رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ظلت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة منبراَ للعلاقات العامة، يسعى رؤساء الدول ورؤساء وفودها إلى توجيه الرأي العام نحو منتجاتهم السياسية وجعلها أخبارا تسير بها رياح أجهرة الإعلام حول العالم. بل قد يلجأ بعضهم إلى الإتيان بأفعال وتصرفات درامية تفرض نفسها على الإعلام الدولي بسبب غرابتها. في سبتمبر من كل عام تنعقد هذه الاجتماعات بمقر الأمم المتحدة بنيويورك وتعتبر المنظومة الإدارية للمنظمة أن الجمعية العامة تحتل موقعا مركزيا بوصفها الهيئة الرئيسية للتداول ورسم السياسات والتمثيل في الأمم المتحدة. بيد أنه هناك تناقضات فاضحة للمنظمة جعلت مدادا كثيرا يسيل داعيا لإصلاحها بدون جدوى. فمجلس الأمن على سبيل المثال يملك كما هو موضح في الفصل السابع المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة، القدرة على الحكم على قانونية حرب ما من عدمه، لكن لو أن دولة من المتمتعات (5 دول فقط) بالعضوية الدائمة للمجلس وحق نقض قراراته، طرف في حرب ما، فلا يستطيع المجلس اتخاذ قرار بعدم قانونية تلك الحرب، إذ بإمكان تلك الدولة نقض القرار بكل بساطة.
ففي مسألة غزو العراق في 2003 نوقشت مشروعية غزو الولايات المتحدة الأمريكية له واحتلاله، وقال الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك: «لقد أوضحت أنها لا تتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة. من وجهة نظرنا ومن وجهة نظر ميثاق الأمم المتحدة، كانت - الحرب - غير قانونية». معلنا صراحة أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق كانت غير قانونية. في 2017 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بـأغلبية 128 عضوا (من 193) مشروع قرار عربي إسلامي يرفض القرار الأمريكي باعتبار مدينة القدس عاصمة لدولة الكيان الإسرائيلي، لكن قبيل أيام أسقطت الولايات المتحدة الأمريكية قرارا لمجلس الأمن الدولي الذي لا تزيد عضويته عن15 عضوا، كان يدين ذات القرار الكارثي الذي أصدرته واشنطن، باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن. ولعله اليوم أضحت الجمعية العامة أقل ضجيجا أو ربما أكثر برودا؛ ففي عام 1960 قام نيكيتا خريتشوف، رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي، بطرق الطاولة التي أمامه بحذائه اعتراضًا على خطاب رئيس الوفد الفلبيني. وفي عام 2009، حمل معمر القذافي زعيم ليبيا نسخة من ميثاق الأمم المتحدة، حيث قرأ منه بعض الجمل، ثم قام في لحظة درامية بتمزيقه وإلقائه أمام القادة والرؤساء أثناء الخطاب، في إشارة لعدم جدواه في ظل عدم احترامه والعمل به. منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991، أصبح هذا التاريخ المحطة المفصلية في مسيرة المنظمة الأممية، فعقب بدء عملها رسميا في أكتوبر 1945، برز بقوة مصطلح النظام العالمي الجديد والذي ارتبط بالمدلول الأيديولوجي للحكومة العالمية وسيادة عهد القطب الواحد. وربما كان ذلك أهم أسباب الحرب في أوكرانيا، ومحاولة روسيا ومن خلفها من وراء الحجاب، الصين وكوريا الشمالية، لإعادة التوازن وتعدد الأقطاب.
خلال هذه الدورة الـ 78 تجدر الإشارة إلى خطابين يتعلقان بأزمتين سياسيتين بارزتين في المنطقة في الوقت الحاضر؛ وهما خطاب كل من رئيسي السودان وفلسطين. فقد استطاع رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان أن يروج لبضاعته السياسية ويرسخ لكونه ممثلا شرعيا للدولة السودانية في خضم حرب داخلية ظلت بعض الأطراف الخارجية تضعها في اطار نزاع بين طرفين وليس في اطار تمرد عسكري على الجيش القومي. ولأول مرة منذ اندلاع الحرب في 15 ابريل الماضي تقدم مرافعة أمام هذا المنبر الدولي تشمل كل الجرائم التي ظلت ترتكبها مليشيا الدعم السريع ضد المواطنين السودانيين. وقال البرهان إنها هذه المجموعات مارست القتل والنهب والسرقة والاغتصاب والتطهير العرقي والاستيلاء على منازل المواطنين وممتلكاتهم ودمرت الأعيان المدنية من مرافق للخدمات ومستشفيات ومقار الدولة ودواوين الحكومة وحاولت طمس تاريخ وهوية الشعب السوداني بالاعتداء على المتاحف والآثار وسجلات الأراضي والسجل المدني وسجلات المحاكم. ولعل أبرز ما طالب به البرهان المجتمع الدولي اعتبار مليشيا الدعم السريع مجموعات إرهابية يقف الجميع في وجهها ويحاربها لحماية الشعب السوداني والإقليم بل والعالم. حيث تسببت في مقتل الآلاف ونزوح وتشريد الملايين. ولعل هذا الطلب يتطلب اجراءات محلية تتولاها وزارة العدل السودانية وديوان النائب العام وهذا ما لم تتوفر معلومات بأنه تم. كما انتقد البرهان بشدة الاتحاد الإفريقي عندما قال إن التدخلات الإقليمية والدولية أصبحت ظاهرة وواضحة، مما يعني بأن هذه أول الشرارة التي ستحرق الإقليم والمنطقة وتؤثر مباشرةً على الأمن الإقليمي والدولي. وقال البرهان إن على منظماتنا الاقليمية التحرر من الوصاية والنظر الى مصلحة الشعوب الافريقية حتى تستعيد ثقة الافارقة.
أما الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن فقد طالب بعقد مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية، متسائلا عما إذا كان هذا الأمر صعبا؟. وقد لا يكون الأمر صعبا فما أكثر المؤتمرات الدولية التي عقدت بخصوص القضية الفلسطينية ولم تجد فتيلا. فإن لم يستطع مجلس الأمن بشأن القدس في 2017 فماذا ينتظر أبو مازن من أي مؤتمر دولي جديد؟. وحتى القرار رقم 242 الذي أصدره مجلس الأمن منذ 56 عاما في 22 نوفمبر 1967، والقاضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967، ظل حبرا على ورق بل خطط الاحتلال ماضية لضم الضفة الغربية نفسها حيث يتخذ منها أبومازن مقرا لسلطته المنقوصة. الفلسطينيون لاسيما الشباب القابض على جمر المقاومة، يعلمون أن تحرير بلادهم لن يتم عبر المنابر الدولية ولا بطلب الاعتراف بدولة تكفلها الدولة المحتلة وانما بوسائل النضال المشروعة وقبل ذلك وقف الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني في مخيمات اللجوء.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
981
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3201
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026