رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد تتساءل وتقول: ماذا تريد من هذا العنوان أعلاه؟
أو ماذا تريد أن تقول عن الهند؟
تساؤلك هذا منطقي وطبيعي، مثلما هو التساؤل الذي أرغب في طرحه ها هنا.
نعم، ماذا عن الهند؟ أو أكثر تحديداً: لماذا لا يتم تركيز الأضواء الإسلامية، السياسية منها والإعلامية عليها، كما الحال مع الكيان الصهيوني الغاصب مثلاً، وخاصة أنها دولة محورية ذات علاقة تاريخية قديمة مع العالم الإسلامي، وجوار أو قدر جغرافي، لكن توجهاتها وسياساتها تجاه المسلمين خلال السنوات القليلات الماضيات، بدأت تتقاطع وتتشابه مع توجهات ومخططات الكيان الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يستوجب تسليط الأضواء على ما يجري بالهند، فالمسألة تكبر وتتضخم يوماً بعد يوم، ما لم يتم ضبطها.
غالب أحاديثنا عن مسلمي الهند تدور عادة حول مشكلة كشمير، وهي واحدة فقط من مشاكل المسلمين في هذه البلاد الواسعة، التي يتجاوز عدد المسلمين فيها مائتي مليون نسمة، وتعتبر أكبر أقلية مسلمة في العالم، تعاني ما تعاني منها الأقليات المسلمة في الصين وبورما وبعض الأقطار غير المسلمة الأخرى.
منذ وصول اليمين المتطرف وتغلغله في أجهزة الحكم والسيادة في الهند قبل سنوات ثمانٍ ماضيات، والمسلمون فيها يتنقلون من معاناة إلى أخرى، بدءاً بهدم مساجدهم التاريخية، ومروراً بمدارسهم وبيوتهم هنا وهناك تحت دعاوى ومزاعم عدم قانونيتها، وانتهاء بمزاعم يتم الترويج لها سياسياً وإعلامياً حول خطر المسلمين على مشروع إقامة الهند الكبرى أو بلاد الهندوستان، وضرورة تهجيرهم إلى الجوار المسلم، باكستان وبنغلاديش وغيرهما، بالإضافة إلى ما يقع عليهم من تضييق مستمر في معاشهم ومصادر أرزاقهم، إلى درجة غض الطرف عن التحريض المستمر ضدهم، المباشر منه وغير المباشر، من لدن كهنة هندوس متطرفين، تحت سمع وبصر الحكومة، وبشكل يكاد لا يتردد المرء المراقب في القول بأنها حملات ممنهجة.
علاقات الهند التاريخية
مع العالم الإسلامي قديمة
تتطور تلك العلاقات أو تتراجع بحسب أيديولوجية وسياسات الحزب الذي يحكم البلاد. فمنذ أن جاء إلى الحكم، حزب «بهاراتيا جناتا « بعد وعـود بالمساواة بين جميع الطوائف والأعراف، والمسلمون في معاناة وضيق وقلق وتوتر مستمر، حتى صار عند المراقب للشأن الهندي، يقين شبه تام بأن المتطرفين أو المتشددين الهندوس، هم المسيطرون على منهج الحزب الحاكم الحالي وسياساته، والتي بدأت مؤخراً تتجسد على أرض الواقع على هيئة تضييق متدرج متصاعد على الأقليات - المسلمة تحديداً - بالإضافة إلى الأقلية المسيحية أو غيرهما، والعمل بوضوح شبه تام نهاراً جهاراً لإقامة هندوستان، أو بلاد الهندوس، اعتماداً على مبدأ الأغلبية العددية، خلافاً للدستور الهندي المعتمد والمعدل في 1976 الذي يؤكد على علمانية الهند، والمتمثلة في الفصل التام بين الدين والدولة. حيث لا يوجد دين رسمي للدولة، ولا يمكن للمدارس المملوكة بالكامل للدولة مثلاً أن تفرض تعليماً دينياً محدداً، ولا يمكن استخدام أموال دافعي الضرائب لدعم أي دين. هكذا الوضع دستورياً. لكن ما جرى خلال السنوات القليلات الماضيات ولا يزال يجري، يفيد أن الأمر خلاف ذلك.
من يتابع أخبار المسلمين بالهند وما يتعرضون له من حملات تشويه وتضييق وترهيب، لا يكاد يخالجه أدنى شك في أنها ممنهجة ومدعومة بشكل وآخر، بل وتؤكد على نوايا الجناح المتطرف في الحزب الحاكم لفرض أجنداته ومشاريعه على أرض الواقع، تساعده قدرات مادية وإعلامية وسياسية بالغة التأثير على سياسات هذه الدولة المحورية في شبه القارة الهندية. هذا من ناحية الداخل الهندي، أو الدعم الداخلي.
