رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يأتي حُسن الجوار في المرتبة الثانية بعد الأسرة بوصفه أحد أهمّ المؤسسات الاجتماعية في مجتمعاتنا، ففي الثقافة التركية وكذلك في الثقافة العربية الإسلامية، شكّل حُسن الجوار ركيزة أساسية للحياة الاجتماعية عبر التاريخ. فالعلاقات الودية بين الجيران، شأنها شأن الروابط الأسرية، تُسهم في ترسيخ السلم الاجتماعي وتعزيز الاستقرار ودعم ازدهار المجتمع. وبفضل ما تستند إليه من أواصر الأخوّة وروح القربى، غدت هذه العلاقات إطارًا متينًا للتكافل والتضامن الاجتماعي. غير أنّ هذه القيمة اليوم تواجه تحديات متزايدة؛ إذ أدّت العولمة، والتوسع العمراني، والتحول الرقمي إلى إضعاف أنماط التفاعل التقليدية بين الجيران، مما جعل حُسن الجوار عرضةً للتراجع والانحسار.
تزخر اللغتان العربية والتركية بأمثالٍ شعبية تُبرز مكانة حُسن الجوار وأهميته. فالمثل التركي «الجار يحتاج حتى إلى رماد جاره» يقابله في العربية قولهم: «ما استغنى جارٌ عن جار»، في تأكيد واضح على حاجة الناس بعضهم إلى بعض. كما أن المثل العربي «الجار قبل الدار» يُقابله في التركية قولهم: «لا تشترِ بيتًا، بل اختر جارًا»، وهو تعبيرٌ يُقدّم قيمة الجار الصالح على قيمة المسكن ذاته. ولأن روح التضامن الجماعي تتقدّم على النزعة الفردية في المجتمعات الإسلامية، فإن حُسن الجوار يُجسّد هذا التصور الاجتماعي بوضوح. وقد ورد الأمر بالإحسان في القرآن الكريم، كما تكرّر التأكيد عليه في الأحاديث النبوية، مما يعكس مكانته الراسخة في المنظومة الأخلاقية الإسلامية.
تُسهم علاقات حُسن الجوار في تقليل شعور الأفراد بالوحدة وتعزيز الإحساس بالانتماء الاجتماعي. كما أن التواصل والتكافل بين الجيران يؤديان دورًا أساسيًا في الحفاظ على ثقافة الحيّ التقليدية واستمرارها. ففي الحيّ الذي يعرف فيه الجيران بعضهم بعضًا، يستطيع الأطفال اللعب بأمان، وتُلبّى احتياجات كبار السن، وتُصان أجواء الطمأنينة العامة، وكل ذلك بفضل علاقات الجوار الإيجابية. إضافةً إلى ذلك، تتيح الصداقات التي تنشأ بين الجيران نمطًا من العيش أشبه بالعائلة الواحدة، حيث يتبادل الناس الدعم في الأوقات الصعبة، مما يخفف أعباء الحياة ويعزز روح التضامن والتراحم بينهم.
لا يقتصر حُسن الجوار على السكن المتجاور في أمان فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل منظومة من القيم الإنسانية التي تُمارَس في الحياة اليومية، مثل الثقة المتبادلة، والاحترام، وروح المساعدة، والتعاطف، والتسامح. فإلقاء السلام بين الجيران، ومساندة بعضهم بعضًا في الأوقات الصعبة، والسؤال عن الأحوال في المناسبات الخاصة، والمسارعة إلى تقديم العون عند الحاجة، كلها تشكّل الأساس الحقيقي لحُسن الجوار. كما أن مشاركة الجار أفراحه في مناسبات كالأعراس أو قدوم مولود جديد، والوقوف إلى جانبه في المرض أو العزاء، وتقاسم مشاعر الحزن والدعم، تُعدّ من أبرز صور التضامن التي تُجسّد هذه القيمة في الواقع العملي.
في المجتمعات المسلمة، يُعدّ الجار الصالح من يَحترم خصوصية غيره، ويتجنب إحداث الضوضاء أو التسبب في أي إزعاج. وفي الماضي، كانت أطباق الطعام تُتبادَل بين الجيران، وكانت جلسات الشاي البسيطة تُعزّز الروابط وتُقوّي أواصر المودة. وكان الأطفال يختلطون في أزقة الحي، يلعبون معًا وتتشكل بينهم صداقات تستمر مدى الحياة. أمّا اليوم، فقد أصبح انشغال الأطفال بالهواتف والأجهزة اللوحية داخل المنازل يجعل إخراجهم إلى الخارج أمرًا صعبًا.
وفي الثقافة التركية مثلٌ شائع يقول: «يُطهى عند الجار ويصلنا نصيبٌ منه»، إذ كان الجار إذا أعدّ طعامًا شهيًا يرسل منه إلى جيرانه مشاركةً لهم، وكان الطرف الآخر يردّ الطبق وفيه شيءٌ من الطعام مجاملةً وتبادلاً للكرم. وفي شهر رمضان، كان من التقاليد الراسخة دعوة الأقارب والجيران إلى موائد الإفطار، كما كانت زيارات العيد تُسهم في إحياء القيم الاجتماعية وتعزيز صلة الرحم والجوار.
وكانت الحياة في الأحياء القديمة تتمحور حول المسجد المحلي، مما أتاح للناس فرصًا أكبر للقاء والتواصل. ولا تزال «ثقافة المجلس» المنتشرة في دول الخليج تمثل عنصرًا مهمًا في الحفاظ على تقاليد حُسن الجوار. وبينما تستمر علاقات الجوار قوية في القرى والبلدات الصغيرة، فإن حياة الشقق في المدن الكبرى أسهمت في إضعاف هذه الروابط. ففي أحياء إسطنبول قديمًا، كان الناس يجلبون الماء من النوافير المشتركة، وكانت النساء يلتقين في الأفران العامة لخبز الخبز والتواصل الاجتماعي، أما اليوم فقد اختفت معظم هذه المظاهر مع انتشار المتاجر الحديثة وتغيّر أنماط الاستهلاك.
وفي المدن الكبرى المعاصرة، انتشرت الأبراج السكنية متعددة الطوابق، وأصبح السكان يعيشون في مسافات متقاربة مكانيًا لكنهم متباعدون عاطفيًا. بل إن المصاعد السريعة والمتعددة تقلل فرص اللقاء بينهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى البحث عن سبلٍ لإحياء علاقات حُسن الجوار في المجتمعات الحديثة، من خلال إنشاء مساحات وأنشطة مشتركة داخل الأحياء والمباني السكنية. غير أن الخطوة الأهم تكمن في إحياء قيمة حُسن الجوار ذاتها، وتعليمها للأجيال الشابة، وترسيخها بالممارسة العملية والقدوة الحسنة.
الخليج بين صلابة الدفاع وحكمة القرار
ستظل دولة قطر عصية على أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها، ولن تنجرّ دول مجلس التعاون الخليجي إلى حربٍ... اقرأ المزيد
42
| 04 مارس 2026
فوضى الحرب لا تنتصر
في اليوم الخامس من المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وفي قلب الخليج العربي والفوضى التي تتصاعد يوما بعد... اقرأ المزيد
39
| 04 مارس 2026
صباح السبت استيقظت دول الخليج على مشهد لم يكن معتادا لأهلها، صواريخ تعبر السماء، وصافرات إنذار تعلن هجمات... اقرأ المزيد
54
| 04 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2655
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2145
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2013
| 01 مارس 2026