رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فقالوا: «إنّه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلاّ أنْ تَدْعوا الله بصالح أعمالكم».
هذا حديث تذكرونه، رافعة أمل يمدها المصطفى صلى الله عليه وسلم في قصة موحية تضيء المثال وتنير ما استغلق من الدرب والمعنى في الزمن الكهف حيث شرع كل في صنع قَدرِه ومواجهة صخرته وتحمل مسئوليته كإنسان مستخلف.
الحديث مشبعٌ برمزية دالة مكتنزٍ بالكثير من المعاني العميقة، يرد عادة في باب الإخلاص وهنا يكمن مفتاحٌ أوليٌ للدخول إلى أسراره الخبيئة.
كلما ألقت بي العتمة في مهاوي اليأس عدتُ إليه فينبت لي جناحان من ضوء، أستدعيه كلما ابتلعني الكهف أو ابتلعتُه وافترشت قلبي الصخرة: صخرة الذنب والعجز والضعف والوهن ، أستدعيه وحيا خلاصا، ملاكاً حارساً، رفيقاً منقذاً يسبق آهة الفقدان.
يا رسول الله ها أنا ذا في كهف أيامي أنوء بصخر آثامي وكلما أوشكت الظلمة أن تبتلع فيّ أنوار اليقين مددت إليّ أسراب الضياء، كلما أغلق اليأس عليّ منافذ الرجاء وأخذتني الوحشة من دنيا الناس وتملكني الشعور بالنبذ والانقطاع ترقرق حديثك المصفى في القلب وانبعث النور وتكشفت دوني الحجب.
لكأنك تقول: الكهف أنت، الصخرة صُنعك ونجاتك فيك ومنك.
كلما استحالت حياتك كهفاً بالغ الضيق كلما ضاقت وضقت بهاوسدت دونك الأفاق فاحفر داخلك بحثاً عما ينجيك، قلّب ماضيك صفحة صفحة، لحظة لحظة بحثاً عن الأحب والأجمل والأنبل، عن صالح عملٍ مرتفعٍ ونبيل لترتفع الصخرة.
أعود إليّ في لحظة التسامي والإشراق لا من أجل الافتتان والغرق في زهو الإنجاز، لا من أجل ذات النشوة المستعادة، لا من أجل مطامنة الروح المهددة بهلاك وشيك، لا من أجل السلوان والاكتفاء بما كان، لا من أجل مخاتلة اليأس.
أعود إلى لحظة الإشراق البعيدة في مواجهة إعتام اللحظة القريبة أملاً في النفاذ إلى الشروق التام، إلى حياة النور «..نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم..» إنها رحلة الروح سفر متصل الإشراق من "..شروق البدايات إلى شروق النهايات.." بحسب بن عطاء السكندري.
تعود بي يا رسول الله من أجل الخلاص إلى لحظات الإخلاص لكأنك تقول إخلاصك خلاصك.
ما ينجيك وأنت في مواجهة الأخطار وحيداً أعزل بعيداً عن دنيا الناس في الحياة الكهف بل ما ينجيك وأنت قريبٌ إلى ما تظن من أسباب الوجود ليبس إلا أحب الأعمال وصالحها لديك، ما كان خالصاً لله وما كنت فيه الإنسان الخالص.
هذا رصيدك الحقيقي وكل ما يمكن أن تستصحبه معك ليرفع عنك الصخرة، ليرفعك إلى الله، ليطلقك من الكهف، ليعيدك للحياة أكثر إيماناً ونبلاً بل وليضمن لك الحياة في ما هو أبعد من الكهف، أبعد من الدنيا «في جنة عرضها السماوات والأرض..» حيث الأبدية والنجاة في النعيم الخالد.
في لحظات الارتطام مع كل ما يمكن أن يكلفك حياتك لا تعول إلا على إخلاصك، رصيدك حيث لا تنفع الأرصدة.
