رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الفوضى ...ائدة في مصر أعمت دلالاتها أبصارا عديدة، ولم يدركوا حقيقة التحدي.
الفوضى في مصر من الادعاء كذبا، إلى بلطجة السلطة والأحزاب التابعة لها، دلالة محاولة مستمرة للي عنق الوطن، وإجباره على غير إرادته. الفوضى في مصر تبدأ من ادعاء الإخوان أنهم تعبير عن الثورة، وادعاء الموالين لهم أنهم يدافعون عن الثورة.
الفوضى في مصر هي خلط متعمد بين مهام الفترة الانتقالية للثورة، وبين نوايا الاستحواذ على الوطن. والفوضى بداياتها استخدام ادعاء الإسلام وامتلاك مشروع يحمل اسمه، بينما الحقيقة أن استخدام الإسلام كان السبيل الأمثل لإتمام التجنيد، ثم هو السبيل الأمثل لميلاد فيالق متعددة تنفذ إرادات خارجية لا علاقة لها بوطن وأرض وشعب وهموم تتراكم وأخطار تحيط بكل هذا، وهي لا تحمل رؤية للمستقبل يمكن النقاش من حولها، ولكن الادعاء وتحول "الشخشيخة" إلى "أجراس" تصم الآذان، جمعت من حولها من البشر أسماء وقوى عديدة وقعت ضحية خداع عدم التمييز بين مهام المراحل التالية للثورة وبين مهام الاستحواذ. اتسام المرحلة الحالية بالفوضى واختلاط الأنساب، وإطلاق يد جريمة اغتصاب مصر علانية على شاشات الفضائيات، هي دلالة أيضا على أن هناك نوعا من التمرد يواجه جريمة الاغتصاب، وأن كل الأطراف فاقدة للعلاقة مع المجتمع، وأن الراقصين على الإيقاع لا يعلمون إن كانت رقصة النجاة أم رقصة الموت. كشفت السلطة حقيقة الإخوان، وكشفت الثورة حقيقة الإرهاب المعنوي والمادي الذي يتدثر في عباءة الدين، وكشفت المواقف المتوالية أنهم جميعا لا يدركون معنى المسؤولية تجاه وطن وشعب، بل إن غاياتهم تتوقف عند الاستيلاء على السلطة، وأن قدراتهم أدنى من أن يتولوا أمر مصر، وأن حوارهم مع الآخر لا يتورع أن ينضوي تحت معنى البلطجة.
وإذا كان العامان الماضيان قد رفعا الحجاب عن حقيقة ما يسمى بالتيار الإسلامي، وكشفا حقيقة أن منبع العنف من الإخوان، وأن ادعاء الغرب بأن الجماعات الإسلامية إرهابية صار واقعا نحياه في مصر الآن، فإن الفترة الماضية كشفت أيضا حقيقة التصحر السياسي في مصر، حتى إن ما يطلق عليه مجازا المعارضة هي وهم آخر لا يملك إبداعا ولا مشروعا، وكوادره لا تختلف عن كوادر التيارات الإسلامية في عمق الخواء، فكلاهما أبناء فترة التصحر السياسي مهما اختلفت اللغة أو العناوين، واتسمت حركتهم بالبعد عن الشعب، أي جميعهم أبناء ثقافة التعايش البليد الذي أبدعه النظام السابق، وأن الاختلاف الوحيد بينهما أن التيارات الإسلامية تمكنت من بناء تنظيمات وامتلكت المال، وسمح الغرب لها بالتمدد العالمي لحاجة في رأس الغرب وأمريكا، وعندما حان وقت استخدامها امتلكت فرصة التدرب على السلاح وممارسة القتل.
ما العمل ؟ سؤال يدور بين المصريين، وتختلط الإجابات بين التمني تحت عناوين باهتة باسم الديمقراطية والقبول بالآخر وعدم القبول بنفي أحد، وبين النزوع إلى أساليب جديدة على المصريين، تتخذ من العنف المضاد طريقا لمواجهة الإرهاب، ولا يتجاوز الحديث أنه كلام لأن العنف ليس اختيارا ولكنه سلوك يجب أن يركن إلى عقيدة، وإذا غابت العقيدة المبررة للعنف خارج الدين، فيصبح الحديث عن العنف مجرد لغو، وليس مبادأة، ولا هو قدرة على حسم الصراع الدائر الآن.
