رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحمد لله على أن بلّغنا الشهر الكريم. ولكن لماذا لا أجد قلبي في رمضان، لماذا يحدث الفتور لأغلب الناس بعد أيام قليلة من استقبال الشهر الكريم. والإجابة على هذا السؤال بسيطة جدا، ذلك أننا نركز على العبادات الخاصة بالجوارح ولا نركز على العبادة الخاصة بالقلب. نكثر من قراءة القرآن والذكر والصلاة والعبادة، ولكن ماذا عن القلب ما الذي يجب علي فعله كي أنقذ قلبي قبل أن يقبل علي رمضان حتى لا أستقبله بقلب خاوٍ. بخطوات عملية أردت أن أشاركم اعزائي القراء لمساعدتكم على إنقاذ قلوبكم قبل رمضان من خلال تلخيصي لبعض الدروس.
لماذا لا أجد قلبي في رمضان، لأن القلب يكون بداخله صراعات كثيرة، فقلوب الخلق معظمها مليئة بالحرائق، فإنسان يفكر بالترقي لدرجة أعلى، وآخر مشغول بطلبات اسرته، وأخرى بمتابعة آخر صيحات الموضة، أو متابعة فضائيات منتنة. كلها موضوعات لا علاقة لها بالإيمان. تصور معي حالة هذا القلب، وهو في حالة من هذا الحريق الدنيوي إذا دخل عليه رمضان، فهل يستطيع أن يتهيأ للعبادة المطلوبة منه لرمضان؟. قلبه ليس به متسع ليدخل إليه رمضان، قلبه مشغول بسيارته الفارهة أو النظر إلى ما في يد غيره أو التخطيط لإجازته. هو يريد أن يهيئ نفسه لمتسع من الوقت لعبادة الجوارح وليس للقلب.
لكن الاستعداد الحقيقي لرمضان يكون بإعداد القلب وإزالة الشواغل الدنيوية لتفريغ مساحة تتسع للإيمان، مساحة تتسع لإقبالك على الله. المصيبة الحقيقية أن يقظة القلوب غير موجودة، مسائل الدنيا التهمت القلوب، فالقلب به ورم إسمه حب الذات، يرى أو ترى نفسها لا تقبل من أحد نصحاً أو كلمة لأنها لا تناسب وضعها ومكانتها الاجتماعية. وهناك ورم اسمه حب الدنيا،هذا الحب يشغل الحيز الذي جعله الله لينشغل بمعاني الإيمان. حب الدنيا كلمة ضخمة ككلمة الدنيا، وحب الدنيا ليس شرطاً أن يكون تمني قصور فارهة، ولكنه قد يكون ساعة أو نظارة أو شنطة لافتة. حب الدنيا قد يكون نوعية فراش كذا وكذا أو سيارة موديل كذا وكذا، حب الدنيا مسائل بسيطة ولكنها تظل تعلق بالقلب فيصبح القلب مثل القطنة البيضاء التي وضعت في الهواء، فتبقى تلتقط من الغبار والسواد والحشرات حتى تصبح في غاية السواد والبشاعة، فتؤدي إلى تورم القلب. هناك ورم آخر اسمه النظر للآخرين، (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون؟ )،وليس النظر للآخرين شرطاً أن يكون دافعاً للحسد، ولكنه مجرد الغيرة، لو أن عندي مثل فلان وفلان. فيظل القلب به هذه التورمات حتى تشغل حيزا كبيرا منه، فيصبح لا يوجد لديه أي متسع ليتلقى معاني الإيمان. رمضان يقترب والقلب غير مهيأ أصلاً. هذه المشكلة التي ربما من أجلها ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في المسلمين شهرين سابقين، حتى يجهز القلوب لرمضان ولعل هذا هو السر الذي من أجله سن الرسول الكريم هذا الدعاء في رجب ( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان). لكي ينشأ في داخلنا الانشغال القلبي برمضان. ولكن، لماذا أنشغل برمضان؟ لأننا في حالة سقوط عام، تتمثل في نوم عن صلوات، تقصير في حق الوالدين والابناء والرحم والجيران، تلفظ بما لا يليق، صحائف أعمال مليئة بالظلم طوال العام، فيأتي رمضان كطوق نجاة للغريق لمغفرة الذنوب، ومضاعفة الأجور. يمر بنا قطار رمضان ليسير بنا إلى جنة عرضها السموات والأرض.
شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. فكيف لا اتعلق بهذا الطوق لكي انجو؟
وحتى تنقذ قلبك في رمضان، فدونك الحل الفكري أو العقائدي والحل العملي.
أما الحل الفكري، أن تعلم أن هذا الحريق الذي في قلبك هو لأمور دنيوية، وكل هذه الأمور بيد الله تعالى يرسلها أحيانا ويقبضها أحيانا وليس بسعي وليس بجهد. وأنه تعالى أخبرنا بوضوح أن هذا امتحان، فإذا رأيت زميلي يصل لدرجات وظيفية أعلى، وأن منزل جاري أجمل من منزلي، فلا احسد. فالله أخبرنا والنبي أخبرنا والإسلام أخبرنا أن الله يختبر بذلك الخلق، وأنه من باب الامتحان لي أنا، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، فهو من باب الاختبار والابتلاء والامتحان، أتصبرون؟
فإذا رأيت ما في يد غيري، مما قد يحترق معه قلبي، أقول أن هذا أمر ينزله الله بقدر معلوم وينزله من باب الاختبار لي. لهذا كان سيدنا سليمان عليه السلام يقول: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر؟. فالإنسان عندما يرى عوارض الدنيا، لابد أن يرجع الأمر كله إلى الله.
