رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سارة صالح الحمود

مساحة إعلانية

مقالات

603

سارة صالح الحمود

شركة استشارية وطنية.. حاجة وضرورة

23 مايو 2025 , 02:00ص

حدثتني صديقة تعمل في إحدى الجهات الحكومية عن ازدياد أعداد موظفي الشركات الاستشارية الأجنبية في جهتها، فسألتها: “كيف تميزينهم؟ ربما يكونون من موظفي الجهة من غير القطريين؟” فأجابت بثقة أن لديها من الخبرة ما يكفي لتمييزهم، ثم أضافت بسخرية: “ولو خانتني الخبرة في معرفتهم، يكفيني أن أراهم يسحبون حقائب السفر الصغيرة معهم! فلم يعودوا يكتفون بحقائب العمل، بل انتقلوا إلى حقائب السفر لتتسع لأعمالهم العظيمة الجبّارة، أو هكذا يريدون أن يوحوا لنا من خلال تلك الحقائب، فموظفو تلك الشركات بارعون في تسويق أنفسهم”.

ليست هذه الظاهرة محصورة في جهة واحدة، بل تتكرر في العديد من الجهات الحكومية؛ حيث بات من المألوف أن ترى موظفي الشركات الاستشارية، سواء ممن يجرون حقائبهم ذات العجلات أو بدونها، يتنقلون بين الممرات وكأنهم في مطارات. يمرّون سريعاً، يطبعون حضورهم في رؤية أو خطةٍ يصوغونها، ثم يرحلون تاركين وراءهم ملفات ضخمة وتوصيات إما أكبر من أن تُنفّذ، أو أصغر من أن تُلاحظ.

تعطش الجهات الحكومية للاستعانة بالشركات الاستشارية هو نتيجة التحولات الكبيرة التي تشهدها الحكومة نحو نماذج أكثر كفاءة وابتكاراً. لذا، تبرز الحاجة إلى تأسيس شركة استشارات وطنية تكون ذراعاً موثوقة لتقديم خدمات استشارية احترافية. وتُعد هذه الحاجة خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، إذا ما أُحسن تخطيطه وتفعيله.

الشركة الاستشارية الوطنية ليست استثماراً في كفاءة الأداء الحكومي فقط، بل خطوة مهمة نحو بناء نموذج وطني مستدام في تقديم الخدمات الاستشارية المتخصصة، من شأنه أن يحقق عدة أهداف للدولة، أبرزها دعم متخذ القرار بمعلومات وتحليلات نابعة من فهم عميق للسياق المحلي. فالشركات الاستشارية الأجنبية، وإن تمتعت بخبرة واسعة وسجل حافل من الإنجازات، إلا أنها غالباً ما تعاني من ضعف في مواءمة الحلول مع الخصوصيات المحلية، بالإضافة إلى تكاليفها المرتفعة، وغياب الاستمرارية بمجرد انتهاء عقودها، كما أنها لا تحقق لنا بناءً للقدرات الوطنية بالشكل المتوقع، والذي يمكن ضمانه مع الشركة الوطنية، حيث ستحقق تلقائياً مبدأ نقل المعرفة بصورته الصحيحة والواقعية، نتيجة لتراكم المعرفة داخل مؤسسات الدولة، لا خارجها، أيضاً من خلال هذا الكيان ستحقق الجهات الحكومية مبدأ المحافظة على السرية وحماية البيانات الحساسة التي تتعلق بالسياسات الحكومية، والبيانات الاستراتيجية، أو تفاصيل المشاريع الوطنية.

هذا الكيان الوطني سيتيح لنا الاستفادة القصوى من الخبراء القطريين وغير القطريين ممن عملوا في القطاع الحكومي وتركوا بصمة واضحة في تعزيز العمل وتطوره. وستتمكن أكبر شريحة ممكنة من الجهات الحكومية من الاستفادة من تلك الخبرات المتراكمة. كما سيكون للشركة الوطنية أفضلية كبرى في المرونة وسرعة الاستجابة للتحديات المستجدة، بحكم تنوع عملها وتعدد الجهات المستفيدة من خدماتها، وللسبب نفسه سيمكنها لعب دور تنسيقي بين مختلف الجهات الحكومية، بما يسهم في توحيد الجهود وتجنب التكرار أو التداخل في المشاريع والمبادرات. وجود شركة استشارات وطنية أمر بالغ الأهمية، حتى وإن كانت في بداياتها عرضة للأخطاء والعثرات. وتحمل هذه العثرات ومساندة الشركة لتجاوزها يُعد استثماراً في المستقبل، لأننا لا نبني شركة لحل مؤقت، بل نؤسس كياناً وطنياً قادراً على خدمة الدولة لسنوات قادمة.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية