رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقدم المؤسسات الخيرية القطرية من خلال علاقتها البالغة الانسجام بحكومة بلادها، أنموذجاً للشكل التكاملي الذي تكون عليها الحالة الخيرية في المجتمعات، ليؤدي بذلك أغراضه السامية في خدمة مصالح الوطن والمواطنين داخل المجتمع، ورسم الصورة المشرقة للدولة من خلال المشاريع الخيرية والتنموية العابرة للحدود.
فقطر، تلك الدولة الصغيرة المساحة قد تجاوز عطاؤها محيط الجزيرة العربية ليعيد رسم حدود دولة الخير، التي لم تعد تتسع لها المنطقة والإقليم، لتصل بهذا العطاء إلى فقراء يئنون في بلاد ما وراء البحار، لتشكل خلال سنوات قليلة مرحلة جديدة تقوم على تكريس رؤيتها في اعتبار العمل الخيري الركيزة الأساسية للمبادئ الإنسانية التي توارثها القطريون عن الآباء والأجداد، والنابعة من التقاليد والأعراف العريقة المستمدة من القيم الإسلامية السمحاء.
وبلغت قطر مصاف كبريات الدول المانحة في العالم، في سنوات قليلة، متجاوزةً من سبقوها منذ عشرات السنين، وذلك من خلال سياساتها في رسم إستراتيجيات المرحلة، وامتلاكها إمكانيات التطوير والتحديث، والرؤية الحكيمة التي مكنتها من استيعاب التجارب الخيرية في المنطقة والعالم، وفهم مفردات العمل الإنساني العالمي من خلال التزود بكافة الوسائل الحديثة التي باتت تشكل متطلبات عصرية لمن يتطلع إلى بلوغ القمة.
وكغيرها من دول المنطقة التي مر قطاعها الخيري بتغيرات خلال العقود الماضية طرأت على طبيعة الأجهزة الحكومية التي تولت ملف القطاع الخيري فقد تنقَّل الإشراف على الجمعيات الخيرية في قطر بين وزارة الخدمة المدنيَّة ووزارة الأوقاف ووزارة الشؤون الاجتماعيَّة، ورغم قلة عدد مؤسساتها الخيرية مقارنة بدول المحيط الخليجي، وبعض الدول العربية الأخرى، إلا أن ما تقوم به هذه المؤسسات من أدوار أثمرت إنجازات تنموية وخيرية فاقت إنجازات أعداد مضاعفة من الجمعيات في دول أخرى، فقد وصلت جهود المؤسسات الخيرية القطرية إلى أكثر من 67 دولة استفادت منها أكثر من 260 جمعية حول العالم خلال الأعوام الماضية.
ومكّنت حالة الانسجام بين المؤسسات الخيرية القطرية وحكومتها، التي جرى التطرق إليها سالفاً، من استيعاب المتغيرات التي طرأت على العمل الخيري الإسلامي بعد إعلان الحرب عالمياً على الإرهاب، والفكر المتطرف الذي يعيث في الأرض فساداً، من خلال تأسيس "هيئة تنظيم الأعمال الخيرية" في العام 2014 بموجب قرار أميري، لتقوم بمهمة مراقبة وتنمية ودعم الأعمال الخيرية والإنسانية.
ولم يثر القرار الأميري مخاوف القائمين على العمل الخيري من حدوث تداعيات ربما تكون غير محسوبة، كما حدث في بلدان أخرى اتخذت قرارات أثرت سلباً على القطاع الخيري، بل شكّل القرار جرعة إضافية من الشرعية القانونية، بدأت تسهم في تقوية موقف المؤسسات الخيرية في الخارج، وذلك بفضل إبعاد أية شبهة قد يختلقها المتربصون بالعمل الخيري الإسلامي، وتسحب منهم الذرائع بعدما تكفلت الهيئة بعملية الإشراف على جمع التبرعات وتنسيقها ومراقبتها بصورة دقيقة، وإلزام كافة الجمعيات بالخضوع لرقابة الهيئة، وتزويدها بالمعلومات والمستندات اللازمة والمطلوبة للقيام بعملها وأداء واجبها الرقابي بحسب البروتوكول الذي قامت على أساسه الهيئة.