قد تفرض الضرورات التي تتولد من حالة الإرهاب حالة من العنف، ولكن هذه الضرورة لا تتجاوز في أهدافها غير الدفاع عن النفس، فتظل حبيسة رد الفعل، ولا تملك رؤية أو إستراتيجية في مواجهة إرهاب تحت راية الدين، ويملك سلطة الدولة ويسعى بلا رادع لامتلاك مفاصلها.
سقطت شرعية السلطة القائمة بعد الثورة لأنها اتخذت من الكذب والادعاء والقتل والتعذيب والاعتقال أساليب، وامتلكت الميليشيات تحت مبدأ السمع والطاعة، ونجحت في السيطرة على قمة وزارة الداخلية وتستخدمها. سقوط الشرعية استوعبه من يطلق عليهم حزب الكنبة، ومازال من يطلقون على أنفسهم جبهة الإنقاذ يطالبون بتحسين شروط الانتخابات النيابية؟ وكما قبلوا من قبل الاندراج في انتخابات رئاسية دون وجود دستور حاكم، يقبلون اليوم بانتخابات نيابية تحت دعوى أنهم ديمقراطيون، وكأنهم لم تصلهم صور الإرهاب الجارية فوق أرض الوطن، ولم يستوعبوا بعد حقيقة الأساليب والأدوات التي تستخدمها السلطة، ومازالوا يحملون مطالب لتتحقق برضا الحاكم، حتى وصفهم المصريون أنهم "جبهة إنقاذ مرسي"! الديمقراطية ليست مجرد صندوق وشروط، ولكن الديمقراطية تراكم وتعدد لمراكز القوة في الوطن يعبر عن قواه الاجتماعية، وقدرة ووعي على التمييز بين الادعاء والخداع وبين الاحتياج.
في وطن ينتهك فيه حق الإنسان في لقمة العيش ويهرول الإنسان فيه ساعات يومه لتحقيق ما يسد رمقه، ويحكم بالإرهاب ويستمد الإرهاب شرعيته من سلطة تدعي انتماءها للثورة وأنها الحامي لها، يصبح الحديث عن ديمقراطية الصندوق مجرد خداع، ومحاولة من السياسيين لتجاوز عجزهم.
المعركة التي يدور رحاها حول القضاء المصري هي واحدة من معارك الاستحواذ، وهي ذاتها معركة جارية في صمت حول الأزهر والمخابرات العامة المصرية والإعلام والجيش، وإذا كان الجيش قد نجح في عبور بعض المحاولات، إلا أن الحرب لم تتوقف، ومازالت الأمور مختلطة على وعي البعض، ويخلطون بين الجيش الوطني وبين مرحلة المجلس العسكري.
تدمير الأنفاق بين قطاع غزة وبين سيناء، دلالة فساد السلطة القائمة، فمحاولة السلطة الجمع بين النقيضين، إسرائيل وحماس، والتزامها أنها ضامن لوقف الصواريخ، جعلها ضعيفة أمام الطرفين، وفرض على الجيش اتخاذ الموقف فيما يبدو منفردا، وتردد السلطة في شأن ضباط وجنود اختطفوا وتأكد وجودهم في القطاع، وعزوفها عن إعلان نتائج التحقيقات في هجوم رفح واستشهاد 16 ضابطا وجنديا مصريا، ثم تردد القرار السياسي بشأن الجماعات المسلحة في سيناء وغيرها، كل ذلك أسقط عنها استيعابها لمظاهر اختراق الأمن القومي المصري، بالإضافة لما يتردد عن إحالة عناصر من المخابرات العامة إلى وظائف مدنية وتسرب ذلك إلى الإعلام ونشره بأنه تنفيذ لمخطط لإزاحة كوادر في هذه الهيئة الوطنية التي لا تتحمل مصر أي خطأ في أمرها أو المساس بهذا الجهاز. إن المواجهة الجارية هي بين مصر، بكل قواها وبين مكتب للإرشاد يحكم وله مندوب بمقر الرئاسة المصرية، حتى أن مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان تحدث عن إخراج 3000 قاض لتطهير القضاء، ويجري حزب الوسط (الإخوان سابقا) إلى تقديم مشروع لتحديد سن القضاة، وهو ما يعني إحالة نفس العدد إلى التقاعد، والبديل هم محامي الجماعة يعينون كقضاة.
