رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن تتابع صدور الحسابات الوطنية السنوية جيد وإن أتى متأخرا بسبب الأوضاع العامة، ولا بد من التنويه بالجهود الكبيرة التي بذلت وتبذل من قبل أجهزة الدولة اللبنانية لإصدارها. لا بد من تقوية مؤسسة الإحصاء الوطني بشريا وماديا وإعطائها الاستقلالية تجاه السياسيين كما في الدول الغربية حتى تقوم بأعمالها بشكل أفضل. نأمل أن تصدر الحسابات النهائية لسنة 2010 في الفصل الأول من 2011 لنعود كما كنا منذ عقود، أي سباقين في إصدار هذه الأرقام المهمة التي لا يمكن إجراء أي تحليل اقتصادي ومالي جدي من دونها. هنالك جوانب إيجابية لحسابات 2009 أهمها وصول نسبة النمو العام الحقيقي إلى 8.5% وتراجع نسبة التضخم من 10.3% في سنة 2008 إلى 1.2% السنة الماضية. ما يقلق هو تدني نسبة القطاعين الأولين من الناتج المحلي الإجمالي إلى حدود 12.5% (منها أقل من 5% للزراعة) مما يؤكد مرة جديدة على ضعف التنويع الاقتصادي وعلى اعتماد لبنان على القطاع الخدماتي وحده لتحقيق نمو عام. هنالك في كل حال اتجاه انحداري للقطاعين الأولين أي للزراعة من 6% من الناتج في سنة 2008 إلى 5% في سنة 2009. أما الصناعة، فانخفضت حصتها في الاقتصاد من أقل من 8% في سنة 2008 إلى 7.5% في سنة 2009. أهمية الزراعة والصناعة هو توزعهما على كل الأراضي اللبنانية وتحديدا وجودهما في المناطق البعيدة التي لا تستفيد من النمو العام الخدماتي كما يجب.
هنالك مخاطر كبرى لوصول القطاع الخدماتي إلى حدود 88% من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة قل وجودها حتى في أعرق الدول تطورا ونضجا في الاقتصاد. في الولايات المتحدة تصل حصة الخدمات إلى %80 من الناتج وفي فرنسا إلى 76% وفي سويسرا دولة الخدمات النوعية بامتياز إلى 73%. تكمن المخاطر في أن القطاع الخدماتي يتأثر سلبا بسرعة بأي خضة سياسية وأمنية يمكن أن تحصل ، أما القطاعان الآخران فيصمدان أكثر بكثير ولا بد من الاتعاظ هنا من تجربة حرب 2006 حيث خرج السواح والزائرون وتوقفت الخدمات وانهار النمو الاقتصادي الذي كان قويا في النصف الأول من السنة. إذا استمررنا في هذه الاتجاهات، ستتدنى أكثر حصة الزراعة والصناعة في الاقتصاد العام وسيكون لها تأثيرات سلبية كبرى على التوزع السكاني والتنمية والرفاهية الاجتماعية والفقر تفوق تصور السياسيين القصير الأمد عموما. إذا قارنا نمو الزراعة والصناعة بالاقتصاد العام بين سنتي 2008 و 2009 ، نرى أنها تدنت في الزراعة بينما ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة أقل من النمو العام مما يشير إلى اتجاهات غير متوازنة لتطور الاقتصاد اللبناني .
هنا تكمن ضرورة مراجعة السياسات الاقتصادية اللبنانية كي لا نخسر ما تبقى من زراعة وصناعة. المطلوب معروف ويطالب به الصناعيون والمزارعون منذ عقود. يجب التعويض على المزارعين لتغطية الخسائر التي منيوا بها نتيجة العاصفة التي ضربت لبنان والمناطق الزراعية تحديدا منذ أيام. هذا لا يعتبر دعما، إذ إن الخسائر لم تنتج عن عوامل السوق بل عن غضب الطبيعة مما يحتم على الحكومة التدخل للتعويض عبر الموازنة أم عبر التبرعات والقروض أو غيرها من الموارد المالية. كذلك الأمر فيما يخص الصناعة عندما تأتي الخسائر ليس من السوق وإنما من السياسات العامة المسيئة لتطور الصناعة. مطالب الصناعيين معروفة منذ عقود ، فكيف لصناعة أن تحيى من دون كهرباء وكيف لزراعة أن تستمر من دون مياه وري وإرشاد متخصص وتسهيلات تسويقية وضرائبية وتمويلية. فالولايات المتحدة وأوروبا تتدخلان لمساعدة قطاعي الصناعة والزراعة ، فكيف في لبنان حيث مناعة القطاعين أضعف ليس نتيجة عوامل السوق وإنما نتيجة السياسات العامة غير المدروسة والإهمال المتراكم.