ويتيح إنشاء الهيئة ترتيب أوراق قطاع العمل الخيري، ليكون نموذجاً يحتذى لدى دول العالم الإسلامي، بهدف توحيد ملف هذا القطاع وعدم تشتيته بين أجهزة حكومية مختلفة، ربما تتنازع في قراراتها وأولوياتها، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى التضارب في المصالح، وبالتالي تعطيل المشاريع والبرامج التطويرية، حيث استفاد واضعو المواد القانونية لهيئة تنظيم الأعمال الخيرية في قطر من تجارب عالمية ناجحة كالتجربة البريطانية على سبيل المثال.
وقد عبرت جهات خيرية عدة عن ارتياحها لقرار تأسيس الهيئة من خلال تأكيدها على الجهود الكبيرة التي تُبذل في دولة قطر لتطوير العمل الخيري من خلال سنّ التشريعات والقوانين المنظمة وتهيئة بيئة مُناسبة للعمل الإنساني.
فقد جاء على لسان الشيخ حماد عبدالقادر المدير العام لـ(منظمة الدعوة الإسلامية) خلال تصريح صحفي، بأن "السنة الماضية حفلت بالعديد من الإنجازات في مجال العمل الخيري والإنساني القطري تجلت بصورة واضحة في إنجاز منظمته لـ 638 مشروعًا إنشائيًا بتكلفة فاقت 44 مليون ريال قطري، قصدت المنظمة من خلالها تشييد المؤسسات التعليميّة والصحيّة والاجتماعيّة. منوهًا بالدعم الكبير الذي حظيت به هذه المشاريع من قِبل المُحسنين والمُتبرعين بدولة قطر".
وتتمتع "منظمة الدعوة الإسلامية"، ومقرها الرئيسي في السودان، تلك المؤسسة العريقة في إنجازاتها على الصعيد الإنساني والخيري بمساحات واسعة أتاحت لها حرية التحرك على الساحة القطرية، مما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك إيمان الدولة القَطرية بسمو العمل الخيري وتجاوزه لحدود الدولة الوطنية، وبأنه عمل قيمي وأخلاقي يمنح للإنسان الهوية، وليس العكس.
ولا يخفى على المتتبع لأداء المؤسسات الخيرية القطرية في الميدان خروجها على الأنماط التقليدية لنوع المشاريع التي تطلقها في مختلف المناطق التي تعمل بها، فإلى جانب اهتمامها بالمشاريع التقليدية كإفطار الصائم، وكسوة العيد، وكفالة اليتيم، وإطعام الجائع..وغيرها من المشاريع، وبقائها ضمن أجندة عملها باعتبارها تأتي في إطار التكليف الرباني للمسلمين، حيث وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ضمن نصوص صريحة وواضحة، فقد أضافت إلى أجندتها مشاريع هدفت لإحداث التغيير النوعي بما يشبه الثورة في حياة المحتاجين بعدما يتحولون إلى أشخاص منتجين يقتاتون مما تصنعه أيديهم، وذلك من خلال التنويع في المشاريع الخيرية التنموية وتقديمها في أحوال كثيرة على المشاريع الإغاثية، لأهمية هذه الإستراتيجية الخيرية على المدى البعيد في تنمية المجتمعات برمتها، وتطويرها اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، في إطار برنامج تطوير مرحلي يبدأ بالإنسان وينتهي بمجتمعه.
كما يعتبر اهتمام المؤسسات الخيرية القطرية بفئات بعينها نوعا من الخروج عن الأنماط التقليدية لأشكال العمل الخيري الإنساني، فقد أطلقت مؤسسات خيرية بارزة مشاريع تعنى بفئات بعينها ككبار السن، والأطفال المرضى، والطلبة المحرومين من التعليم لا سيما الأطفال منهم، وحفظة القرآن الكريم، إضافة للمهجرين نتيجة الحروب والكوارث.
وسعت الجمعيات القطرية إلى تنفيذ مشاريعها بشكل شمولي يعتمد على دراسة الاحتياجات الإنسانية لكل منطقة، ومن ثم تحديد أولوياتها، حيث استفاد من هذه المشاريع القاصي والداني من الفقراء والمحتاجين دون تمييز تجاه عرق أو دين أو معتقد فكري، فلم يترك الدعم الخيري القطري باباً من أبواب الخير إلا وطرقه في كافة بقاع الأرض تحقيقاً للمنفعة، ورحمة للبشرية المعذبة.
