رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استعادة الشعب السوري لكرامته هدف جلل يهون لأجله أي ثمن يدفع
حين يبدأ الحديث عن سوريا ما بعد الأسد فلن يعني ذلك المراهنة على سقوط النظام فحسب، ولكنه يعني أيضا أن المنطقة مقبلة على زلزال من الدرجة العالية، ستجاوز أصداؤه حدود البلد ذاهبة في ذلك إلى أبعد مما يتصور كثيرون.
(1)
مشكلة النظام السوري أنه بدد رصيده وحرق أوراقه وحاصر نفسه في نهاية المطاف، وأزعم أنه طوال الأشهر الستة الماضية أعطته الأطراف الإقليمية والدولية فرصا كثيرة لكي يستعيد توازنه ويتصالح مع شعبه ويبقى على علاقاته الإيجابية مع أصدقائه. ولكنه أهدر تلك الفرص واحدة تلو الأخرى.
في الوقت الراهن فإن نيران الغضب الشعبي العارم أصبحت تعم الرقعة السورية كلها، الشرارة خرجت من درعا القريبة من الحدود الأردنية في أقصى الجنوب ووصلت إلى القامشلي على الحدود التركية في أقصى الشمال. وانتشرت من البوكمال القريبة من الحدود العراقية في الشرق وحتى اللاذقية وطرطوس المطلتين على البحر المتوسط في الغرب. وعمت نيران الغضب المدن الكبرى بما فيها حمص وحماة وأدلب ودير الزور. ووصلت إلى دمشق مقر السلطة، وحلب قلعة الصناعة والتجارة. الأمر الذي يعني أننا بصدد ثورة شعب لم يهدأ لهيبها منذ منتصف مارس الماضي، رغم جهود القمع الوحشي الذي تتعرض له جماهيره. تتحدث تلك التقارير أيضا عن أن القتلى الذين تم حصرهم تجاوزوا 2300 شخص، وأن أكثر من ثلاثة آلاف اختفوا ولم يعثر لهم على أثر. أما المعتقلون فقد تجاوز عددهم خمسة آلاف. وتوثق الصور المتوافرة على «اليوتيوب» وعلى مختلف مواقع التواصل الاجتماعي أساليب التنكيل والتعذيب والقسوة المفرطة التي لجأت إليها السلطة في إصرارها على سحق المتظاهرين، الأمر الذي نسف دعوى النظام بتحميل المسؤولية لجماعات إرهابية انشقت عنها الأرض فجأة، وظهرت في ربوع سوريا رغم القبضة المحكمة التي تخضع لها لبلاد منذ نحو أربعين عاما. في الوقت ذاته فإن استمرار تلك الأساليب نسف أيضا كل وعود السلطة بالإصلاح وأفرغها من مضمونها.
(2)
المشكلة ازدادت تعقيدا في الوقت الراهن. فلم يعد النظام قادرا بعد أكثر من خمسة أشهر على احتواء الانتفاضة وإطفاء الحريق المشتعل ــ كما أنه أغرق البلاد في بحر من الدماء بحيث لم يعد قادرا على التراجع عن أساليبه المتبعة ــ ولم تعد الجماهير مستعدة للتراجع عن مطلبها في إسقاط النظام بعد كل الثمن الذي دفعته، وبعدما سقط النظام في اختبارات الوفاء بوعود الإصلاح التي أطلقها. الأمر الذي أوصل الطرفين إلى نقطة المفاصلة التي لا رجوع عنها.
المشكلة تكمن في صلب وبنية النظام السوري المستمر منذ أكثر من أربعين عاما. إذ لا مكان ولا مجال للسياسة أو حتى السياسيين في الداخل، ومصطلح السياسة يظهر فقط في التعامل مع الخارج. أما الداخل فالسلطة تدير المجتمع بواسطة أجهزتها الأمنية ولا تسوسه. والسلطة لا تعنى سوى الرئيس والأجهزة الأمنية. أو الرئيس وسوطه إن شئت الدقة. وكل ما عدا ذلك ــ بما في ذلك حزب البعث ذاته ــ هياكل لا وجود لها على الأرض.
النظام السوري مضطر لاستخدام السياسة فقط في الخارج لأن ثمة طرفا آخر ينبغي مخاطبته والتعامل معه. وهو ليس مضطرا إلى ذلك في الداخل لأن المجتمع ملغى منه المعادلة. والتعامل معه يتم على قاعدة الإخضاع وليس الحوار، لذلك فإنه منذ تفجرت أحداث درعا في منتصف شهر مارس الماضي، فإن السلطة بأجهزتها الأمنية لم تنشغل إلا بشيء واحد هو كيفية قمع الجماهير وإسكات صوتها. وكل ما قيل عن حوار داخلي منذ ذلك الحين كان مقصودا به مخاطبة الخارج ومخادعته. فضلا عن محاولة كسب الوقت بطبيعة الحال.
