رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المتأمل في مسارات الأحداث اللبنانية وتقاطعها مع مثيلاتها السورية يدرك أن الحدود الجغرافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بين لبنان وسوريا تلاشت تماماً، وأن وحدة حال ومصير قّدرت للبلدين من قبل عاكفين جدد على رسم خارطة جديدة للمنطقة تقوم على أسس مذهبية وعرقية تزينها الأهلّة الشيعية والسنية معاً.
رفع الحدود بين البلدين، وإن كان أقرّ بصمت منذ العام 1974 تاريخ دخول القوات السورية إلى لبنان، إلا أنه لم يبلغ حدود العدم كما بات الحال اليوم. الأمر، وإن كان يفرح دعاة المذاهب القومية والأممية من إسلاميين ويساريين وقوميين، إلا أنه يعكس إفرازا سلبيا، من شأن تداعياته الكارثية ألا تقف عند حدود المجتمعين اللبناني والسوري بل ستطال مجتمعات عربية أخرى، بدأت إرهاصاتها في العراق والأردن وفلسطين.
عقود طويلة ودعاة التحرر السياسي في العالم العربي يطالبون بإسقاط الحدود ورفع تأشيرات الدخول عن أي مواطن عربي يريد الزيارة أو الإقامة في بلد عربي قريب أو بعيد من موطنه الأصلي.. كان الأمر بمثابة استعادة حق انتزعه الاستعمار الغربي بقوة السلاح ونشر الثقافة الانقسامية.. ربما اليوم تتحقق النبوءة لكنها ليست في صالح أحد من دعاة الحرية والتحرر والانتماء الوطني.. إنها اليوم من صنيعة الأصولية الدينية المتشددة من شتى المذاهب والأديان.
تتلاشى الحدود اليوم، فنجد عرسال البلدة السنّية اللبنانية التي تأوي ما يزيد على 140 ألف لاجئ سوري تحت حصار محكم من أقرب بلدة لبنانية إليها هي بلدة اللبوة الشيعية.. لا يحرك حزب الله ساكناً في هذا الموضوع.. الأهالي هم من يغلقون الطريق بوجه أبناء عرسال، وتحشد وسائل الإعلام المؤيدة فتبرر الأمر أخلاقياً، حيث يهدف قطاع الطرق لحماية لبنان من تدفق السيارات المفخخة التي تتخذ من عرسال محطة ترانزيت في رحلتها من يبرود السورية – سقطت قبل أيام في يد الجيش السوري النظامي وحزب الله- إلى المناطق الشيعية في البقاع والضاحية والجنوب.. في المقابل، تنتفض المناطق ذات الأغلبية السنية في لبنان، فتغلق الطرقات رداً على حصار عرسال وينشط الإعلام المؤيد للثورة السورية وحلفائها في لبنان، فيقول إن الأمر من صنع الأهالي، ولا أجندات خارجية.. وهكذا ينتفض الشعب اللبناني بعضه على بعض والفرز يتمّ على أساس مذهبي في الوقت التي تتلاشى فيه الحدود، فتعم المشكلات وتصبح الأحداث السورية في قلب لبنان ويصبح لبنان بشعبه وحكومته عنصرا فاعلا في المسار العسكري والسياسي للأزمة السورية.. تعميم جديد ربما يطال في قادم الأيام العراق والأردن وفلسطين.
في فلسطين، تنشط سرايا المقاومة التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، فتطلق قبل أيام عدداً من الصواريخ على البلدات الإسرائيلية – فلسطين المحتلة في الذاكرة الشعبية العربية – ثم تنفجر عبوة ناسفة في مركبة إسرائيلية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية بعدها بيومين، يتبعها انفجار عبوة ناسفة بمركبة إسرائيلية أخرى في الجولان المحتل فترى إسرائيل أن حزب الله هو من يقف وراء هذا العمل فترد الصاع صاعين وزيادة داخل الأراضي السورية واللبنانية، والتوقيت في الأحداث الثلاثة مريب.
عراقياً لا تكفّ الحكومة عن الترديد أن الإرهاب هو الداء الوحيد الذي يضرب البلاد دون أن تفسر لنا: لماذا تبتعد تيارات وقيادات شيعية عن حكومة المالكي، وما علاقة الإرهاب السني بالخلافات القائمة بينه وبين إقليم كردستان الذي يتجه بقوة نحو الاستقلال، وهل الفتور الأمريكي تجاه الحكومة العراقية سببه دعم الأمريكان للإرهاب السني في الوقت الذي لا تمتنع واشنطن عن إعارة - وليس البيع طبعاً - طائرات أباتشي للجيش العراقي في ملاحقة داعش وغيرها من التكفيريين والإرهابيين على حد وصف المالكي وحكومته.
الأردن يدرس المتغيرات المحيطة به، ولا يريد أن يقع فريسة لها، وهو واع لمخطط "الوطن البديل" التي تروج له إسرائيل، والذي قد تصبح خطوته الأولى فاعلة بمجرد موافقة السلطة الفلسطينية على الاعتراف بيهودية إسرائيل.. الأردن لا يريد أن يدفع فاتورة غيره، والفاتورة ثقيلة جدا قد تكلفه البلد بأكمله، وهو كما يدرك البعد الإسرائيلي من المفاوضات يخشى من تمدد الأزمة السورية إليه، فالإعصار الضارب في سوريا يعمل على سحب الأردن رويدا رويدا إلى عين العاصفة بعد أن دخلها لبنان بتفوق مع مرتبة الشرف.. فهنيئاً لدعاة رفع الحدود في تحقيق نبوءتهم، ونرجو ألا تكون عملية الدمج بين الشعب العربي على شاكلة الدمج الذي مارسه النظام السوري في لبنان سنوات طويلة، وما تمارسه الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية اليوم!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1692
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1251
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1002
| 07 يناير 2026