رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن ممارسات الكيان الصهيوني تجعله مصبا لكراهية شعوب العالم حتى في الدول التي كانت تصنف تاريخيا كحلفاء إستراتيجيين له (يشير إلى ذلك استطلاع الرأي الذي أجرته أخيرا مؤسسة " آفاز " في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا ونشرت نتائجه صحيفة الجارديان البريطانية "، فعندما يصير الإنسان - كإنسان - لا يساوي لدى الكيان أكثر من الرصاصة أو القذيفة التي تقتله، فإن العالم - المحب منه والمبغض - سيراه غاية التهرؤ الأخلاقي الذي لا تبرره الحروب حتى المقدسة منها ولأجل منع هذه الدموية التي برزت كثيرا في الحرب العالمية الثانية فقد جاءت مواثيق حقوق الإنسان صريحة ومنضبطة في ذلك.
الكيان الصهيوني وإذ هو يخسر مبرر وجوده القانوني والأخلاقي كما نرى فهو يتقدم بسرعة إلى حتفه ونهايته.. ليس بالضرورة أن يتحقق ذلك اليوم أو غدا فلربما تسعفه القوة المادية والدعم الغربي الرسمي – الأمريكي والبريطاني والفرنسي تحديدا - لكن؛ وكما هو معروف، فالقوة العسكرية والمادية والاتكاء على الآخرين ليست هي العامل الوحيد في قيام الدول أو موتها.. ولقد تفكك وسقط الاتحاد السوفييتي ثم زال وهو يمتلك عشرات آلاف الرؤوس النووية، وفي التاريخ القديم زالت إمبراطوريتا فارس والروم خلال سنوات لا تزيد على عشر.. ومن عجيب القدر أن زوال هاتين الإمبراطوريتين كان على يد القلة المسلمة .. فإن كان السؤال؛ ما المطلوب وما الممكن؟ فأقول:
أولا: مطلوب ابتداء الحيطة والحذر من أن تخرج غزة عمليا من الثورة بالتهدئة الطويلة الأمد التي يسعى إليها العدو ؛ ففلسطين ليست غزة فقط، والشعب الفلسطيني يبني آمالا وطموحات كثيرة وكبيرة على غزة ومقاومتها بالأخص بعد هذا الذي رأيناه من قدرات ومبادرات.. هذا المحدد لا بد أن تأخذه حماس وقوى المقاومة بنظر الاعتبار وهي تقرر ما تقبل وما لا تقبل وما تشترط لأي اتفاق تهدئة وما تدفن فيه من مكامن أمنية وسياسية..
ثانيا: وأيضا قبل الحديث عن المطلوب والممكن؛ لا بد من تذكر أن الحالة العربية والإقليمية باتت يمكن التعويل عليها للقيام بدور فاعل وحقيقي وصارت لدينا نظم عربية ثورية وطنية ولها مكانة دولية وإقليمية واستحقاقات قانونية وعلاقات دبلوماسية يمكن استثمارها كمصر وليبيا وتونس واليمن.. ودول أخرى داعمة أساسا لمعسكر المقاومة كقطر وتركيا والسودان وإيران..
ثالثا: أما الممكن بل الواجب فكثير ومنه على سبيل المثال وبما يحضر الذهن في هذه اللحظة:
1- تسليح المقاومة علنا وسرا؛ بالأخص إذا كانت الأسلحة نوعية لمواجهة الدروع والطيران الحربي فقد أثبتت المقاومة أنها غير هيابة بقدر ما أثبتت الأحداث اليوم إمكانية ضرب تل أبيب والقدس الغربية والمستوطنات.. كما أن الأحداث أثبتت أن العالم يتقبل هذه المقاومة كحق طبيعي للشعب الفلسطيني.
2- من المجدي التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب لإعادة النظر في إمكانية إنتاج قرار أممي تاريخي بإدانة الصهيونية وتجريمها ويستعيد قرارا سابقا دمغها بالعنصرية وكان قد صدر في نوفمبر 1975 تحت رقم 3379، والذي - للأسف - نجح " العدو " عام 1991 بدعم غربي وتقصير عربي في إلغائه.. هذا القرار لم يُلغ بسبب تخلي الصهيونية عن عنصريتها، ولكن نتيجة تغير الظروف التي أتاحت إصداره.
