رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدو المعارضة التونسية اليوم في وضع لا تحسد عليه، وسط مشهد سياسي متفلب، وتشكيلات حزبية تغيرت معادلاتها وعلاقاتها.. فقد عجزت النسخة الحالية من المعارضة اليوم على فهم هذه التطورات، فضلا عن مجاراة السياق الراهن والتموقع صلبه..
والمفارقة الغريبة في هذا السياق، أن كل ما كسبته المعارضة خلال السنوات الأربع الماضية، خصوصا خلال فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة، تلاشى وبات نسيا منسيّا.
فشل ذريع
تراجعت بشكل ملحوظ قدرتها على تحشيد الشارع، وتقلصت فعاليتها في قلب الطاولة أو تغيير معادلات سياسية، وفشلت منذ انتخابات أكتوبر 2014، في فرض أجندتها وخياراتها، بما يجبر الحكومة على التراجع أو التنازل، مثلما كان يحصل مع حكومتي حمادي الجبالي أو علي العريّض، وفقدت قوتها صلب البرلمان، بل حتى الإعلام الذي استخدمت جزءا كبيرا من مكوناته، في صراعها السياسي، لم يعد يلعب دور الناطق الرسمي باسمها، ما أدى إلى دخولها نفق العجز وفقدان القدرة على المبادرة..
اللافت للنظر في هذا السياق، أنه حتى عندما التقت المعارضة مؤخرا على موقف موحد إزاء مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي طرحته رئاسة الجمهورية لتطبيع الوضع مع رجال الأعمال الموصوفين بالفساد، اختلفت حول تنظيم مسيرة موحدة، فظهرت تبايناتها بخصوص التوقيت وأسماء الأحزاب المشاركة وهويتها، ودخلت في حرب كلامية واتهامات مجانية مع بعضها البعض، فضيعت فرصة كان يمكن أن تشكل منعرجا في مسارها ومستقبلها ووحدتها، والنتيجة عجزها عن تحشيد ألف مشارك في المسيرة، الأمر الذي اعتبره مراقبين، علامة واضحة لفشل ذريع، ودليل جديد على تآكل المعارضة، ما يعني ضعفا هيكليا وفكريا وتكتيكيا، يجعل منها جزءا من المشكل وليست طرفا أساسيا في الحلّ، وبالتالي في صنع القرار السياسي، في بلد يحتاج إلى كل أبنائه ونخبه لبناء سياسات وقوانين وخيارات جديدة، تترجم الدستور التوافقي، وتساهم في إرساء نموذج مجتمعي جديد بكل معنى الكلمة..
لكن لماذا اتخذت المعارضة هذا المسلك الفاشل ؟
أسباب أساسية
بالتأكيد ثمة أسباب عديدة يمكن اختزالها في نقاط أساسية أهمها :
** أن المعارضة أو جزءا واسعا منها على الأقل، لم تقتنع بأن المعادلة السياسية تغيرت، وأن الائتلاف الحاكم، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه، يتوفر على خيوط اللعبة، في مقدمتها الأغلبية البرلمانية، وخيار التوافق بين أبرز رموزه، خصوصا "الشيخان"، رئيس الجمهورية، الباجي قايد السبسي، وزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي..
** أن الوضع السياسي تتحكم فيه خيوط وعلاقات وتحالفات داخلية وخارجية، باتت محددة لاتجاهات الأمور في البلاد، ولا يبدو أن أحزاب المعارضة، خصوصا الراديكالية منها في اليمين كما في اليسار، استوعبت هذا المعطى، أو هي قادرة على التعامل معه بمرونة وبراغماتية..
** لا يميّز الطيف الواسع من المعارضة، بين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي، والخلط بين الجانبين، أوقعها في عدم فهم التحولات الجارية في الشأن التونسي، وبالتالي فقدت قدرتها على التأثير في الوضع، وخسرت مجالات واسعة للمشاركة في صنع القرار السياسي الوطني..
** ما تزال المعارضة تفكر في المشهد السياسي بخلفية فترة حكم الترويكا، بحيث لم تعد النظر في سياستها وخياراتها وأسلوب عملها وتحالفاتها، وظلت رهينة المحبسين : الراديكالية في التفكير والتخطيط، والتفكير في الوضع التونسي بعقل مرحلة الاستبداد..
** ولعل أهم عائق يحول دون تطور هذه المعارضة وتحولها إلى قوة سياسية فاعلة ومؤثرة في المشهد السياسي التونسي، هو غرقها في الإيديولوجيا، وعدم تخلصها من عديد الدوغمائيات التي تجاوزها التاريخ وعفت عنها الجغرافيا..
بالطبع لا يعني ذلك، أن المعارضة في سلة واحدة، فثمة من الأحزاب من قرأ التحولات بشكل جيّد، وفهمت اتجاهات البوصلة التونسية، لكنها تعاني من أزمة خطاب وقيادات وربما سياسات اتصالية أيضا، وهي تحتاج إلى بعض الوقت لكي تتحول إلى أحزاب منتجة..
لكن هل معنى هذا أن الحكم في أحسن أحواله بهذا الائتلاف الحاكم الهشّ ؟
المشكل، أن ضعف الحكم لا تستغله المعارضة بشكل جيّد، لأنها سجينة رؤى ومقاربات من خارج السياق السياسي والتاريخي التونسي الراهن..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3867
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1626
| 30 أبريل 2026
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
1233
| 06 مايو 2026