كثيرون يستعيدون في الوقت الراهن أحداث التمرد في حماة عام 1982 الذي سحقته أجهزة الأسد الأب، واستخدمت في ذلك الطائرات والأسلحة الثقيلة. مما أدى إلى قتل ما بين 20 و25 ألف نسمة، كما أدى إلى تدمير أحياء بكاملها من المدينة وقد لجأ النظام هذه المرة إلى ذات الأساليب دون أن يدرك أن ما مر آنذاك يتعذر تمريره الآن. فالدنيا تغيرت والناس اختلفوا. وأساليب الاتصال ما عاد ممكنا حصارها أو منعها من فضح الجرائم وتعميمها على العالم.
(3)
الواجهة الخارجية للنظام اختلفت تماما عن صورة البيت في الداخل، فقد كسب النظام من عدة مواقف تمثلت فيما يلي: رفع لواء الممانعة في التعامل مع إسرائيل واستضافة قيادات الفصائل الفلسطينية ــ مساندة المقاومة الوطنية في لبنان ــ احتفاظه بعلاقات استراتيجية مع إيران ــ مساندته للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي ــ انفتاحه الإيجابي على تركيا. وأيا كانت دوافعه إلى ذلك. فإن الإنصاف يقتضينا أن نسجل تلك المواقف لصالحه، رغم إدراكنا أن نظام دمشق حافظ على تهدئة الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، ولم يسمح بإطلاق رصاصة واحدة تجاهها منذ احتلال الجولان في عام 67.
لا وجه للمقارنة بين إيجابية الصورة من الخارج وقبحها في الداخل. والأولى لا تبرر ولا تعوض الثانية بأي حال.
بهذه المناسبة فإن أبواق النظام تروج منذ بدأت الانتفاضة الشعبية لمقولة إن سوريا مستهدفة وأنها تتعرض لمؤامرات عدة من الخارج. وهذا صحيح بصورة نسبية، إلا أن الذين استهدفوا النظام لم تكن تقلقهم على الإطلاق سياسته الداخلية، فقد كانوا من أكبر أعوان وحلفاء المستبدين في مصر وتونس. ولكنهم أرادوا من النظام أن يغير من سياساته الخارجية خصوصا ما تعلق منها بالتحالف مع إيران ودعم حزب الله في لبنان. بالتالي فلا علاقة بين استهداف الخارج وبين تحرك الجماهير ضد النظام. بل قد أزعم أن ذلك التحرك قد يقلق المتآمرين عليه بأكثر مما يريحهم أو يطمئنهم، لأن المشاعر الوطنية والعروبية المتجذرة لدى الشعب السوري ونخبه الواعية قد تستدعي بديلا ديموقراطيا للنظام القائم يكون أكثر التزاما بالمواقف القومية وأشد إخلاصا لقضية العرب المركزية.
(4)
لا تزال الدبابات تقتحم المدن، في حين أن المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام صامدون في الشوارع، غير آبهين بزخَّات الرصاص الموجه صوب صدورهم العارية. وإزاء استمرار ضغوط الداخل والخارج المتزايدة فليس مستبعدا أن يلجأ النظام إلى إشعال نار الحرب الأهلية بين الأقلية العلوية القابضة على زمام السلطة وبين الأغلبية السنية. وهناك من يراهن على قدرة السلطة على سحق الجماهير الغاضبة في نهاية المطاف وإقامة نظام أكثر بوليسية وأشد مذهبية، لكن كثيرين يرون أن الدماء الغزيرة التي سالت والمعاملة الوحشية التي تتلقاها الجماهير الغاضبة على أيدي شبيحة النظام وجلاديه تجعل استمرار التعايش مستحيلا بين السلطة والمجتمع. من ثَمَّ فإنهم يرجحون احتمال سقوط النظام.
إذا جاز لنا أن نلخص الخيارات المطروحة فستبدو الآن كالتالي: إذا استمر النظام فستكون تلك كارثة سيدفع ثمنها الشعب السوري، أما إذا سقط فسنكون بصدد كارثة أخرى قد تؤدي إلى قلب سوريا ذاتها وقلب الموازين في المنطقة. ومضمون الكارثة الأولى يمكن تخيله بحسبانه استرجاعا وتعميما لمذبحة حماة. أما الكارثة الثانية فهي تحتاج إلى بعض التفصيل.
