمن الطبيعي أنه يتأثر بأهواء وآراء واتجاهات واضعيه، وله ظاهر هو القالب الفني الذي لا ينتقده إلا المختصون في جنسه، ولكن له مضمون هو الفكرة والمحتوى الأخلاقي والرسالي الذي ينتقده علماء الدين كما خبراء التربية وقضاة المحاكم ورجال الأمن.. ومنه المقبول ومنه المرفوض وليس لأحد يتجاوز الحدود فيه حصانة لا لذاته ولا لفنه.. اللهم إلا إذا كان البعض يريد " قصقصة " الدين وأخذ بعضه وترك بعض وهو ما يجب أن يكون مرفوضا..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3195
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1236
| 01 أكتوبر 2026