رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إلى أين تتجه سفينة المسار الديمقراطي الكويتي؟ ما حقيقة مقولة "كويت الماضى دبي الحاضر قطر المستقبل"؟ الغضب على سوء الإدارة واتخاذ القرار في الكويت ينفجر على مراحل!
الجار الخليجى محتار فى الحراك والتغيير الذى يراه على ساحة جاره الكويتي. والمواقف التى يعبر عنها محيرة وفى العديد من الأحيان متضاربة. من ناحية هناك مطالبات بمؤسسات دستورية وبرلمان منتخب وصحافة حرة ومؤسسات مجتمع مدنى كما هو موجود فى الكويت ومن ناحية أخرى يريدونها عملية ناعمة طرية لينة مطيعة تسير مع الركب لا تغضب لا تصارع لا تحاسب ولا تستجوب.
(1)
الشرارة الأخيرة التى انطلقت من محرقة الأزمة المتفاقمة تمثلت فى اقتحام آلاف المتظاهرين مبنى مجلس الأمة الكويتى وذلك احتجاجا على ما وصفوه بأنه اعتداء من قوات الأمن على عدد منهم بالضرب بالهريّ لمنعهم من الوصول إلى منزل رئيس الوزراء للمطالبة بعزله من منصبه وتنظيم انتخابات برلمانية مبكرة. جاء ذلك بعد دعوة عدد من نواب المعارضة الكويتية الذين حثوا جماهيرهم للخروج إلى الشارع والاعتصام فى ساحة الإرادة المقابلة لمبنى البرلمان، والمطالبة بسقوط الحكومة وحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة على خلفية ما وصفوه بانتهاك الحكومة لبعض مواد الدستور بسبب مشاركتها فى التصويت لإلغاء الاستجوابات المقدمة ضد رئيس مجلس الوزراء. وتصاعدت حدة التوتر بعد نحو ثلاثة شهور على تفجر قضية الفساد المالى على خلفية قضية الايداعات المليونية وشبهة غسل الاموال وتداعياتها الخطيرة مما يثير شبهة الرشوة، والتحويلات الخارجية من المال العام لصالح الحساب الخاص لسمو رئيس مجلس الوزراء المتهم فيها عدد من أعضاء البرلمان بتلقى رشًى من رئيس الحكومة، وهى القضية التى استقال على اثرها نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية. وهى الفضيحة التى ارتبطت بحكاية النائب والدولاب الخاص بوالدته و(الكبت)، وهو واحد من مجموعة برلمانيين حاولوا إدخال ملايين الدنانير الكويتية فى حساباتهم البنكية. والحكاية تقول ان نائبا أراد ادخال ما يقارب أربعة ملايين دينار كويتى (حوالى أربعة عشر مليون دولار ونصف المليون). فاتصل به كبير مديرى البنك ليسأله: عن كيفية حصوله على هذا المبلغ الكبير؟ فأجابه: وجدته بخزانة أمى رحمها الله!! فقد أوصتنى قبل وفاتها أن ابنى لها مسجدًا بالكويت، وآخر خارج الكويت، وبعد وفاتها فتشت فى بقاياها وفتحت "كبتها" فوجدت المبلغ!! الطرفة التى انتشرت على نطاق خليجى واسع تقول ان نائبا ذهب ليسحب بعض النقود من آلة السحب الآلي.. فرد عليه الجهاز قائلا..رصيدك لا يكفى لاتمام العملية يرجى مراجعة "كبت أمك"!
(2)
الغضب على سوء الإدارة واتخاذ القرار فى الكويت ينفجر على مراحل. لا استطيع أن أعد المرات التى سمعت فيها المقولة التى خرجت من رحم المجتمع الكويتى حزنا والما على تردى الأوضاع التى وصلت لها البلاد " كويت الماضى دبى الحاضر قطر المستقبل"، بعد الريادة السابقة للكويت فى جميع المجالات السياسية الاقتصادية والإعلامية والفكرية والفنية والأكاديمية والصناعية والتجارية. يشير نواف الفزيع الى أن آخر مستشفى بنى فى الكويت فى عام 1978 مستشفى جابر وضع حجر أساسه منذ عشر سنوات، وما بين صفقات الفساد لا نزال ننتظر أول مستشفى فى الكويت بعد 30 سنة؟ من التسعينيات والفوائض المالية لم يمر على تاريخ الكويت بحجمها لم تعلق ميزانية بل ان الحكومة أخذت شيكاً على بياض من المجلس فى كل الميزانيات؟ يذكر الفزيع أن 10 سنوات مرت من أيام الارتفاع الصاروخى لأسعار النفط و8 سنوات مرت من زوال الخطر الصدامى عن الكويت، لكن فى 10 سنوات أصبحت دبى مدينة عالمية بعدما كانت قرية صغيرة، وقطر ستستضيف كأس العالم لكرة القدم أهم بطولة عالمية تحتضنها لأول مرة دولة عربية هى اصغر دولة عربية بالمساحة، 10 سنوات وتمت توسعة الحرم المكى مرتين، وبنيت مدينتان حجيتان فى السعودية حتى البحرين لولا الأحداث المؤسفة الأخيرة فيها أصبحت حاضنا دوليا لأهم ميناء مالى فى المنطقة، 10 سنوات لم نر فيها مطاراً جديداً أو طيارات جديدة لناقلة الوطنية أو جامعة جديدة أو مستشفى جديداً.