3- أن تحافظ المقاومة على عنصر الردع وألا تظهر الحرص المبالغ فيه على عدم التوتير أو الاكتفاء والانكفاء على المعادلات الداخلية.. يحضرني هنا ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وأن الهلاك الذي تحذر منه الآية هو الانشغال بالزرع والضرع والدنيا.. فالصمود والاستعداد للتضحية والبروز بمظهر المغامرة هو ما يجب أن يميز الثورة كما كل الثورات التي واجهت مستعمرين أقوى منها.. وإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المقاومة من خطأ هو أن يفهم العدو أنها فقدت سلاح المغامرة، وأنها لم تعد مستعدة لتقديم الخسارات الكبيرة، وأنها صارت تحسب الحسابات السياسية كما الدول والنظم الرسمية.
4- أن يعمل الشعب الفلسطيني – وبالأخص المقاومة – في المساحات المشتركة مع كل من يدعمها ولكن بشرطين؛ الأول: ألا تسيس هذه الدعوم وهو ما حافظت عليه حماس - على الأقل - بدليل أنها لم تستجب لإيران وسوريا في أهوائهما السياسية والدموية والطائفية مهما دعمتاها.. والشرط الثاني: عدم نسيان أو تجاهل المربع الإستراتيجي الذي ينتمي إليه من يرغب في دعم المقاومة فلا تمكن في هذا السياق التسوية مثلا إيران – أيا كان الخلاف معها - وأمريكا وبريطانيا.
5- عدم انجرار المقاومة إلى ولاءات داخل مربع غيرها بمعنى ألا تفقد استقلال قرارها وفي هذا يستوي أمام الشعب الفلسطيني التشيع والقومية والعلمانية والاتجاهات الليبرالية والتسووية..
6- تحكيم قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " بطريقة واعية وموضوعية بعيدا عما يراه الجبان ضرورة ويراه المتهور بطولة.. التحكيم هنا لوصف الضرورة بإقرار المعتدلين من أهل العلم وأهل الحل والعقد والمخلصين للمقاومة..
7- أن يتنبه الشعب الفلسطيني ومقاومته إلى أن دورانه مع الحلفاء والداعمين هو فقط المساحات المشتركة بينهم دون الولوج لتبايناتهم وتناقضاتهم لأن ذلك أغرق منظمات وتنظيمات سابقة حتى فقدت البوصلة الوطنية.
8- العمل على إطلاق انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية - وقد باتت كل مؤهلاتها ماثلة؛ الانغلاق السياسي، والضغط الاقتصادي، واستكلاب المستوطنين، والبيئة السياسية من حولنا.. هذه الانتفاضة صارت ممكنة وهي المعول عليه أن يقلب كل الحالة المتهرئة والعاجزة التي تمر بها القضية..
9- إصلاح الحالة الفلسطينية بإرادة حقيقية وجهود جدية بما في ذلك كل عناوين هذه الحالة؛ المنظمة، والانقسام، والانتخابات، والتفاهمات الداخلية، والمقاومة بكل صورها، والحشد الفلسطيني الشعبي والرسمي والحزبي.. وكل ذلك على قاعدة بأن الخارطة السياسية والفكرية والفصائلية تغيرت كثيرا ما بين حالة الانطلاق وحالة الوصول وعلى قاعدة أن عملية التسوية وتجربة السلطة قد باءتا بالفشل.
10 - تطوير وإنضاج فكرة الزحف الشعبي إلى حدود فلسطين التي شاهدنا باكورتها في ذكرى يوم الأرض الماضي.. صحيح أن الفكرة لم تصل أفقها ومخططها في ذلك الوقت وسقوط العشرات بين شهيد وجريح قد يبدو ثمنا غاليا بالنظر للعائد السياسي والميداني؛ لكن الفكرة كفكرة رائدة ومن بعدها سيكون المستقبل طموحا ومختلفا.. ولك أن تتخيل الثمار إذا نجحت فكرة اجتياح مئات الآلاف من كل الجهات لحدود الكيان.. بالتأكيد سيعفي ذلك الجيوش الرسمية مما لم تستطعه حتى الآن.
آخر القول: إن على المثقفين والكتاب والمفكرين والنخب والأحزاب الفاعلة وعلى الجامعات والإعلاميين وعلى أهل الحل والعقد في الأمة أن يجتهدوا في بناء إستراتيجية مواجهة جديدة باتت تتطلبها المرحلة ورؤية النظم الثورية الجديدة؛ إستراتيجية تقوم على " الواقع الحالي كقاعدة انطلاق، وتطوير الممكن وصولا للمعركة الكبرى والتحرير في المستقبل كنقطة وصول"، إستراتيجية تحمل في طياتها كل أبعاد ومؤهلات النصر والحشد السياسية والاقتصادية والفكرية والإعلامية والعسكرية.. وهو ما حاولت تلمسه في هذا المقال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3159
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026