رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

يسرى ناصر مهنا

يسرى ناصر مهنا

مساحة إعلانية

مقالات

1616

يسرى ناصر مهنا

السامقات نحو الأعالي

22 نوفمبر 2013 , 12:00ص

لم تكن الأشجار منذ وجد الانسان على وجه الكوكب الحى مجرد مصدر للثمار والأخشاب والظل والنار، فقد ارتبط الكائن العاقل بها بعلاقة متشعبة شائكة ومعقّدة، تنطوى على الكثير من الألغاز والأسرار والرموز.

فالأشجار لم تنحصرعلاقة الانسانية بها، فى اطار العلاقة النفعية فقط،، وانما اكتظّ العقل الباطن الفردى والجماعى على حد سواء بالمشاعر الحميمة الخاصة تجاه الأشجار. فالاشجار دون غيرها من الكائنات الحية، تنمو نحو الأعلى حتى ارتبطت بالسمو والتسامق والارتفاع، (فالشجر كل ما سما بنفسه) كما ذكر ابن منظور فى لسان العرب.

وتخبرنا الأساطير العربية القديمة أن شجرة النخيل تعود بزمنها الى زمن آدم وقد خلقت من الطين ذاته الذى خلق منه آدم، وهى كذلك لم تشبه الانسان — فحسب — وانما شُبّهت بالمؤمن كذلك، كما وصفها النبى محمد (صلى الله عليه وسلم )، فهى ثابتة فى الأرض، وثمرها حلو عام المصلحة، كالمؤمن طيب الكلام طيب العمل فيه المنفعة لنفسه وغيره، أما لباسها فلا يسقط عنها صيفا ولا شتاء، كذلك المؤمن لا تزول عنه تقواه حتى يوافى ربه، أما وقد كان ثمرها (من أنفع ثمار العالم حيث يؤكل رطبا ويابسا ويدخل فى الأدوية والأشربة وعموم المنفعة) فيما ذهب (القزويني) الى أنها (تشبه الانسان من حيث استقامة قدّها وطولها وامتياز ذكرها عن أنثاها، ولو قطعت رأسها هلكت، ولها غلاف كالمشيمة التى يكون فيها الولد، والجمّار الذى على رأسها لو أصابه آفة هلكت النخلة كهيئة مخ الانسان اذا أصابه آفة، ولو قطع منها غصن لا يرجع بدله كعضو الانسان، وعليها ليف كشعر يكون على الانسان.

وفى أرجاء شتى من المعمورة قدس الناس الأشجار، حتى ازدحمت الأرض بالأشجار المقدسة، فشجرة (البلوط — السنديان) شجرة أثيرة ومقدسة لدى الحضارات القديمة فى بلاد الغال (فرنسا وبلجيكا حالياُ)،وشجرة (الزيزفون) كانت مقدسة فى جرمانيا (المانيا )، وشجرة (الدردار) كانت كذلك فى اسكندنافيا، وشجرة (السندر) مقدسة فى سيبيريا، وشجرة (الزان) فى فرنسا، أما شجرة(البامبو) أو الخيزران فلا تضاهيها قداسة لدى الصينيين، حيث تزخر الكتب الصينية باشارات حول الأشجار الباكية والنائحة التى تنطلق منها صيحات الألم أو الغيظ اذا قطع غصن منها.

بينما قدّس الهنود شجرة التين البنغالي، حيث عثر على لقى آثارية من بينها ختم يظهر احدى الآلهة تقف وسط شجرة تين المعابد أو شجرة(البو — Bo — Tree) المقدسة التى سادت عبادتها فى وقت لاحق.

فيما قدّس قدماء المصريين شجرة (الجمّيز) التى يطلق عليها بالهيروغليفية (نهت) فجعلوها مسكناً لروح البقرة المقدسة (حتحور) كما قدسوا نبات (البردي) الذى كان تأثيره خطيراً على الحضارة المصرية.

أما فى بلاد ما بين النهرين فلا تضاهى شجرة (النخيل) مكانة وتقديسا بعد أن أصبحت أهم ثلاثة رموز سومرية: النخلة والثور والمحراث. وعدت النخلة كذلك (شجرة الحياة المقدسة) عند عرب شبه الجزيرة.

أما فى بلاد الشام وفلسطين فان عدداً من الأشجار المقدسة التى لا يزال تأثيرها حتى اليوم، كشجرة البلوط، والتين، والخروب، والزيتون، والسدر(النبق) والأرز وغيرها من الأشجار التى أحيطت بشتى صنوف التبجيل والتقديس من مختلف الأديان والانتماءات والطوائف الدينية، كما أن من الملاحظ أن الأشجار المقدسة غالباً ما تكون منعزلة بعيدة عن المناطق المأهولة بالسكان، أو قريبة من كهف أو نبع ماء. وقد كان قطع أشجار النخيل والزيتون وغيرها من أشجار مثمرة من الأساليب المتبعة فى الحروب لاضعاف المدينة المحاصرة وتجويع أهلها.

وفى زمننا هذا تتخذ بعض الدول أنواعا من الأشجار كرمز لها فشجرة الأرز المعمر رمز لبنان الذى يزين علمه، وترمز الى القداسة والصمود، وكذلك يتميز علم كندا بورقة شجر الاسفندان المنتشر فى أمريكا الشمالية، كما تتوسط علم قبرص خريطة الجزيرة يحيط بها غصنان من أغصان الزيتون.

ولعل أكثر رموز يتداولها الناس فى معظم بقاع العالم هما غصن الزيتون وسنابل القمح كرموز للسلام والتآخى بين الشعوب، خاصة بعد أن أصبح غصن الزيتون شعار الأمم المتحدة.

مساحة إعلانية