والحل الفكري الذي يتمثل في العقائد أو الأفكار، ليس هو الحل وحده الذي ينقذ الإنسان،لان المعلومات التي لدينا كثيرة والمثقفون كثر، ولكن الذي ينقذ الإنسان هو أن يذوق وركز معي في هذا اللفظ يذوق، نحن نريد أن نتذوق هذه المعاني، فقضيتي هي قلبي. لأن قلبي لن يقوى على حمل العبادة ما لم يكن هناك تذوق لما لديك من معلومات. فيأتي الحل العملي، فإذا بدأت ترى بعينك من ابتلاهم الله في غرف العناية المركزة، وقد وضعت عليهم ما تتخيل من أجهزة، وهم لا يملكون من أمرهم شيئا. كان هولاء يتنافسون على الدنيا، كانوا يتنافسون على الدرجات الوظيفية على الأموال والتجارة وفرص الكسب والبورصة. انظروا إلى أهل البلاء لتحدث الموعظة ليحدث الحراك القلبي حتى يحدث التوسع قليلاً في القلب المتورم بحب الذات والموضة والدنيا.
اذهبوا لتروا واقعة الدفن، وانظروا كيف ترعى الحشرات في القبور، البنت تبكي أباها والابن يبكي أمه والزوجة تبكي زوجها. وبعد لحظات من الدفن، تبدأ الحشرات في مهاجمة هذا الجسد. انظروا إلى أحوال المقبورين، إنهم كانوا ملء السمع والبصر، إنهم كانوا سادة بين الناس، ولكن انظروا إلى المآلات.
حتى تأتي المشاعر للقلب، اقضِ يوما في المستشفيات ويوماً في المقابر ويوما مع أصحاب البلاء ويوماً مع أصحاب الهامات والوزراء الذين فقدوا مناصبهم. انظروا إلى هذه المآلات لتعلموا أن ما يشغل العبد هو شواغل كاذبة. الله تعالى أرسلها إليه في ومضة ليختبره، أو قبضها عنه أيضا ليختبره، فلو انشغل الإنسان بشيء ألقي إليه من الله عن الله لهلك.
الله تعالى يجعل هذه العوارض، والمطلوب منا النظر في المآلات. علينا النظر فيما يؤول إليه أمر الغني، وأمر المرأة الحسناء، وما يؤول إليه أمر المرء بالموت، لنرجع إلى البيوت في آخر النهار وقد اكتشفنا أن هذا الحريق والصراع الدائم الموجود في القلب هو حول أمور كاذبة، كل دورها أنها تلهي عن الإيمان،فلا يبقى في القلب متسع لقبول الإيمان الذي يرد على القلب.
كان النبي صلوات ربي عليه، يوصى واحداً بغسل الموتى، فإن معالجة جسد خاوٍ موعظة بليغة، جسد لم تعد فيه الروح صار جمادًا. فتخيل نفسي عندما اصل لهذا الوضع، يعين القلب على اليقظة.
انظروا إلى أحوال الفقراء المساكين المنكوبين قبل رمضان،حتى تجدوا متسعاً في قلوبكم قبل أن يدخل عليكم رمضان ليتسع الشعور منك بحاجتك إلى رمضان.
أمر آخر يساعدك على انقاذ قلبك قبل رمضان هو معايشة أنباء الآخرة تفصيلا، فلا بد أن تعرف هو العمل الذي أدى بفلان أن يدخل الجنة وبفلان آخر أن يدخل النار، لماذا زلت رجل فلان عن الصراط وفلان أوشك أن يلقى به في النار فجاء عمل فشفع له. كل هذه أمور تحدث القرآن والسنة بتفاصيلها. فالانشغال بتفاصيل الآخرة، نريد أن نعيش هذه التفاصيل، نريد أن نعلم من الذي ذهب ليشرب من يدي النبي عليه أفضل الصلاة والسلام فحالت الملائكة بينه وبين النبي، ومن الذي جاءت النار لتلفح وجهه فقدر الله عز وجل ما يحول بين وجهه وبين النار، ومن الذي ذهب إلى الجنة فاغلقت أبواب الجنة في وجهه ولم تفتح له، اقرؤوا التفاصيل لتجدوا في قلوبكم متسعا يتسع لموعظة رمضان.
ما يعينك كذلك على انقاذ قلبك قبل رمضان هو معايشة سير الأنبياء والصالحين، اقرؤوا الكتب واستمعوا للمواعظ حتى تصبروا على هذه الحياة وتفهموا حقيقتها، وحتى تتسع القلوب لرمضان.
اجمع اسرتك على ما تفعل حتى يذوقوا معك طعم الايمان ويكونوا لك عوناً فلابد لهم أن يذوقوا ما تذوقت حتى يتحولوا من أعداء لأعوان على زيادة الإيمان في قلبك.
وأخيرا تذكر لو أن رمضان هذا هو آخر رمضان لك، كم سيكون الخير فيك، كم ستجتهد، كم ستعتزل الناس وكل ما يشغلك عنه، فعش رمضان كأنه آخر رمضان لك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
falotoum@hotmail.com
@faalotoum
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5838
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5751
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1752
| 13 مايو 2026