وقد كان من بين أبواب الخير التي طرقتها المؤسسات القطرية باب فلسطين، حيث أنجزت العديد من المشاريع الكبيرة خلال الأعوام القليلة الماضية، تنوعت ما بين الإغاثي والتنموي مستهدفةً كافة الفئات المعوزة في المجتمع الفلسطيني الذي يعيش أبناؤه معاناة خاصة ومزدوجة نتيجة الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته المستمرة لحقوقهم منذ عشرات السنين، على رأسها الحصار الجائر على قطاع غزة منذ ما يقارب العشر سنوات.
كما أن هذه المؤسسات لم تغفل لحظة عن معاناة الأشقاء من اللاجئين السوريين في مختلف أماكن لجوئهم، لتطلق في سبيل تخفيف معاناتهم ومسح دمعة الأيتام والأرامل والعجزة منهم مشاريع على مدار العام منذ المحنة التي ألمت بهم، ناهيك عن تقديم الدعم للأشقاء في اليمن، وكذلك الأشقاء الروهينغيا في بورما الذين يعانون القتل والتشريد والتمييز والقهر في بلادهم، إضافة لمشاريع في البوسنة والهرسك..وغيرها من الدول.
وتظهر عبقرية تنوع المشاريع الخيرية، سواء الإغاثي منها والتنموي جلياً في أداء مؤسسات العمل الخيري القطرية، فقد موّلت قطر الخيرية العديد من المشاريع الإنتاجية استفادت منها عائلات فلسطينية خلال الأعوام القليلة الماضية، منها مزارع الأغنام والأبقار والدواجن، وتمليك ماكنات الخياطة، وتجهيز المحلات التجارية، وقوارب الصيد..وغيرها من المشاريع التي كان لها الأثر الواضح في إحداث التغيير الجذري لدى الأسر المستفيدة، وتحول أفرادها من معال إلى معيل.
وتقدم قطر الخيرية المثال على تطور المؤسسات ونموها بفعل إرادة العمل الخيري المتجذرة في نفوس أبناء قطر، إضافة لاجتهاد وكد روادها من أجل إنجاح هذه المؤسسات، حيث كان لمؤسسها (رائد العمل الخيري الشيخ عبدالله الدباغ) بصمته الإبداعية في إحداث النقلة النوعية وفتح الآفاق أمام مجالات عمل المؤسسة وهيكلية مشروعاتها. والذي امتلك منذ بداية تأسيسها رؤية تتجاوز محدودية المشاريع إلى هيئة خيرية تجمع أكبر طيف من المشاريع الخيرية المتنوعة التي من شأنها أن تخدم كافة الشرائح المحتاجة.
أما الهلال الأحمر القطري فيمكن وصفه بقصة نجاح دولة الخير وشعبها المعطاء، في تقديم نفسها كمدرسة لتعليم أساسيات وأصول العمل الإنساني، كما تعبر عن طموح متنامٍ سقفه السماء، تمثّل بشكل واضح وملموس في الوصول لمستحقي الدعم حتى في أحلك الظروف، فقد عوّدتنا راية الهلال الأحمر القطري أن تكون أولى الرايات الإنسانية الخفاقة في ميادين الحروب والكوارث، وطواقمها الإغاثية والطبية من أوائل الواصلين لنجدة المتضررين والمنكوبين.
كما أن سيرة تطورها من جمعية أهلية تطوعية في بداياتها إلى هيئة إنسانية عالمية "تستهدف الإنسان في كل مكان دون تفرقة أو تمييز على أساس اللغة أو الجنس أو العرق أو الدين، وهي رسالة عالمية لا تخضع لقيود ولا ترتبط بحدود" بحسب تعريفها لهويتها، أكسبتها المصداقية والمهنية العالية لتتمكن بالتالي من تقديم الدعم الشمولي لمنكوبين يتواجدون في عشرات الدول من العالم، من مساعدات غذائية وغير غذائية، وإيواء عاجل، ورعاية صحية، وخدمات المياه والإصحاح البيئي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2580
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
1152
| 20 أكتوبر 2026