رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تخترق الخطيئة حائط الصد المعزز بالقيم، وتمعن في استدراج الرغبة لتسهيل عبور المخالفات وتمريرها، وفقا لقياس هش لا تلبث أن تتضح مساوئه، سواء على مرتكب المخالفة وما يعانيه في الداخل، خصوصا الحرب الضروس مع ذاته الرافضة لهذا الإذعان المخزي للخطيئة والمتوافقة مع منطلقاته التي تأسست وفق بيئة تنحو إلى تجريد النفس من مغبة الانسياق خلف الأحاسيس المضللة أو من خلال التبرير المتكئ على الخداع والمواربة، من حيث تطويع المدارك وانتشال المنافع من دائرة الشبهة، عبر تصوير مغالط ينوء بالمفارقات فضلا عن التناقض الذي يستشعره ولا يقره فيكذب هذا الشعور وتصدقه نفسه الأمارة بالسوء، إلا أن مطرقة الواقع لا تهدأ ولا تستكين ويكاد المريب يقول خذوني، وحينما تنكشف الأغطية التي لم تعد قادرة على ستره وفق القياس المضطرب الذي بني على ضوء فرضيات المتهالك وتصورات خاطئة، فإن المعضلة تنتقل من الداخل إلى الخارج حيث المواجهة وتسليط الضوء على مساوئه، ليقف المجتمع ناقدا ناقما على سلوكه وتصرفه، ذلك أنه نسف الخشية من رب العالمين، وتهاون في غفلة صنعتها إرادته الضعيفة والتي لم تكن من القوة بمكان بل أصابها الهوان.والسؤال هنا هل التشهير بالمخالفين يسهم في إصلاحهم؟ وهل في التشهير عبرة وعظة لغيرهم؟ في تقديري أن الفريقين منهم من يطالب بالتشهير ومن يرفض التشهير كلاهما يجد المبررات لسلامة موقفه فمن يطالب بالتشهير حتما سيختار الإجابة عن السؤال الثاني وهو نعم، والفريق الرافض سيختار الإجابة بلا على السؤال الأول، إذن نحتكم إلى القياس المنطقي في هذه الناحية خصوصا المصلحة، لاسيَّما أن ديننا الحنيف أمرنا بالستر لما يترتب على ذلك من عوائد إيجابية تؤثر صلاح النفوس، والستر لا يتقاطع مع تنفيذ العقاب على المخطئ ولو كل مخطئ تم التشهير به لما بقي فرد لم يدخل هذه القائمة إلا من رحم ربي، في حين أن التشهير يسهم في تفريغ العقاب من محتواه وهو بلوغ الإصلاح وبالتالي فإن الهدف منه ربما يجلب نقيضه وهو النقمة والشعور بالانتكاس فضلا عن انعكاس هذا الأمر على أناس ليس لهم يد في هذا التجاوز من أفراد أسرته، والذين سيشعرون بالغبن في هذه الناحية، لانتفاء الإنصاف في حالة التشهير أي أن الإصابة المعنوية التي ستصيب أفراد أسرة المخطئ ليس لها ما يبررها ولا يؤخذ الإنسان بجريرة غيره.
من هذا المنطلق تتجلى الحكمة البالغة، بتفعيل الستر كعنصر قيم يتيح المجال للمذنب أن يتوب من فعلته ويطهر نفسه إما بتعويض من أصابهم أو طلب الصفح منهم هذا من جانب ومن جانب آخر فإن شعور المخطئ في حالة التشهير به وفضحه أمام الناس سيغلق حدود العودة إلى رشده واستقامته، أي أن الشعور بالذنب سيتلاشى أمام قسوة التشهير، فإذا كان رب العباد غفارا لمن تاب وأناب فكيف بنا ونحن الضعفاء المعرضون لصنوف الأخطاء في حين أنه في حالة التشهير سيدفع الآخرون ثمنا لذنب لم يرتكبوه، سوى أن فرداً من أفرادها شذ عن الطريق السوي وإقحامهم في هذا الشأن أمر لا يقره العقل والمنطق، إذ ينبغي أن تتم معالجة الأسباب المؤدية للمخالفات، وفق التنوع في الطرح، المفضي إلى تتبع مصدر المخالفة، واستنتاج اللقاح من ذات المصدر، لتقوية الجهاز المناعي وتنشيطه من خلال تفعيل الرقابة الذاتية وتحري الحق وتطبيقه، فمحاربة الفساد تأتي في وأد الفكر العدائي وتحفيز الفكر المتسامح الذي ينشد السكينة والاطمئنان ولكي لا ينتج جراء ذلك أعضاء يستمرئون المخالفة كنوع من التعويض الارتدادي ومعالجة الخطأ بخطأ أشد فداحة. ويشكّل الفساد الإداري إنهاكاً معنوياً ومادياً،.وإذا كان التذكير بمغبة المعاصي على هذا النحو لا يجدي نفعاً على من ألقى السمع وهو شهيد، فإن السبيل إلى قطع دابر هؤلاء الفاسدين المفسدين هو تشديد الدور الرقابي، وعدم التراخي أو التساهل بأكل أموال الناس بالباطل، فضلاً عن إنهاك الاقتصاد وهدر المال العام بصيغ الفجة، ومن ضمن الأطر التي يمكن الاتكاء عليها بهذا الخصوص، الزيارات المفاجئة للمسؤول، فكم تحقق الزيارات آثارا إيجابية، ليس فقط فيما يخص الاهتمام والارتقاء بمستوى الأداء فحسب بل سيسهم في رفع مستوى الإحساس والشعور بالمسؤولية الأدبية إبراءً للذمة، وراحة للضمير.هذا الأسلوب الإداري لا تنحصر إيجابياته على المتلقي فقط، بل على الجميع.إن مسيرة الإصلاح تتطلب جهدا دؤوبا للارتقاء بالمستوى الأخلاقي على نحو يترجم الجهود المخلصة وفي إطار تفعيل القيم النبيلة، الداعمة لكل توجه يصبو إلى خدمة الأمة من خلال التزامها بمبادئها الثابتة والراسخة ويجب ألا ينخفض مستوى هذا الإحساس إذ إن استشراف المعالي برقي الفكر وسمو العزيمة من شأنه ترويض الرغبة وفقاً لتحكيم العقل المتقد لتنصاع وتخضع إلى مفرزة الخطأ والصواب في اختبار لا يقبل أنصاف الحلول، فإما إلى الهاوية وبئس المنقلب، وإما إلى الباقية حيث يجزي الله الصادقين بصدقهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2265
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
810
| 03 مايو 2026