الفوضى السائدة في مصر بين السلطة والوطن، لن تستقر بغير صدام مباشر، فالإغارات بالعنف المتبادلة الآن بين الإخوان وغيرهم، لن تضع أسسا لإزالة الفوضى، بل هي تؤدي إلى تصاعدها كما ونوعا. الموقف الاقتصادي الذي يدفع بوحش الغلاء لينهش جسد الشعب، وبديلا عن توفير "العيش" ووضع تصور يحترم حاجات المواطن ويوفر له أمنه الاقتصادي، يجري استنزاف الشعب بفرض ضرائب جديدة، ورفع للأسعار حتى صار البكاء على أيام ما قبل يناير 2011 هو حديث سائد في المجتمع. مواجهة الفوضى لن تأتي من صانعيها وإن المتسببين فيها من كافة الأطراف، ولكن مواجهة الفوضى ستأتي من خارجهم. إن الموقف يحتاج لمراجعة مع النفس، تحدد بالفعل مصادر الخطر داخل بنية المجتمع والسلطة بعد يناير 2011، وإدراك أن الثورة ليست سعيا للثأر أو الاستحواذ، ولكن الثورة وهي علم تغيير المجتمع تتناقض مع ما أنتجه الواقع السياسي في مصر. فالإخوان غرباء على الثورة، وكل التنظيمات الدينية كانت ضد الانقلاب على الحاكم، وهنا يجب بحث ترتيب القوى بالمجتمع، وإدراك أن مواجهة غزوة الإرهاب الديني المفلس سياسيا والذي لا يملك مشروعا وطنيا، هي استكمال لمواجهة نظام الفساد السابق. إن استمرار الفوضى تستدعي موقفا موحدا من القوى الاجتماعية ومن أعمدة الدولة وركائزها التي يجري تفكيكها. إن سبيكة الوطنية المصرية مطالبة بإدراك حجم الخطر ومصدره بوضوح، وإن الثورة وهي تهدم نظاما سبق لا تسعى إلى اغتيال الدولة، وإننا لا نملك ترف الاختلاف بين قوى مواجهة الإرهاب. الموقف يتزايد وضوحه بتنامي حالة الفوضى، ولكل موقف رجاله، والوعي والمواجهة ليست عبئا يبعث على القنوط، ولكنه عبء يستدعي موجبات قبول التحدي. إن مكونات الدولة وأعمدتها في القضاء والإعلام والأزهر والجامعات والمؤسسات المدنية، والمكونات الاجتماعية من عمال وفلاحين ومهنيين، والقوة الصلبة للدولة في الجيش والأجهزة السيادية، جميعها مطالبة بحرمان سلطة الإرهاب من جهاز الشرطة، ثم تكوين سبيكة من رجال يستطيعون التعبير وبحق عن نداء "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وليس من سبيل إلى ذلك بغير تحمل الآثار المؤقتة للفوضى الدائرة في مصر، والإصرار على العصيان المدني لسلطة الإرهاب. إن خداع النفس تحت شعار ديمقراطية الصناديق وعدم الوعي بغياب أهداف الثورة عن المتعاركين حول الصناديق، سيزيد من حدة المواجهة، وليس هناك من سبيل غير منع استخدام الصناديق، والحيلولة دون الانتهازية تحت اسم الديمقراطية. المواقف تنتج الرجال، ومصر أنتجت رجالها لمواجهة المواقف مهما زادت مرارات المواجهة، وليعي الجميع الحكمة القائلة "أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
18009
| 03 نوفمبر 2026
تسعى الدول، بلا استثناء تقريبًا، إلى حجز موقع أفضل على خريطة التجارة الدولية، وبناء مزايا تنافسية تمكنها من زيادة صادراتها والحصول على نصيب أكبر من الأسواق العالمية. ومع التحولات السريعة في هيكل التجارة الدولية، يلاحظ النمو المتزايد للخدمات الرقمية، مثل البرمجيات والحوسبة السحابية والخدمات المالية والاستشارية والبحث والتطوير. ففي عام 2025 تجاوزت قيمة الصادرات العالمية من هذه الخدمات 5.4 تريليون دولار، وأصبحت تمثل نحو 56 % من إجمالي صادرات الخدمات عالميًا. الدخول إلى هذا السوق لا يحتاج إلى موانئ ضخمة أو قاعدة سكانية كبيرة بقدر حاجته إلى بنية رقمية متقدمة، وكفاءات بشرية، وبيئة تنظيمية موثوقة، وقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. و عند النظر إلى