العمل المضيء يبدد العتمة، عتمة الروح والحياة والارتفاع في العمل يرفع كل الصخور.
استعادتك الأحب حيث تتجمع بواعث النقمة والكره لحظات انخطاف واستنارة، لحظات كشف تحملك سفينة نجاة تخلصك من قبضة الثقل والجهامة، من كهفية اللحظة وتصحرها.
نجاتك الآن مرتبطة بنجاتك من لحظة الضعف وإفلاتك الآن مرتبط بلحظة انفلاتك من قبضة الشيطان، بلحظة كمالك وإنسانيتك تستعيد الحياة، بذكرك الله لحظة انتباهك وتذكرك مضافاً إليه فعل التذكر الآن واستعادة جماليات اللحظة، سبيلك إلى مغادرة الكهف.
انطلاقك من أسار أنانيتك ورغباتك الدنيئة سببٌ في انفراج الكرب وانفساح الدرب، عصيانك نفسك وأهوائك وإعراضك عن نداءات الغريزة فيك يخضع الصخر الأصم ويدرأ عنك الهلكة.
حين تتحرك الروح بمراد الله يتحرك من أجلها كل شيء "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه".
الإخلاص لحظة فارقة محررة والعمل الخالص فعلٌ تحريريٌ يبدأ لحظة الفعل بالتحرر من نوازع الضعف والارتكاس وينتهي محرِراً للإنسان من عذاب الأبد.
الله لا يبخسنا ولا يقبل بالبخس «.. ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين..» وأن تصل مراعاة الناس حد تثمين الشيء فما بالكم بتقدير الروح ومراعاة المشاعر والقيم.
الله لا يبخسنا الأعمال مهما صغرت وبدت حقيرة «..فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره..» يضاعف الحسنات دون السيئات، يغرينا بالكسب والإقبال عليه، يحب منا ما نحب «والعمل الصالح يرفعه...» يلهب أشواقنا وصباباتنا لتلك اللحظات الحساسة العالية حيث نكون معه " بلا علاقة ولا هم " يحب منك كل لحظة كنت فيها أنت مسكوباً في عملٍ خالصٍ، موقفٍ متسامٍ، فكرة شفيفة خاشعة، متبتلة، دمعة حب ووجد تطفر من عين القلب.
الله يحب منك كل لحظة فارقة تأبدت فيك وفي اللوح المحفوظ بكل ما داخَلَها وأحاطها من مشاعر وأحاسيس وأفكار، كل لحظة "..لم تجعله فيها أهون الناظرين إليك.."، كل لحظة فريدة النكهة والمذاق لها طعم الصلاة ورائحة الجنان حلاوتها في القلب تبدد مرارة الأحزان وتمنح الوجود لذته ومعناه وهنا يمتد ظل الرحمة ويلوح حديث "السبعة" كتأكيدٍ على تلك اللحظات.
الله يحفزنا على تقصد الأسمى والأعلى كخيارٍ يبدأ حسمه داخل الروح في لحظة علو يكتبها عنده نية مجردة مثيباً عليها قبل التحقق.
من هذا الذي يبخس الناس في الوطن الكهف مواقفهم؟ من هذا الذي يغلق دونهم أبواب النجاة ويسد أبواب الأمل بصخور كثار قدّت من تقصير وعتب وإحساسٍ بالهزيمة ومحبِطاتٍ أخر؟.
يا رجل الكهف استدع الأحب كلما أطبقت عليك لحظة الخسران، انظر كم رفعت من الصخرة دونك؟ عد إليك في لحظات اندفاعتك نحو الفكاك، واقفاً على رأس وطنٍ يوشك أن يسقط من ظمأ وجوع، مدافعاً عن المغتَصَب من الحرية والحق والكرامة.
عد إليك لتبني على ما أسست، عد إلى الأحب إلى الخالص من الرؤية والموقف فعسى إخلاصك ينجيك ويريك كم أنت قريبٌ من النور
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12180
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10692
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026