رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعرف أن هموم أمتنا العربية كثيرة، ما يجري اليوم في اليمن معركة إنجاز يقودها الفريق علي محسن الأحمر بدعم من قوة التحالف العربي، التطورات المخيفة بين إيران وروسيا الاتحادية، وفتح القواعد الجوية الإيرانية للقوات الجوية الروسية لتدمير سوريا، الانقلاب التركي الفاشل وانعكاساته على الأوضاع في الشرق الأوسط، هذه الأحداث تستدعي المناقشة الجادة والصادقة. لكن استأذن القارئ الكريم في تأجيل الحديث عماذكرت أعلاه، وأنتقل إلى موضوع أشغلنا جميعا الأسبوع الماضي وهو مؤتمر المقاطعة الذي عقد في تونس.
(2)
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مقره الدوحة قطر، مؤتمره العلمي الدولي في مدينة الحمامات تونس في الفترة الواقعة 4 ـــ 6 أغسطس من العام الحالي، تحت عنوان "إستراتيجية المقاطعة في النضال ضد الاحتلال ونظام الابارتهايد الإسرائيلي: الواقع والطموح" وشارك فيه نخبة من الأكاديميين من دول أوروبية وأمريكا ودول أخرى إلى جانب مشاركة أكاديميين من الوطن العرب. قدم المشاركون دراسات علمية محكمة. تناول الباحثون في دراساتهم القضية الفلسطينية بالتحليل العلمي وما يواجهه الشعب الفلسطيني من معاناه تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ ستة عقود، ورغم كل المؤتمرات والمبادرات والمفاوضات الثنائية والمتعددة من أجل السلام بين الفلسطينيين خاصة والعرب عامة وإسرائيل إلا أنها باءت بالفشل وأمعنت السلطات الإسرائيلية في ملاحقة الفلسطينيين بالاعتقالات والحروب المتعددة على قطاع غزة وحصاره لأكثر من عشر سنوات. قدم أهل الفكر والقلم في هذا المؤتمر رؤية لما يجب على الدول الديمقراطية والشعوب عبر العالم فعله تجاه الشعب الفلسطيني لنيل حقوقة المشروعة وردع العدوان الإسرائيلي بطرق سلمية فاعلة ومؤثرة.
(3)
تأسس في فلسطين المحتلة عام 2005 الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وهي تجمع ديمقراطي مدني تنسق مع اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة وفضح ومعاقبة إسرائيل وتركز الحركة على ثلاثة قضايا في نضالها السلمي ضد إسرائيل وهي:(1) مقاطعة منتجات الشركات الإسرائيلية والدولية الداعمة لإسرائيل (2) سحب الاستثمارات وعدم تمويل الشركات الإسرائيلية والدولية الداعمة للاحتلال (3) تعمل الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل على تنظيم حملات لنشر الوعي بأهمية فرض عقوبات على إسرائيل لإجبارها على احترام حقوق الفلسطينيين. في ظل هذه المبادئ الثلاث دعا المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لعقد مؤتمر يشارك فيه كل دعاة ونشطاء المقاطعة من أجل نشر الوعي بأهمية المقاطعة وفرض عقوبات على الكيان الإسرائيلي.
لقد وجدت هذه الحركة العالمية استجابة في الأوساط الأوروبية والأمريكية. في أمريكا، كنائس أمريكية تدعو اتباعها إلى سحب أي استثمارات لها في إسرائيل، وحملات نشطة في الجامعات الأمريكية على إسرائيل وسياساتها تجاه الفلسطينيين إلى جانب ألوف من الأكاديميين عبر العالم يقاطعون الجامعات الإسرائيلية. اتحاد الجامعات البريطانية (يو سي يو) أكبر نقابة التعليم العالي والذي يضم في عضويته 120 ألف منتسب يدعو لمقاطعات الجامعات الإسرائيلية تضامنا مع الشعب الفلسطيني، النرويج تعلن منع الغواصات الإسرائيلية من دخول المياه الإقليمية بسبب مشاركتها في حصار غزة، والمجال لا يتسع لذكر كل المؤسسات المدنية عبر العالم التي تدعو وتعمل على مقاطعة إسرائيل ومعاقبتها.
