رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقوم وسائل الإعلام بدور محوري ومهم في تنوير الرأي العام، ونشر الأخبار وتحليلها والمساعدة على فهم ما يقع من أحداث، كما لها دور كبير أيضاً في التأثير على الرأي العام والاتجاهات الفكرية للجمهور المتلقي، وقد يكون هذا التأثير إيجابياً إذا تحلى بالصدق والأمانة والموضوعية، وقد يكون سلبياً إذا أسيء استخدامها وفشلت الرسالة الإعلامية من حيث المضمون، في أداء مهامها المتمثلة أصلاً في التوعية والتربية والتثقيف.
لقد أصبحت وسائل الإعلام مصدرا رئيسا للحصول على المعرفة والمعلومات المتعلقة بالأحداث المحلية والإقليمية والدولية. وتعد الأحداث المرتبطة بالعمليات الإرهابية، من المواضيع الأكثر حساسية من حيث التناول الإعلامي، فقد اتُهمت في كثير من الأحيان وسائل الإعلام - بقصد أو بغير قصد - بالتحريض والتضليل ونشر الأفكار المتطرفة باسم مساحات الحرية المتاحة، كما اتهم البعض الآخر – الإعلام العربي الرسمي على وجه الخصوص – بعدم القدرة على المواجهة.
ويجمع كثير من خبراء الإعلام اليوم على أن الجماعات المتطرفة تحتاج إلى الإعلام، وتعتبره سلاحاً استراتيجياً لا بد من جذب انتباهه. والإعلام قد يخدم أهداف هذه الجماعات بنشر أقوالهم وأفعالهم، وتضخيم قوتهم دون قصد، ليعطي بذلك لأعمالهم المتطرفة صدى إعلامياً واسعاً. وعلى هذا الأساس أصبح الإعلام بمختلف أنواعه – خاصة السمعي البصري – دعامة لأعمال الإرهابيين من خلال التطرق إلى أعمالهم بشكل مفرط ونوع من المزايدة، عبر الصور والتقارير التلفزية والإذاعية والتعليقات الصحفية المؤثرة، وهكذا تحولت القضايا المتعلقة بالتطرف والغلو إلى مادة إعلامية للمتاجرة قصد تحقيق أرباح مادية.
ومما لا شك فيه أن الدور الإعلامي في مجال معالجة التطرف والغلو يستمد أهميته من تنامي اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام في الظروف التي تتسم بعدم الاستقرار، وهي الأوضاع التي تترتب على وقوع الأحداث الإرهابية، حيث تسارع الجماهير لاستخدام وسائل الاتصال باعتبارها النظام الاتصالي الذي ينشأ حول الأحداث المثيرة في المجتمع، سعياً إلى التعرف على هذه الأحداث واستيعابها والأخذ بمقتضيات التفاعل الإيجابي مع تداعياتها.
ولا تقتصر أهمية عمل وسائل الإعلام في تغطية ومعالجة قضايا التطرف والغلو على إمداد الجمهور بالمعلومات حول الأحداث الإرهابية، بل يمتد دورها إلى معالجة هذه الأحداث بمهنية تسهم بدور فاعل في لفت النظر إلى الطبيعة الخطرة والمتجددة لهذه الأحداث، مما يتطلب من وسائل الإعلام بذل المزيد من الجهود المنهجية والفكرية القادرة على توجيه الممارسات المهنية لتكون قادرة على الإقناع بخطورة الأحداث الإرهابية، وبما يتعين على الجمهور اتخاذه للتعامل مع هذه الأحداث، والمساهمة في دعم الإحساس بالأمن النفسي لدى الجمهور المتلقي، والتعبئة لمواجهة كافة أشكال التطرف والغلو، بدل نشر التهويل والتخويف والبلبلة والرعب، وهو ما تسعى إليه الجهات القائمة بأعمال التطرف والغلو.
ومن واقع طبيعة قضايا التطرف والغلو في عدد من الدول وانعكاساتها السلبية على الجمهور المتلقي يصبح الأسلوب التكاملي في التصدي لها أمراً ضرورياً، فلا يقتصر التعامل معها على الأجهزة الأمنية أو على الإعلام الرسمي فقط، بل ينبغي أن تشارك وسائل الإعلام – بمختلف توجهاتها وأنماط ملكيتها- في هذه المسؤولية انطلاقاً مما تمليه الوظائف المهنية والاجتماعية لوسائل الإعلام من مسؤولية تجاه المجتمع. وبالرغم من أهمية البعد الأمني لمواجهة ظاهرة التطرف والغلو واحتواء آثارها، إلا أن هذه المواجهة تتطلب توسيع نطاق التعامل مع قضايا الإرهاب، بما يقتضي تفعيل الأدوار المختلفة للمؤسسات والأجهزة التي تستطيع أن تتعامل مع هذه القضايا بهدف التصدي لها وتكوين رأي عام رافض للإرهاب، بما يسهم في نشر الوعي وتكوين الاتجاهات الرافضة للسلوك الإرهابي.
