رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

834

د. فاطمة سعد النعيمي

حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

22 مايو 2026 , 03:00ص

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن أعظم تلك المواسم أيام العشر من ذي الحجة؛ الأيام التي أقسم الله بها في كتابه الكريم فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2].

وإذا كان الله العظيم يُقسم بشيء، فذلك إعلان عن عظمته ومكانته وأثره في حياة الإنسان.

وفي الحديث الشريف قال النبي ﷺ:»ما من أيامٍ أعظم عند الله، ولا أحبُّ إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر».

إنها ليست مجرد أيامٍ في التقويم، بل فرصة لإعادة ترتيب القلب، ومراجعة النفس، واستعادة المعنى الحقيقي للحياة.

القرآن حين يتحدث عن المواسم الإيمانية لا يريد من الإنسان أن يؤدي الطقوس بصورة جامدة، بل أن يتحول داخليًا. فالعبرة ليست بكثرة الحركة، وإنما بحياة الروح. ولهذا ارتبطت هذه الأيام بالحج، ذلك المشهد القرآني العظيم الذي يجتمع فيه الناس من كل فجٍّ عميق، مجردين من الفوارق والألقاب، ليعلنوا أن قيمة الإنسان ليست بما يملك، بل بما يحمل من تقوى وإخلاص. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28].

والمنافع هنا أوسع من أن تُختزل في جانبٍ واحد؛ إنها منافع الإيمان، ومنافع التغيير، ومنافع العودة إلى الله.

وفي زمنٍ تتسارع فيه الحياة حتى أصبح الإنسان يلهث خلف التفاصيل الصغيرة وينسى نفسه، تأتي هذه الأيام لتقول له: توقّف قليلًا، واقترب من السماء. أكثر من الذكر، والصلاة، والصدقة، وصلة الرحم، وتلاوة القرآن، والكلمة الطيبة، فإن الأعمال الصغيرة في هذه الأيام تكبر عند الله حتى تصبح عظيمة الأثر.

ومن أجمل ما تمنحه العشر أنها لا تخص فئة دون أخرى؛ فالمريض، والمسافر، والفقير، ومن لم يُكتب له الحج، كلهم يستطيعون أن يفتحوا لأنفسهم بابًا إلى الله. فربُّ هذه الأيام لا ينظر إلى صور الأعمال فقط، بل إلى صدق القلوب فيها.

إن أعظم خسارة أن تمرّ هذه الأيام كما تمر سائر الأيام، دون أن تترك فينا أثرًا. فالعاقل ليس من يعرف فضل العشر فحسب، بل من يغتنمها قبل أن تنقضي، لأن بعض الفرص لا تتكرر، وبعض النفحات إذا رحلت لا تعود. العشر ليست أيامًا تُعاش فقط، بل رسالة تُذكّر الإنسان أن الطريق إلى الله ما زال مفتوحًا، وأن القلب مهما أثقلته الحياة يستطيع أن يبدأ من جديد.

مساحة إعلانية