رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصدرَ حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى يوم 14/1/2019 القانون رقم 7 لسنة 2019، بشأن حماية اللغة العربية.
وحوى القانون مجموعةً من الإجراءات الكفيلة بتحقيق رؤية صاحب السمو لدعم اللغة العربية، ومنها: إجراءات التفاوض، والمُذكرات والمراسلات التي تقوم بها أجهزة الدولة، والاتفاقيات التي تعقدها الدولة مع الحكومات والهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، وكذلك المؤتمرات. ونصَّت مواد القانون البالغة 15 مادة، على إلزام الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التابعة للدولة بالتدريس باللغة العربية، وكذلك إجراء الدراسات والبحوث العلمية، وتسمية الشركات التجارية والعلامات التجارية، وحوت المواد ( 11-12) العقوبات التي حدّدها القانون في حالة وجود مخالفة من أية جهة.
ولقد استوقفتني المادة (2) من القانون والتي تُلزم الوزاراتِ والأجهزة الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة باستخدام اللغة العربية في اجتماعاتها ومناقشاتها، وتسميات وبرامج ومنشورات وإعلانات مرئية أو مسموعة أو مقروءة.
وفي واقع الأمر، نحن نعاني من أَمْرين مُهميّن في قضية اللغة العربية، الأول هو: نفور الطلبة والطالبات من اللغة العربية، ليس لكونها صعبة، بل لأن المناهج التعليمية السابقة، والخبرات التراكمية لمنظور التعليم، وكذلك الأسرة، لها دور كبير في تدنّي استيعاب أبنائنا وبناتنا للغة العربية، فنحن نشهد حاليا في المرحلة الجامعية، طلبة وطالبات لا يعرفون الكثير عن اللغة العربية، بل وتكون مُمارستهم لها في حدود دُنيا! فالطفل في سن السابعة أو الثامنة، والذي أُدخلَ مدرسة أجنبية، نجدهُ لا يستطيع نُطق الجُمل، بل ولا التراكيب اللغوية الصحيحة، لأنه يقضي حوالي سبع ساعات في المدرسة، يتحدث بالإنجليزية، ويُناقش نظراءَهُ بالإنجليزية، ثم يأتي إلى المنزل، ويتحدث مع المُساعِدة بالإنجليزية لمدة خمس ساعات، قد تتخللها بعضُ الحوارات مع الأب أو الأم باللغة العربية. والطفل أيضاً يقضي 3-4 ساعات يومياً وهو يشاهد برامجَ تلفزيونية باللغة الإنجليزية، أو يمارسُ ألعابًا لغتها إنجليزية! فكيف لنا أن نجعل من هذا الطفل مُلبيًا للقانون السامي؟! هل هي مسؤولية المدرَسة، أم الجامعة، أم مسؤولية الأسرة، التي ترتاح جداً لو بقي الطفل خمس ساعات يشاهد قناة أجنبية، حتى لا « يُعكّر» مزاج الأم!؟ وهنا لا نتحدث عن اللغة فقط، بل عن الثقافة التي تحملها تلك اللغة الأجنبية، والمفاهيم التي تترسخ في عقل الطفل. إذن، فالمسؤولية هنا على الأسرة في المقام الأول، وثانياً: المسؤولية على جهات التعليم، في ( تحبيب) الطالب في لغته العربية، وإعطائه الحوافز لإتقانها، حيث يتشكَّل وجدانهُ وثقافته من اللغة التي يُتقنها. ونحن في المرحلة الجامعية، نشهد ضعفاً واضحاً لدى أبنائنا وبناتنا، في هذا الجانب، وأعتقد أن القانون الجديد سوف « يُنبّه» القائمين على شؤون التعليم بإعادة النظر في مناهج، ووسائل توصيل المادة، بحيث نضمن تطبيقَ القانون السامي، وبما يخدم أهداف الدولة.
الأمر الآخر هو لغة الإعلام!؟ فنحن نشهد تراجعاً في الأداء الإعلامي – في الإذاعة والتلفزيون – حيث تحاول البرامجُ التركيز على اللهجة المحلية، دونما اعتبار للغة العربية، التي هي حاضنة الحضارة العربية والإسلامية. والمادة (2) من القانون صريحة، ولها دلالة واضحة على ضرورة استخدام اللغة العربية في وسائل الإعلام.
كنا في السبعينيات، لا يُسمح لنا بالجلوس خلف المايكروفون وأمام الشاشة، إلا بعد أن نجتاز امتحان الشاشة وامتحان اللغة العربية!؟ كما كانت لنا سجالات يومية، يذكرُها الجيلُ الإعلامي من نظرائي ( عبدالوهاب المطوع، محمد إبراهيم، د. يوسف الإبراهيم، المرحوم فوزي الخميس، الأستاذ زهدي أبوخليل، والأستاذة كوثر مطر، وليلى الأطرش، وذهبية جابي)، وغيرهم مِمن كانوا يدخلون في نقاشات حامية حول أدائنا لنشرة الأخبار في الليلة السابقة وكان كلٌّ منا يستفيد من تلك النقاشات، بل كان مدير التلفزيون آنذاك – عام 1974 – الأستاذ جواد مرقة، يستدعيني بعد أن أُكمل نشرة الأخبار، حيث يُسلّمني ورقة صفراء دوّنَ فيها بعض الأخطاء التي عملتها في النشرة، ويُهدِّدُني بتوقيفي عن النشرة إن أعدت تلك الأخطاء في نشرة قادمة. وبهذه الطريقة حفظنا اللغة العربية، وبعضنا رجعَ إلى مُدرس لغة عربية كي يقويّ لغته، بل أصبح المذيع فينا « يخجل» في اليوم التالي، عندما يُرسل الأستاذ زهدي أبوخليل، ورقته حول أخطاء المذيعين، وبذلك تعلّمنا اللغة العربية، وبعضنا تخصَّص فيها في مرحلته الجامعية.
أما اليوم، فنلاحظ أن 90% من برامج الإذاعة والتلفزيون تُبث باللهجة المحلية، وهو أمرٌ يتناقض مع القانون السامي، وأعتقد أن اشتراطات قبول المُعد والمذيع، في الأجهزة الإعلامية تحتاج إلى إعادة نظر؟! ذلك أن لغة الدولة، هي العربية الفصحى أنطلاقاً من هوية الدولة، التي نصَّ عليها الدستور. ثم أتى هذا القانون ليؤكد ضرورة استخدام اللغة العربية، حسب المواد التي تنظم هذه القضية.
وعليه، فإن امتحانات قبول المذيع في الإذاعة والتلفزيون يجب أن تنطلق من هذا القانون، وأن نبتعد عن المجاملة أو المهادنة، لأن القائم بالاتصال (المذيع)، إن لم يُتقن لغته العربية، فإنه لن يُوصل الرسالة التي ترسلها الدولة بصورة صحيحة. وبطبيعة الحال، نحن نشهد حالياً مذيعين ومذيعات لم يتطوروا منذ 15 عاماً، ويُحبّذ البعضُ البرامجَ الحوارية ( Talk shows)، باللهجة المحلية، ولكن إن وصلَ خبرٌ من أية جهة حكومية، إلى البرنامج، ظهرَ الارتباكُ والتلعثمُ على المذيع أو المذيعة، ولا يفلح أيٌّ منهما في توصيل الخبر المكتوب باللغة العربية الفصحى.
القانون السامي يُشكِّل خارطةَ طريق لإصلاح المسار الذي قام عليه التعليم والإعلام في بلدنا. ونحن نقول هذا، من باب الاعتراف بالخطأ، لمحاولة تصحيحه، وليس لتسجيل موقف دفاعي ضد مقولة: « ‘إنكم قدامى الإعلاميين، تتمسكون باللغة العربية الجامدة، وهي لا تناسب العصر»؟؟ وهذا قولٌ مردود عليه، لأن اللغة العربية، لو كانت جامدة، لما نزل بها القرآن الكريم، ولما حُفظت فيها العلومُ والتفاسيرُ والشِّعرُ والموسيقى.
اللغة العربية حضارة، وحافظة للهُوية، ونحن نريد لأبنائنا وبناتنا أن يحافظوا على هذه الهُوية، لأنها هي المستقبل، ولا بأس من إتقان لغة أخرى إلى جانبها.
وأخيراُ أعتقدُ، بأن على الآباء والمُرَبين أن يلتفتوا إلى هذه القضية، وألاّ «يتفاخروا» بأن أبناءَهم يُتقنون اللغة الإنجليزية، في الوقت الذي لا يعرفون فيه شيئاً عن اللغة العربية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3777
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3399
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1206
| 05 مايو 2026