(4)
الغريب في الأمر أن اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة دعت الاتحادات والجاليات والمؤسسات والفعاليات الفلسطينية في الشتات وأوروبا ومنظمات المجتمع المدني التونسي الوقوف ضد انعقاد المؤتمر الأمر الذي أدى إلى اقتحام قاعة المؤتمر من حفنة من البشر، وهم يهتفون لا للتطبيع وقطر وأمريكا وعزمي بشارة. المؤتمر عقد ضد التطبيع، ونشر ثقافة المقاطعة للكيان الإسرائيلي، فلماذا كل هذا التشويش. هدف المؤتمر الدولي الدعوة إلى المقاطعة وتوسيع دائرتها ونشر ثقافة المقاطعة، وأنتم أيها الحفنة تدعون إلى المقاطعة فتعالوا نحقق الهدف أولا.
لست أدري لماذا الزج بقطر في مثل هذه المناسبات، قطر أعطت دون منة أو تردد الحركة الوطنية الفلسطينية كل ما طلب منها، وقفت مع الشعب الفلسطيني في غزة وما برحت تقف معه ضد الحصار، تعيد إعمار غزة وتدعم ميزانية سلطة محمود عباس ولا يوجد على أرض قطر أي تمثيل إسرائيلي بعد حرب غزة عام 2008 /2009 وقفت مع لبنان والمقاومة عام 2006 وإعادة إعمار الجنوب اللبناني في الوقت الذي تقاعس العرب عن تقديم كلمة لمقاومة إسرائيل في جنوب لبنان. إن تلك الحفنة من البشر واللجنة الفلسطينية الذن وقفا ضد المؤتمر هم خدم إسرائيل وأدواتها في التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وقتل الفلسطينيين، وأنهم إلى الهلاك والفناء ويمكن أن نقول لهم "القافلة تسير والكلاب تنبح".
(5)
لا جدال بأن عملاء وأعوان السلطة العباسية في رام الله والأحزاب الطائفية في بيروت والقومجية في دمشق والقاهرة وبعض العواصم الخليجية هم وراء الحملة الظالمة المسعورة على الدكتور عزمي بشارة وقطر والسبب في ذلك أن عزمي بشارة عراهم وكشف سرهم وندد بالمقاومة الطائفية والتواطؤ مع الكيان الصهيوني وفي مقدة ذلك التنسيق الأمني والفساد والمتاجرة بالوطن.
لمن لا يعرف عزمي بشارة ودوره الوطني، خارج فلسطين على كل منصف أن يقول كلمته، ومن هنا أقول أن المركز العربي هو مؤسسة بحثية وطنية قطرية، كان لعزمي بشارة شرف تأسيسة.
لا من أجل الاسترزاق، وإنما لهدف وطني أبعد، كان الهدف إخراج مراكز البحوث الأجنبية التي توالت في الخليج العربي وراحت تضلل القيادات السياسية وتشغلها بمشاريع لا تخدم الأمة وفعلا استطاع المركز في فترة قصيرة أن يخرج بعض تلك المراكز من الخدمة وتجميد أعمال المراكز الأخرى أذكر منها على سبيل المثال مركز راند. لقد استطاع بشارة بعلمه وثقافته وتجربته إقناع المسؤولين في الدولة بإلغاء مشروع راند حول التعليم وإعادة اللغة العربية لتأخذ مكانتها في المدارس والجامعات بعد أن جمدت لأكثر من عشر سنوات. في هذا السياق أسس أعظم وأكبر مشروع عربي وهو "المعجم التاريخي للغة العربية" بتأييد وتشجيع من سمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. يعتبر هذا المعجم حلما عربيا لم تعمل على تحقيقه أي دولة عربية منذ 1932.
أسس بشارة المعهد العربي للدراسات الإنسانية العليا ليسد فراغا في هذا المجال واستعان بنخبة من العقول المهاجرة للعمل بالتدريس في المعهد للدراسات العليا. يصدر مركز الأبحاث وتحليل السياسات خمس دوريات محكمة في مجال العلوم الإنسانية المختلفة كما أصدر في فترة قصيرة من تاريخ تأسيسه 173 كتابا تعتبر مرجعا لكل باحث. كان نصيب عزمي من هذه الكتب 12 كتابا. والحق أنه إنتاج فكري لم يسبق المعهد والمركز إليه أي مؤسسة أكاديمية في قطر.
آخر القول: ستبقى قطر مأوى لكل صاحب رأي، وكل صاحب فكر ينفع به الأمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8745
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3705
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3123
| 30 أكتوبر 2026