قطر نجد أنها تبدأ من موقع متقدم بالفعل في هذا المجال، فقد سجلت في عام 2026 نحو 98.4 نقطة من أصل 100 في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، محققة سادس أعلى نتيجة بين 159 اقتصادًا. تجربة سنغافورة تستحق التأمل، فرغم ضيق مساحتها ومحدودية سوقها المحلية، أصبح الاقتصاد الرقمي يمثل نحو 18.6 % من ناتجها المحلي الإجمالي في 2024، بعدما كان 14.9 % قبل خمس سنوات. ولم تتحقق هذه النتيجة من خلال شركات التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال انتشار التكنولوجيا داخل التمويل والتجارة والصناعة والخدمات، إلى جانب بناء شركات قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. محدودية السوق الداخلية لا تمنع الدولة من بناء قطاع رقمي كبير إذا نجحت في تحويل العالم نفسه إلى سوق لمنتجاتها وخدماتها. وفي قطر تتوافر بالفعل عناصر تجعل هذا الطموح واقعيًا. البنية الرقمية ورأس المال، والأهم توفر الطاقة. وهذه النقطة تستحق اهتمامًا خاصًا؛ فاقتصاد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، وإلى استثمارات طويلة الأجل. وهنا يمكن لقطاع الطاقة القطري أن يؤدي دورًا يتجاوز الحصول على عائدات تصدير الغاز، عبر دعم صناعات رقمية جديدة تعتمد على الطاقة كأحد أهم مدخلاتها. وقد بدأت ملامح هذا الاتجاه تظهر بالفعل، فقد وقعت شركة «ميزة» في سبتمبر 2026 عقدًا تتجاوز قيمته مليار ريال، هذه في حقيقتها صفقة تصدير، حتى وإن لم تغادر قطر شحنة مادية واحدة. الخدمة تُنتج في قطر، والعميل العالمي يحصل عليها ويدفع مقابلها. ومع تكرار هذا النوع من العقود، يمكن أن تتوسع قائمة الصادرات القطرية لتشمل القدرة الحاسوبية والخدمات السحابية إلى جانب الصادرات التقليدية. هناك المزيد من الأمثلة على نجاح ذلك النوع من التوجه الاقتصادي، فقد أُطلقت شركة Qai، كما دخلت في شراكة مع Brookfield تستهدف استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وأسواق دولية مختارة. وفي الوقت نفسه توسعت الحوافز الموجهة لقطاع التكنولوجيا ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني. هذه الخطوات تعطي فرصة حقيقية لانتقال قطر من منتج للطاقة ومستخدم للتكنولوجيا، إلى إنتاج خدمات رقمية يمكن بيعها عالميًا. ولا أعتقد أن الاقتصاد الرقمي ينبغي أن يكون بديلًا لصادرات الغاز. فالغاز مصدر قوة كبير للاقتصاد القطري، وليس عبئًا يجب التخلص منه. الفكرة الأكثر جدوى هي استخدام جزء من القوة التي وفرها هذا القطاع في بناء مصادر دخل إضافية. وتنسجم هذه الفرص مع الأجندة الرقمية 2030، التي تستهدف إضافة نحو 40 مليار ريال إلى الناتج غير الهيدروكربوني، وتوفير نحو 26 ألف فرصة عمل. إن الأهمية الاقتصادية لهذا التوجه لا تقتصر على تنمية القطاع الرقمي داخل قطر، بل تمتد إلى قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية. وهنا سيكون التحدي الحقيقي هو تحويل الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا إلى خدمات رقمية قابلة للتصدير، بما يفتح أمام الاقتصاد القطري أسواقًا جديدة ومصادر إضافية للدخل. السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ما زال في بداياته، قطر أثبتت خلال العقود الماضية أنها قادرة على بناء مكانة عالمية في سوق الطاقة. والفرصة المتاحة اليوم هي أن تستخدم ما راكمته من رأس مال وطاقة وبنية أساسية في بناء مصدر قوة آخر، بحيث تصبح الخدمات الرقمية والقدرات الحاسوبية جزءًا مما يعرف العالم قطر به ويشتريه منها.
