رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أحمد خليفة العسيري

مساحة إعلانية

مقالات

177

أحمد خليفة العسيري

الرأي قبل شجاعة الشجعان

23 مارس 2026 , 06:20ص

تتجسد السياسة الخارجية لدول الخليج العربية في التزامها بضبط النفس لمواجهة العواصف الجيوسياسية التي تضرب المنطقة، في بيت شعر شهير لأبي الطيب المتنبي: «الرَّأْيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُّجعانِ.. هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني». 

وغير خاف المحاولات المستميتة والسعي الخبيث عبر كافة الوسائل لجر دول الخليج الى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. 

ومن هذا المنطلق، فإن تحمّل دول الخليج تبعات التوتر—ولو امتدّ لعدة أشهر—يبقى أقل كلفة بكثير من الانزلاق إلى مواجهةٍ مباشرةٍ مفتوحة.

فالحروب حين تندلع لا تُحسَب بنتائجها اللحظية، بل بتداعياتها الممتدة، وما تخلّفه من خسائر يصعب احتواؤها. ومن هنا، فإن التعقّل وضبط النفس، وتقديم الحكمة على الاندفاع، هو الخيار الأجدى والأبقى.

أما محاولات إجبار دول الخليج على الاصطفاف في حربهم ضد ايران فهذا لن يحدث، وتبقى المصلحة العليا في تجنّب التصعيد، وتغليب منطق الرأي على حماسة المواجهة.

 المشهد الراهن، بما يحمله من تصعيد ومحاولات لجر المنطقة إلى مواجهات مفتوحة، يضع صانع القرار أمام اختبار الحكمة. وهنا يتجلى الموقف الخليجي الثابت: إن تحمّل تبعات التوتر السياسي والاقتصادي، مهما امتدت وطأته لشهور، يظل ضريبة زهيدة ومحتملة إذا ما قورنت بالكلفة الكارثية للانزلاق نحو حرب مباشرة.

الحروب في العصر الحديث لم تعد تُقاس بانتصارات ميدانية لحظية، بل بتداعياتها الممتدة التي تعيد الدول عقوداً إلى الوراء. ففي الوقت الذي تنهمك فيه دول الخليج، في بناء نماذج تنموية عالمية وتحولات اقتصادية كبرى، يصبح «التعقل وضبط النفس» هو السلاح الأقوى لحماية هذه المكتسبات. إن تغليب منطق العقل على حماسة المواجهة ليس نكوصاً، بل هو شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة اتخاذ القرار الصعب بتجنب الفخاخ المنصوبة والمحاولات المستميتة غير الخافية على اصحاب القرار.

الجميع يرى المحاولات الحثيثة لجر دول الخليج الى حرب تخدم أجندتهم لكن المصلحة العليا للدول الخليجية تكمن في الحفاظ على مسافة آمنة من محاور التصعيد، والتمسك بدور الوسيط الحكيم ومركز الثقل الدبلوماسي. فالاصطفاف في صراعات صفرية لن يجلب للمنطقة إلا مزيداً من التشرذم.

بالحكمة سيخسرون  الرهان على اشعال المنطقة والشجاعة الحقيقية اليوم تتجسد في القدرة على قول «لا» للانجرار خلف هذه الاستفزازات، وفي الإصرار على مسار الحوار والتهدئة. فالخليج استغرق سنوات من الصبر والعمل حتى وصل الى مرحلة الازدهار والتنمية والمكتسبات التي ينعم بها المواطن الخليجي اليوم، بينما الهدم لا يستغرق سوى لحظة اندفاع واحدة يتمنى أعداء الأمة وقوعها.

ستبقى الحكمة القطرية والخليجية متمسكة بهذا النهج؛ الرَّأْيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُّجعانِ فالرأي هو الأصل، والشجاعة تابعة له ومؤتمرة بأمره. وغاية السياسة هي حفظ الإنسان أغلى ثروات البلاد وتعمير الأوطان، وهذا لا يتأتى إلا بتغليب لغة العقل، لتعود دول الخليج واحة للاستقرار في عالم يموج بالاضطراب.

مساحة إعلانية