فنحن لا نعرف إلى أي مدى ستتورط الطائفة العلوية في تأييد النظام. وبالتالي لا نعرف حجم الثارات التي سيرتبها ذلك بين العلويين والسنة. بذات القدر فثمة أسئلة لابد أن تثار حول مصير الفصائل الفلسطينية المستقرة في دمشق والتي استجابت لضغوط النظام واصطفت إلى جانبه ضد الشعب السوري.
وفي ظل الاحتقان الحاصل في لبنان بين فريقي 14 و8 مارس، وحزب الله الذي أعلن وقوفه إلى جانب النظام السوري يشكل القاعدة الأساسية لفريق 8 مارس، فإن سقوط نظام دمشق سيحرم حزب الله من حليف وداعم أساسي، وبالتالي سيضعفه في مواجهة الفريق الآخر، الأمر الذي يهيئ مناخا لتفجير الموقف الداخلي في لبنان. ذلك أن فريق 14 مارس الذي يقوده سعد الحريري المؤيد غربيا والمدعوم من قبل معسكر الاعتدال العربي، سيجد الظرف مواتيا لتشديد انقضاضه على حزب الله، الذي يواجه موقفا حرجا الآن بعد توجيه الاتهام إلى أربعة من أعضائه في قضية مقتل رفيق الحريري.
وإذا لاحظت أن إيران تقف بقوة إلى جانب النظام السوري، وأن هذه المساندة استتبعت تأييدا واسعا له من جانب أغلب الشيعة فإن سقوط نظام دمشق سوف يؤدي مباشرة إلى فض تحالفه الاستراتيجي مع طهران، وهو ما سيرتب نتيجتين إحداهما إضعاف موقف إيران وزيادة عزلتها بصورة نسبية، والثانية إضعاف موقف حزب الله. وإذا ما حدث ذلك فإنه سيشكل فرصة قد تغري إسرائيل بأن توجه ضربتها العسكرية لإجهاض المشروع النووي الإيراني. ومعلوم أن تماسك المثلث ثلاثي الأضلاع الذي يضم سوريا وإيران وحزب الله، يشكل أحد المعوقات الأساسية التي حالت دون إقدام إسرائيل على تلك الخطوة طوال السنوات الثلاثة الأخيرة، ذلك أن إسرائيل ظلت طول الوقت تتحسب لرد الفعل الذي يمكن أن يصدر عن حزب الله بوجه أخص إذا ما شنت ذلك الهجوم.
أصداء السقوط المفترض ستسمع في العراق أيضا. ذلك أنه إذا ما أصبح الشيعة في الموقف الأضعف، بعد إنهاء التحالف الاستراتيجي لإيران مع سوريا في ظل إضعاف دور حزب الله وحصاره، فإن ذلك سيخل بموازين القوى داخل العراق، ومن ثم سيغل يد إيران فيها، الأمر الذي قد يقوى من ساعد أهل السنة وينعش تطلعهم إلى زيادة حصتهم وتحسين أوضاعهم. وهو ما قد يجدد الصراع في الساحة العراقية.
تركيا لن تكون بعيدة عن أصداء السقوط. ذلك أن النقد العلني الذي وجهته أنقرة لممارسات النظام السوري لم يؤد فقط إلى توتير العلاقة مع دمشق، وإنما دفع الأخيرة إلى استخدام ورقة الأكراد للضغط على النظام التركي وإزعاجه. ومعلوم أن ثمة أكرادا يعيشون في سوريا. كما أن بعض عناصر حزب العمال الكردستاني المناوئ لتركيا لا تزال تحتمي بالتراب السوري. وفي كل الأحوال فإن أنقرة لن تقف متفرجة لأنها تعتبر أن أي اضطرابات تحدث في سوريا، التي تشترك معها في حدود بطول نحو 800 كيلومتر، تمس أمنها القومي، ولابد من التعامل معها بما يحمى المصالح التركية.
وبقدر ما إن روسيا ستعتبر أن سقوط النظام السوري يعني اختفاء آخر حليف باق لها في العالم العربي، فإن ممثلي الدول الغربية الكبرى النشطين والمتربصين في لبنان سوف يرون في ذلك السقوط فرصة ذهبية تتيح لهم المضي قدما لتحقيق مخططاتهم التي تستهدف إعادة رسم خريطة لبنان السياسية والمنطقة العربية.
لا نستطيع حصر كل أصداء سقوط نظام دمشق، ولكننا نستطيع أن نؤكد شيئا واحدا هو أن استعادة الشعب السوري لكرامته وكبريائه هدف جلل، يهون لأجله أي ثمن يدفع، خصوصا أنهم لم يترددوا في دفع مقدم ذلك الثمن من دمائهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5817
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
3894
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3123
| 24 سبتمبر 2026