5538
| 06 نوفمبر 2026
ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو بدت مربحة. فقد يجد رائد الأعمال أمامه عقداً كبيراً، أو سوقاً جديداً، أو فرصة للتوسع السريع، وتكون المؤشرات مشجعة، ومع ذلك يصبح قبولها قراراً خاطئاً. فالفرصة الجيدة لا تعني بالضرورة قراراً جيداً؛ إذ قد يكون توقيتها غير مناسب، أو تتطلب التزامات تفوق العائد الذي تبرره، أو تستند إلى افتراضات لم تُختبر بعد. وهنا تكمن إحدى مفارقات ريادة الأعمال: فالجرأة التي تفتح أبواب النجاح قد تقود إلى الفشل إذا تحولت إلى اندفاع لا تحكمه الحسابات. وليس المطلوب أن يخشى رائد الأعمال المخاطرة، فدونها يصعب الابتكار والنمو، وإنما أن يميز بين قرار ينطوي على قدر مقبول من عدم اليقين وآخر يراهن فيه على أن تسير الأمور جميعها كما يتمنى. لقد اعتدنا الاحتفاء برواد الأعمال الذين يتوسعون بسرعة ويدخلون أسواقاً جديدة، لكننا نادراً ما نسأل عن جودة القرارات التي صنعت هذا النمو. فليس كل توسع نجاحاً، وليس كل تراجع فشلاً؛ وقد يكون تأجيل الاستثمار أحياناً أكثر حكمة من التعجل في تنفيذه. فالفرق بين المخاطرة المحسوبة والتهور ليس في الجرأة على اتخاذ القرار، بل في الانضباط الذي يسبقه. وقد طورت الباحثة سارا ساراسفاثي، من جامعة فرجينيا، ضمن أبحاثها في ريادة الأعمال، مبدأ «الخسارة الممكن تحملها» (Affordable Loss). ويقوم على أن رائد الأعمال لا ينبغي أن يعتمد فقط على تقدير الأرباح المتوقعة، بل عليه أن يحدد مسبقاً مقدار الموارد التي يستطيع خسارتها إذا لم تنجح التجربة. وهذا لا يلغي أهمية دراسة الجدوى، وإنما يضيف إليها سؤالاً حاسماً: ما الثمن الذي نقبل دفعه مقابل تجربة قد لا تنجح؟ عندما تصبح الفرصة أكبر من المشروع. لنفترض أن شركة قطرية تعمل في خدمات الصيانة، وتحقق إيرادات سنوية تبلغ أربعة ملايين ريال، عُرض عليها عقد بقيمة 12 مليون ريال. تبدو الفرصة استثنائية، لكنها تتطلب توظيف عمالة إضافية، وشراء معدات، وتقديم ضمانات مصرفية، مع احتمال تأخر تحصيل المستحقات. ورغم جاذبية الأرباح المتوقعة، تكشف الدراسة عن أن شروط العقد تنقل إلى الشركة أعباء مالية وتشغيلية كبيرة، وقد تؤثر في جودة خدماتها لعملائها الحاليين. هنا يتخذ صاحب المشروع قراراً قد يبدو غير متوقع: يرفض التوقيع بالشروط الأصلية، ويقترح تقسيم التنفيذ إلى مراحل وتخفيف الالتزامات المسبقة، حتى لو أدى ذلك إلى انخفاض هامش الربح. وإذا لم يقبل العميل، فإنه ينسحب. هذه حالة افتراضية من بيئة الأعمال القطرية، لكنها توضح درساً مهماً: ليست قيمة العقد هي التي تحدد جودته، بل العائد الذي يحققه مقارنة بالمخاطر والالتزامات المصاحبة له. لا تنخدع بالأرباح المتوقعة قد تبدو الأرقام مشجعة في دراسة الجدوى، لكن التوقعات ليست حقائق مؤكدة. فالأسعار قد تتغير، وتكاليف التشغيل قد ترتفع، والعملاء قد يتأخرون في السداد، والمنافسة قد تكون أشد مما تشير إليه الدراسات الأولية. ولهذا لا يكفي إعداد سيناريو متفائل، بل ينبغي اختبار القرار في ظروف أقل ملاءمة. فماذا يحدث إذا انخفضت المبيعات عن المتوقع؟ أو تأخر تنفيذ المشروع؟ أو ارتفعت تكاليفه بنسبة مؤثرة؟ وتكمن أهمية هذا الاختبار في كشف نقاط الضعف قبل الالتزام، وتحديد ما إذا كان الأفضل تعديل حجم الاستثمار، أو تغيير توقيته، أو إعادة التفاوض على شروطه. فدراسة الجدوى الجيدة لا تكتفي بتوضيح أسباب النجاح المحتمل، بل تكشف أيضاً الظروف التي قد تجعل القرار غير مجدٍ. اختبر الفكرة قبل أن تدفع ثمنها كاملاً من المبادئ المهمة في الإدارة الريادية تحويل الافتراضات إلى اختبارات محدودة قابلة للقياس. فمن يريد إطلاق منتج جديد ليس مضطراً إلى استئجار مصنع أو تكوين مخزون كبير قبل التأكد من وجود طلب حقيقي. يمكنه البدء بنموذج أولي، أو إنتاج كمية محدودة، أو الحصول على طلبات شراء مؤكدة قبل التوسع. والاختبار الجيد لا يهدف إلى تأكيد قناعة صاحب المشروع، بل إلى اكتشاف ما قد يكون خاطئاً فيها بأقل تكلفة ممكنة. فقد تكشف تجربة صغيرة عن ضعف الطلب قبل أن يتحول إلى خسارة كبيرة. المنافسة… ما قد تغفله التوقعات المتفائلة قد ينجح رائد الأعمال في تقدير تكاليف مشروعه، ويتأكد من وجود طلب على منتجه، ثم يفاجأ بأن السوق لا يمنحه الحصة التي توقعها. فوجود الطلب لا يعني بالضرورة أن العملاء سيختارونه، خصوصاً عندما يواجه منافسين يتمتعون بعلاقات راسخة مع العملاء، أو تكاليف أقل، أو قدرة أكبر على خفض الأسعار. وهنا يقع بعض رواد الأعمال في خطأ شائع، حين يبنون توقعاتهم على حجم السوق، دون أن يدرسوا نصيبهم الواقعي منه. فقد يكون السوق كبيراً وينمو بسرعة، لكن ذلك لا يضمن نجاح كل من يدخله. ولهذا لا يكفي أن يسأل رائد الأعمال: هل يوجد طلب على المنتج؟ بل ينبغي أن يسأل أيضاً: لماذا سيشتري العميل مني بدلاً من المنافس؟ وهل أستطيع المحافظة على هذه الميزة إذا خفض المنافسون أسعارهم أو قدموا خدمة أفضل؟ وتزداد المخاطرة عندما يعتمد المشروع على السعر المنخفض وحده لجذب العملاء، دون امتلاك ميزة في الجودة أو الكفاءة أو الخدمة. فقد ينجح هذا الأسلوب مؤقتاً، لكنه قد يتحول إلى منافسة سعرية تستنزف الأرباح. فالفرصة الاستثمارية لا تُقاس بحجم الطلب وحده، بل بقدرة المشروع على الحصول على حصة مربحة منه والمحافظة عليها في مواجهة المنافسين. أربعة معايير تفصل المخاطرة المحسوبة عن التهور يمكن التمييز بين المخاطرة المحسوبة والمغامرة غير المدروسة من خلال أربعة معايير مترابطة. أولها حد الخسارة، أي تحديد حجم الخسارة المحتملة في ظروف سلبية معقولة، ومقارنتها بالموارد التي يمكن تخصيصها للمشروع دون الإضرار بالأنشطة القائمة. وثانيها القدرة على الاستمرار، ويقصد بها توافر الموارد المالية والتشغيلية اللازمة للوفاء بالالتزامات إذا تأخرت النتائج أو تغيرت ظروف السوق. أما المعيار الثالث فهو التحقق من الطلب والميزة التنافسية، فلا يكفي وجود سوق للمنتج أو الخدمة، بل ينبغي التأكد من وجود عملاء مستعدين للشراء، وسبب