إن الإشكالية المطروحة اليوم تكمن في الوظيفة التي يجب أن يقوم بها الإعلام إزاء الرأي العام، فهناك من يرى أن وسائل الإعلام من واجبها إخبار المواطن بكل ما يجري في محيطه، وهناك من يرى أن ذلك قد تكون له انعكاسات سلبية على نفسية الفرد أو على توجهاته الاجتماعية. ولهذا السبب اقترحت اللجنة الخاصة بموضوع الإرهاب الدولي التابعة للأمم المتحدة على الدول، أن تحصر تغطيتها الإخبارية للأعمال الإرهابية في حدود ضيقة، وذلك لحرمان الإرهابيين من تحقيق هدفهم، المتمثل في الحصول على أكبر دعاية دولية ممكنة لعملياتهم. كما دعت هذه اللجنة إلى ضرورة التنسيق بين وسائل الإعلام المختلفة من صحافة مكتوبة، ومرئية ومسموعة لإيجاد الكيفية المثلى والموحدة للتعامل الإعلامي مع هذه الظاهرة، باعتبارها آفة خطيرة يصعب التحكم فيها إعلامياً.
من جهة أخرى، وفي السياق نفسه، تصاعدت في الآونة الأخيرة ظاهرة التطرف الديني لأسباب عديدة منها الانتشار الواسع لاستعمال تكنولوجيا الإعلام الجديد التي أصبحت لدى الجماعات المتطرفة، أداة خطيرة للتحريض على الآخر، وتغليط الرأي العام، وإحداث الفتن في المجتمعات، وترويج خطاب الكراهية والتمييز العنصري، ونشرالأفكار المتطرفة باسم مساحات الحرية المتاحة ذات الصلة بحق التعبير وإبداء الرأي، مما يشكل خطرا كبيرا على قيم السلم والعيش المشترك والتكافل الاجتماعي.
إن الإقبال المفرط للشباب على استعمال شبكات التواصل الاجتماعي، ما فتئ يثير الانتباه إلى أنه يحمل في طياته كثيرا من المخاطر، منها انعدام الأمن والمس بالنظام العام، وانحرافات عديدة تتمثل إجمالا فيما يطلق عليه الجرائم الإلكترونية والوقوع بين مخالب المواقع الإلكترونية للتنظيمات الإرهابية الداعية إلى الجهاد والتطرف والعنف. ويشكل الشباب في العالم الافتراضي، شريحة في غاية الهشاشة، ويمكن أن يتواصلوا مع صنف من الراشدين الذين يسعون لربط علاقات صداقة معهم من خلال المنصات والمنتديات والشبكات الاجتماعية، أو عبر بوابات الألعاب على الخط، لا لشيء، أحياناً، سوى لمراوغتهم وخداعهم واستدراجهم بأساليب مختلفة.
لذلك أضحى استخدام الشباب لتكنولوجيا الإعلام الجديد يثير تساؤلات عديدة ومخاوف كثيرة، علاوة على أسئلة أخرى تتعلق بطبيعة العلائق التي تربط النشء بمحيطه الأسروي وبالمربين، واكتشاف الحلول الموائمة للتعامل مع إرادة التحرر والانعتاق المرتبطة بهذه المرحلة من الحياة. ولهذه الأسباب يؤكد خبراء التربية والأمن السيبراني على أن حماية المراهقين والشباب أصبحت تقتضي، بشكل متزايد، معرفة عميقة بالقوة الكامنة في هذه الأدوات المعلومياتية المترابطة والمتفاعلة فيما بينها لفهم أوجه استخدامها وطبيعة التواصل المسموح به بواسطتها، والإحاطة بالأشكال الممكنة للتسلل إليها واقتحامها من لدن مجرمي الإنترنت
لقد ازداد الوعي بأن حماية الشباب من مخاطر الإنترنت تتطلب الأخذ بعين الاعتبار، وبالضرورة، مسألة تربيتهم، وتوعية الآباء والأقربين والمربين، وتدريبهم على استخدام وسائط الإعلام. ومن هذه المخاطر تعرض الشباب لأصناف من الإثارة، مثل التحريض على الكراهية والعنصرية، وكراهية الأجانب ومعاداة الأديان والإساءة إليها والاستهزاء بمقدساتها واحتقار رموزها، والتلاعب بالأفكار وغسل الأدمغة كلها مخاطر موجودة على شبكة الإنترنت. وهو أمر يتطلب تكاثف الجهود بين جميع الجهات المعنية من خلال اعتماد مقاربات أمنية واستخباراتية وتربوية ونفسية ودينية وثقافية وإعلامية واقتصادية واجتماعية. لذلك فإن المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وجدت نفسها تواجه مشكلات كبيرة في حماية الشباب من مخاطر التطرف والاستقطاب من الجماعات الإرهابية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
باحث في علوم الاتصال والحوار الثقافي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3492
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026