(3)
لكن من يتحمل الذنب فى كل ذلك الاحتقان السياسى والاجتماعى المتفاقم فى الكويت الذى بات واضح المعالم بعد العودة والتحرير من الغزو الخارجى وكان المفروض أن يحصل العكس. الصراع يدور بين تيارين رئيسيين فى الداخل والشعب الكويتى منقسم بين هذا الفريق وذاك، التيار الأول يحمل أعضاء المجلس يطلقون عليهم " نواب الصراخ" يستخدمون أدوات الرقابة البرلمانية بطريقة تعسفية من خلال المبالغة فى تقديم الاستجوابات لأعضاء الحكومة لأسباب بعيدة عن المصلحة العامة، وأنهم يتعمدون التضييق على الحكومة وتجاوز حدود صلاحياتهم المقررة فى الدستور، فضلاً عن تدنى لغة الحوار داخل المجلس بشكل غير مسبوق، وتعمد توجيه الاستجوابات إلى أعضاء الأسرة الحاكمة بشكل يوحى بتحديها والدخول معها فى صراع إرادات. بالإضافة إلى تعطيل كثير من المشروعات الضرورية للحفاظ على مسيرة التنمية والتطور فى الكويت، ومن ذلك تعطيل خطة أقرتها الحكومة بقيمة خمسة مليارات دولار تهدف إلى مواجهة آثار الأزمة المالية العالمية الراهنة على الاقتصاد الكويتي، بدعوى أنها "تخلو من الشفافية والموضوعية". وعرقلة مسيرة الإصلاح الديمقراطى ومثال على ذلك رفض اعطاء المرأة الكويتية حقوقها السياسية والسماح لها بالمشاركة فى الانتخابات البرلمانية تصويتاً وترشيحاً، وهو أمر بذلت الحكومة جهوداً مضنية حتى تمكنت من انتزاعه. التيار الآخر يحمّل الحكومة مسؤولية تكرار هذه الأزمات السياسية، ويشدد على أن أعضاء البرلمان لا يتجاوزون سلطتهم عندما يستخدمون أدوات الرقابة المقررة لهم دستوريا فى مساءلة الحكومة، لكن المشكلة تكمن فى حقيقة أن الحكومة لا تقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية، ولا تريد أن يتم استجوابها ومساءلتها، وفى كل مرة يتعرض فيها أحد أعضاء الحكومة إلى استجواب يمكن أن ينجح فى طرح الثقة فيه تلجأ القيادة إلى تغيير الوزير أو تغيير الحكومة أو حل البرلمان، ولا تتعامل مع هذه الاستجوابات باعتبارها حقاً يكفله الدستور لأعضاء البرلمان، وأن عليها واجب الرد على استجواباتهم أو استفساراتهم كما يرى هؤلاء أن استجواب رئيس الحكومة، لا يمثل تحدياً للأسرة الحاكمة، طالما أن الدستور الكويتى أعطى الحق صراحة لأعضاء مجلس الأمة فى استجواب كل أركان الحكومة بمن فيهم رئيس الوزراء، الذى يجوز استجوابه لكن لا يسمح بطرح الثقة فيه. الحكومة ضعيفة من وجهة نظر هذا التيار، وتفتقد إلى برنامج عمل، وغير جادة فى معالجة المفاسد وإنجاز العديد من المشاريع الإستراتيجية التنموية وتتخوف من الاستجوابات، وسعيها إلى تأزيم الوضع السياسى بمجرد صعود قضية الاستجوابات إلى السطح، يجعلها المسؤول الأول عن استمرار الأزمة السياسية الحانقة فى البلاد. إلا أن المراقبين السياسيين يحملون أعضاء البرلمان والحكومة مسؤولية هذه الأزمات المتكررة التى قدمت صورة سلبية للتجربة الديمقراطية الرائدة فى الكويت فى منطقة الخليج العربي، وشوّهت وجه الحرية والديمقراطية الكويتية، وأشاعت أجواء التوتر والتناحر والفوضى بما أدى إلى تعثّر مسيرة العمل الوطنى فى البلاد؛ فأعضاء البرلمان كثيراً ما يفتعلون أزمات حول بعض القضايا الثانوية، فعلى سبيل المثال تسبب إصرار بعض الأعضاء الإسلاميين على استجواب وزير الأوقاف بسبب قرار منع بيع بعض الكتب الدينية فى معرض للكتب فى وقوع أزمة بين الحكومة والبرلمان فى مايو 2007، كما اضطرت الحكومة إلى الاستقالة فى نوفمبر 2008 بسبب إصرار أعضاء فى مجلس الأمة على استجواب رئيس الوزراء على خلفية سماح السلطات بدخول رجل دين شيعى ايرانى إلى الكويت، على الرغم من وجود حظر قانونى على دخوله.