مراجعة السياسات الاقتصادية لا تقتصر على لبنان طبعا وإنما هي واجب كل الدول خاصة تلك التي سببت الأزمة المالية العالمية وفي مقدمها الولايات المتحدة . لا يمكن تجاهل الموضوع بعد التجارب المرة التي لحقت بالاقتصاد الدولي حتى في الدول التي لم تصب مباشرة بشظايا الأزمة كمجموعة الدول النامية والناشئة. من أسوأ مؤشرات الأزمة هو ارتفاع نسبة البطالة الشبابية الدولية ( أي بين 15 و24 سنة ) من 11.9% في سنة 2007 إلى 13% في سنة 2009. تبعا لمنظمة العمل الدولية " ILO" ، هنالك 81 مليون شاب وشابة لا يعملون بسبب غياب الفرص ، مما يشير إلى ضياع إنتاج أجيال بكاملها. المطلوب ليس فقط المراجعة ، وإنما التنسيق فيما بين الدول المعنية لتقوية فرص الإنقاذ وبالتالي العودة إلى نسب نمو ما قبل الأزمة . ليس ضروريا تعديل آليات السياسة النقدية لأن أسباب الأزمة لا تعود إليها بل إلى سوء تطبيق الإجراءات القانونية بالإضافة إلى حاجة السلطات إلى أدوات جديدة للرقابة أكثر فعالية.
من ناحية أخرى، هنالك مأخذ أساسي على المصارف المركزية الغربية وفي مقدمها الأمريكي الذي لو رفع الفوائد بشكل أسرع في بداية الألفية الثانية لجنب الاقتصاد الغربي الأزمة العقارية التي امتدت إلى كافة جوانب الاقتصادين المالي والحقيقي. أما السياسة المالية ، فقد ساعد الضخ على تجنب حدوث ركود أكبر أي بطالة مرتفعة تؤثر سلبا على الأوضاع الاجتماعية . في كل حال من الأفضل معالجة الفقاعات المالية عبر السياسة المالية وبالتحديد الضرائبية بدل تغيير الفوائد لأن مستوى الأخيرة منخفض ولا يمكن تخفيضه أكثر، كما أن للسياسة المالية تأثيرا إيجابيا مباشرا على الاقتصاد ككل وليس بصورة غير مباشرة كما هو حال الفوائد. نعلم جميعا وهذه دروس "كينز" إن تأثير زيادة الإنفاق على الاقتصاد أكبر بكثير من تخفيض الضرائب بسبب اختلاف قيمة "العامل المضاعف" بين الحالتين.
أن توافر ادخار دولي كبير أسهم في تخفيض الفوائد في بداية الألفية الحالية مما شجع على الاقتراض والمخاطرة في الاستثمارات لتحقيق أرباح كبيرة. ارتفعت نسبة الادخار الخاص الدولي أي الناتج عن أعمال الأفراد والشركات من 29% من الناتج في سنة 2007 إلى 33% في سنة 2010. أن وجود خلل في الاقتصاد الدولي مرتكز على فائض ادخاري هائل في الصين وآسيا عموما بالتزامن مع عجز في ميزان الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية لا يمكن أن يستمر دون إحداث تقلبات نقدية من فترة إلى أخرى. تؤكد توقعات صندوق النقد على انخفاض العجز المالي في الدول الغربية في فترة 2011 – 2015 نتيجة تخفيض أو توقف الضخ المالي الحاصل منذ سنة 2008. رغم هذا التخفيض المتوقع، سترتفع نسبة الدين العام في الدول الصناعية من 91% من الناتج اليوم إلى 110% في سنة 2015. ارتفاعها بعشرين نقطة يؤدي إلى انخفاض النمو السنوي ب 0.3 نقطة، وهي تكلفة باهظة لدول تنمو أصلا بنسب ضعيفة. يقول الاقتصاديان "راينهارت" و"روغوف" إنه عندما تتعدى نسبة الدين العام من الناتج مستوى آل %90 يصبح الخوف مزدوجا، أي انخفاض نسبة النمو وارتفاع المخاطر المالية التي يمكن أن تؤدي إلى الإفلاس.
يقول الاقتصادي "بول كروغمان" إن من واجب الدول تخفيض عجز الموازنة لأن بقاءه مرتفعا يؤدي عاجلا أو آجلا إلى التضخم. العالم ينسى اليوم غضب التضخم الغائب منذ بداية الأزمة، لكنه ربما يعود في فترات ليست بالبعيدة. لن ينخفض العجز المالي إلا إذا عادت الشركات إلى الاستثمار والمواطنون إلى الإنفاق بحيث تتوسع رقعة الاقتصاد ويرتفع التحصيل الضرائبي العام. المطلوب في رأي "كروغمان" عودة الصحة إلى الاقتصادات الوطنية أي تبقى متوازنة في الداخل والخارج كي تصمد أمام العواصف المالية والاقتصادية الآتية من الخارج. هنالك قلق دولي بشأن الدروس التي اقتبست فعلا من الأزمة والخوف من أن نعود إليها كل عشر سنوات، فتتحقق الخسائر الكبرى التي يدفع ثمنها المواطن العادي الذي لم يكن مسببا لها.
تحالفات جديدة في شرق أوسط متغير
ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه التحولات الأخيرة في المنطقة ليس: من هو التحالف الجديد؟ أو من سينضم... اقرأ المزيد
168
| 10 أغسطس 2026
المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية
يشهد مفهوم القوة العسكرية تحولاً تاريخياً؛ فقوة الجيوش لم تعد تُقاس فقط بحجم الأساطيل أو الترسانات التقليدية، بل... اقرأ المزيد
141
| 10 أغسطس 2026
تجليّات الحُسن المخبوء !
من أجمل الإدراكات والتجارب التي يستخلص منها الإنسان صفو المعرفة، أن يعي أنه كلما تماثلت نفس المرء للتعافي،... اقرأ المزيد
162
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4893
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1482
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
990
| 06 أغسطس 2026