واضح يجعلهم يفضلون المشروع على منافسيه. ويأتي المعيار الرابع، وهو إمكانية التراجع، ليحدد مدى سهولة تعديل الاستثمار أو تقليصه أو إيقافه إذا لم تتحقق النتائج، والتكاليف المترتبة على ذلك. وتكمن قيمة هذه المعايير في أنها تنقل النقاش من الحماس للفكرة إلى تقييم شروط تنفيذها، وتساعد على الاختيار بين المضي في الاستثمار أو تنفيذه تدريجياً أو إعادة تصميمه. متى يتحول الإصرار إلى خطأ إداري؟ من أصعب القرارات التي يواجهها رائد الأعمال الاعتراف بأن مشروعاً لم يحقق النتائج المتوقعة. فبعد استثمار الوقت والمال والجهد، قد يشعر أن التوقف يعني ضياع كل ما أنفقه. وهنا يظهر ما يعرف في الاقتصاد السلوكي بمغالطة التكاليف الغارقة، عندما تؤثر الأموال التي أُنفقت ولا يمكن استردادها في قرار الاستمرار، رغم أنها لا ينبغي أن تحدد جدوى الإنفاق المستقبلي. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم أنفقنا حتى الآن؟ بل: هل ما سننفقه من اليوم فصاعداً يبرره العائد المحتمل والمخاطر المتبقية؟ وقد يكون الاستمرار في بعض المشروعات قراراً سليماً إذا ظهرت مؤشرات جديدة تدعم نجاحها، بينما يصبح التوقف في مشروعات أخرى ضرورة اقتصادية. فالقرار الرشيد لا يستند إلى الرغبة في إثبات صحة الاختيار السابق، وإنما إلى مقارنة البدائل المتاحة في الوقت الحاضر. كما أن الاقتراض ليس تهوراً في ذاته، والتوسع السريع ليس خطأً دائماً؛ فكلاهما قد يكون مناسباً إذا استند إلى مبررات اقتصادية واضحة وإدارة فعالة للمخاطر. من ثقافة المغامرة إلى ثقافة القرار تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى رواد أعمال مستعدين لتجربة أفكار جديدة، ودخول أسواق غير مألوفة، وتطوير منتجات وخدمات تخلق قيمة اقتصادية حقيقية. لكن تشجيع ريادة الأعمال لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمغامرة دون تمييز. فالمجتمع الذي يحتفي بسرعة النمو وحدها قد يغفل أهمية المشروعات التي تتطور بتدرج، وتتعلم من تجاربها، وتبني ميزتها التنافسية على أسس متينة. كما أن نجاح قرار محفوف بمخاطر غير مدروسة لا يجعله قراراً سليماً بالضرورة، تماماً كما أن خسارة مشروع مدروس لا تعني أن صاحبه كان متهوراً. فالنتائج تتأثر بعوامل لا يمكن السيطرة عليها بالكامل، أما جودة القرار فتُقاس بالمعلومات والبدائل والتقديرات المتاحة وقت اتخاذه. ولهذا فإن بناء بيئة ريادية ناضجة يتطلب تغيير السؤال الذي نطرحه على أصحاب المشروعات. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن حجم الاستثمارات وعدد الفروع ومعدلات النمو، ينبغي أن نسأل عن جودة القرارات التي أنتجت هذا النمو. فليست كل خسارة فشلاً، لكن الخسارة التي تحرم رائد الأعمال من فرصة المحاولة مجدداً تكشف خللاً في إدارة المخاطرة. والنجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه المشروع في فرصته الأولى وحدها، بل بقدرته على التعلم والتطور واغتنام الفرص التالية.
1257
| 03 نوفمبر 2026