(4)
دوامة الأزمات التى لا تزال تدخل فيها الكويت أدت إلى تجميد عملية التنمية فى البلد وأصابت العديد بالإحباط العودة فى إطلاق مسيرة الحراك والتغيير فى الداخل الكويتى وفى المحيط الخليجى والعربى والدولى أيضا. لقد مرت الكويت كما تشير التقارير الدولية منذ وضع الدستور عام 1962 بأربع أزمات حقيقية على الصعيد الديمقراطى أدت إلى تعطيل العمل بالدستور، الأولى عام 1967 حيث حل البرلمان، وعطل العمل بالدستور خلال الفترة 1976 — 1980، و1986 — 1992، وتخللت هذه الفترة مواجهات أمنية، وخرجت التجمعات السياسية تطالب بإعادة العمل بالدستور، كما تعرضت الحريات العامة خلال فترات الحل غير الدستورى لمجلس الأمة للتقييد وفرضت رقابة مسبقة على الصحف. ومنذ عودة الحياة البرلمانية عام 1992، تم انتخاب خمسة مجالس، انتهت أربعة منها بالحل الدستوري، أعوام 1999 و2006 و2008 و2009. الأزمات السياسية متكررة وغير قابلة للتوقف أو الفرملة خصوصا فى وجود الصدامات بين أعضاء فى البرلمان ورئيس الحكومة الحالى الذى شكل سبع حكومات منذ عام 2006م دون تحقيق انجازات حقيقية على الأرض. الجيل الجديد من الشباب الكويتى أطلق بدوره صرخة تطالب بإمارة دستورية وحكومة منتخبة وتشكيل الأحزاب السياسية. فى الخليج المحب للكويت كلنا فى انتظار الأمل أن تخرج الكويت من محنتها وتعود رائدة وقائدة فى المجتمع الخليجي. وان يحسم الخلاف فى الكويت العزيزة فى الانحياز إلى المطالب الشعبية التى لا تقل عن حجم التغييرات الكبيرة التى أقدمت عليها الدول العربية التى تحررت فيها منظومة العملية السياسية منذ بداية يناير 2001 بعد أن كانت محاصرة ومغلقة على نفسها لعقود من الدهر. من الضرورة أن ينتهى الصراع بمبادرة حقيقية من رأس الهرم ولا يستمر الخلاف بين الحكومة فى الكويت والبرلمان إلى نهاية الزمان.
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
مسالخ ميانمار!
مأساة كبيرة يعيشها الروهينغا المسلمون كأقلية عددها حوالي مليون نسمة، فهم محرومون من الجنسية وملكية الأراضي والتصويت والسفر... اقرأ المزيد
852
| 13 سبتمبر 2017
ضد الكراهية!
مؤشر صعد اليمين الأمريكي المتطرف وصل إلى أعلى مستوياته مع وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض بعد... اقرأ المزيد
666
| 30 أغسطس 2017
داء العنصرية!
ردود الفعل الواسعة على أعمال العنف في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، عكست مدى اتساع الانقسام الذي يعيشه... اقرأ المزيد
642
| 16 أغسطس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5502
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4923
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3051
| 24 سبتمبر 2026