أما من ناحية الدعم الخارجي، فإن من يتأمل الحاصل الآن ضد المسلمين بالهند، ويقارنها بالحاصل مثلاً ضد الفلسطينيين في دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين، يكاد يصل إلى نتيجة مؤكدة أن السياسات والمخططات في الدولتين تكاد تخرج من مشكاة واحدة، أو أن مصدر التفكير والتخطيط فيهما واحد، خاصة إذا علمنا متانة وعمق العلاقات بين الهند والكيان الصهيوني، والتي بكل تأكيد تتأثر بفكر ومنهج الحكومات المتعاقبة على الدولتين.
الهند بحكم علمانيتها أو دستورها، لابد أن تدرك بأن علاقاتها التاريخية مع المسلمين تبقى متينة بمتانة وقوة حفاظها على حياة ومصالح مواطنيها المسلمين، لا أن تسمح لأصحاب أجندات متطرفة بالتأثير على تلكم العلاقة. وما يجري الآن ضد المسلمين هناك، لا يفيد أبداً حرص حكومة الهند الحالية على علاقاتها بالمسلمين، حرصها على علاقاتها مع الكيان الصهيوني الغاصب على سبيل المثال.
**
ما يدعو للقلق أن محاولات التضييق والترهيب وبث الخوف والقلق بين المسلمين بالهند، لا تلقى ذلك الحزم من الحكومة وكأنما تباركها، أو هكذا يبدو المشهد للمراقبين. بل ما يزيد القلق أكثر، هو ذلك الدعم من منظمات أخطبوطية متطرفة، تتلاقى أجنداتها مع الجناح المتطرف في الحزب الحاكم، أبرزها منظمة المتطوعين الوطنيين المعروفة باسم RSS التي كان لها دور حاسم مؤثر في وصول رئيس الوزراء الحالي مودي إلى السلطة عام 2014.
تؤكد أدبيات وأجندات هذه المنظمة واستراتيجياتها البعيدة على تحويل المجتمع الهندي إلى أمة هندوسية خالصة، على حساب المسلمين والمسيحيين وبقية الأقليات الذين تستهدفهم المنظمة، صاحبة التأثير القوي على مسؤولين ورموز الحكم، والتي لا يُعرف مصادر تمويلها أو ما إذا كانت واجهة لنشاطات أخرى خفية، وإن كانت ظاهرياً تبدو أنها معتمدة على دعم خيري من الشتات الهندي في الولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى دول الخليج العربي، حيث للمنظمة شعبية كبيرة في هذه الدول، ومن غير المستبعد أن مئات الألوف من الهندوس العاملين بالولايات المتحدة ودول الخليج تحديداً، ربما هم أعضاء في المنظمة، وتساهم اشتراكاتهم وهباتهم في ترسيخ أقدامها وتعزيز نفوذها بالداخل الهندي ومصانع القرار، وربما إشارة إلى قُرب تجسيد أجنداتها على أرض الواقع.
**
أن يتأثر نحو مائتي مليون مسلم بسياسات حكومة متأثرة بفكر هندوسي متطرف، ليس بالأمر اليسير الذي يجعل منظمة إسلامية كبيرة كمنظمة التعاون الإسلامي لا تحرك ساكناً، وكأن حملات التضييق والترهيب المستمرة ضد المسلمين هناك لا تعنيها من قريب أو بعيد، أو تبدو كأنما لا ترغب التدخل بأي صورة كانت، حفاظاً على علاقات ومصالح بعض الدول الأعضاء مع الهند، وهذا خلاف لسياساتها، بل وأسباب قيامها.
منظمة التعاون الإسلامي، في ختام هذا الحديث، عليها أن تلعب دوراً بارزاً حاسماً، وخصوصاً من لدن بعض الدول المؤثرة فيها، لاسيما تركيا ودول الخليج، للعمل على دفع الأذى عن مسلمي الهند، وذلك عبر دفع الحكومة الهندية أولاً لضبط إيقاعات السياسة الداخلية المتجهة بقسوة وقوة تجاه الإضرار بمصالح وحياة المسلمين فيها، وعدم الخضوع لأجندات منظمات أخطبوطية مشبوهة مثل RSS والعمل ثانياً على ضبط تدفق العمالة الهندية نحو دول الخليج تحديداً، لاسيما الهندوسية منها، خشية أن تكون تلك العمالة مصادر تمويل رئيسية لتلك المنظمة، أو ربما خلايا نائمة يخشى من عواقب التساهل مع تحركاتها، المباشرة وغير المباشرة.
الأمة محاطة بما يكفي من أعداء خطرين، وإن جاءوا بثياب الناصحين أو الباحثين عن تجارة واستثمار، وهم في الأساس ذئاب أو أشرس منها. والمؤمن كيّسٌ فطن، وليس بالخِب أو المخادع، ولا الخبُ في الوقت ذاته، يخدعه ويتلاعب به وبمصالحه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2223
| 01 مارس 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2157
| 25 فبراير 2026