رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يقف أثر الأخلاق البالغ عند استقرار المجتمع فحسب بل إن المحافظة على الأخلاق تعد من صميم الإنسان السوي بما منحه المولى تبارك وتعالى من نعمة العقل والتفكير والتمييز، بيد أن تمرير المفاهيم النبيلة يخضع لمعايير محددة من حيث التأثير، إذ إن تبعات إفراز التراكمات السلبية المتتالية لم تكن لتجد التأثير وتستقر لو أن الرفض الحسي أحكم السيطرة من واقع الاستنتاج الموضوعي والاستيعاب للمعطيات بصيغة تنحو إلى استشعار الخطأ والصواب وفق ترسيخ الاقتناع لطرق الفضيلة والابتعاد عن الرذيلة في حين تقف الرغبة الجامحة في اتكاء بليد على سطوة العاطفة لتقف حجر عثرة أمام التوجه السليم وفي المراحل المبكرة تحديداً وهي مرحلة النشوة بتحقيق رغبة آنية زائلة ليرزح المفهوم تحت وطأة الجهل من جهة، وقلة الإدراك لنتائج المرحلة المؤذية التي لا تسر حتى من أتاها من جهة أخرى، الشعور الوقتي بمتعة المخالفة أياً كان نوعها سيخلط الأوراق ومن ثم يجهز الخطأ بسطوته العمياء على النسبة القليلة المتبقية من تأنيب للضمير وجلد الذات والذي يكون تأثيره متأخراً أو بالأحرى لا يتم استدعاؤه إلا بعد خراب مالطة، فكان لزاماً ترميم الأسوار التي تتصدع جراء الثقوب المتواترة من تقنية يتم استخدامها سلباً وأطباق تحوي في أهدافها التأسيس للرذيلة، إن التهيئة للاتزان مرحلة مهمة ومؤشر دقيق لصدق التوجه لئلا يذوب الاعتدال كنسق قيمي فذ أمام مؤثرات استجداء التمرد على القيم ليس قناعة بتطبيق هذا المفهوم الجانح بقدر ما هو استغلال ولفئات عمرية معينة من خلال اختراق الجانب النفسي المرن ووفق تعبئة تفتقر إلى الاتزان فضلاً عن انتفاء نقاء الأهداف ، وتتنوع الأساليب وتتباين المحاور في الهدم إلا أن الأهداف قد تتشابه إلى حد التطابق (وشبيه الشيء منجذب إليه) وللحيلولة دون مد تأثيرها ينبغي التركيز على تنمية فكر الاعتدال والسلوكي تحديدا بموجب استحضار المحفزات المرتبطة بهذا الصدد وتطويعها إيجاباً وتفنيد المقولة المطاطة كل ممنوع مرغوب، فإذا كانت الرغبة هي الهدف فإن المنع ليس سوى الوسيلة، وتكمن المعضلة في تقديري في جانب يرتمي في أحضان الرغبة الملحة ليكون إلحاحه المتواصل جسراً يعبر من خلاله المخطئ إلى المصيدة، ألا وهو الفضول حينما يتسرب عبر نفق اهتزاز الثقة ويحدث اختلالا للتوازن وبالتالي طرق هذا المسلك السيئ حتى إذا ما تمكن فضوله من جره إلى القاع، يبيت الخروج أكثر صعوبة لاسيما وأن الاعتياد يسهم في إضعاف الشعور بالذنب ومن ثم فإن التكرار يفضي إلى استسهال المخالفة تبعاً لغياب التواصل وعدم انتقاء الوسائل المقنعة في الوصول فضلاً عن التأثير، وهكذا يتم الاستدراج على هذا المنوال طالما أذيب الرادع الحسي وبات استشعار مرارة المخالفة تحصيل حاصل أمام هذا الزخم الهائل من الضخ المتواتر، ومن ضمن الأمور المهيئة لهذه الأزمة ولاريب غياب القدوة المؤثرة حينما يجهز التناقض في التصرف أو السلوك على المصداقية فيكون للترك أقرب منه إلى الاقتداء، لتنزوي المثالية في ركن الشك المتربص للفتك بكل ما هو جميل وإحلال القبح مكان الجمال وما ذلك إلا نتاجاً لتمرير الصيغة النمطية للكمال، حينما اتكأ الغموض على حاجز الحياء وحال دون الاعتراف بالخطأ، بينما يكون الضرر قد بلغ أشده وفق ترسيخ هذا التناقض وما ينجم عن ذلك من وأد للتأهيل على نحو يكرس النفور من جهة وما يخلفه من فراغ ليجد المتردد من يملأ هذا الفراغ استغلالاً لهذا الإرباك ، والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الضير في التراجع وغربلة الاعتداد بالنفس بمفهوم التواضع الفذ وتبيان المفاهيم بصورة صحيحة، وأن الخطأ وارد في كل وقت، ومن أي شخص للحيلولة دون شرخ الصورة الجميلة، بل إن ذلك يعزز من قوة الإرادة مقرونة بالإخلاص حينئذٍ فإن المؤثرات ستتحطم أمام صلابة المبدأ، وستتوارى أفول الشر خلف أبواق التعاسة والانتكاسة والحسرة على ضياع التمكين أمام قوة الحق التي لا تهدأ أو لا تستكين، إن الفساد الأخلاقي من أقسى ما تواجهه الشعوب إن لم يكن الأقسى إذ إنه يقضي على قيمها ومقدراتها ولاسبيل لمقاومته إلا من خلال احتواء السلوك وما يفرزه من أخطاء عبر التوضيح والتصحيح بالكلمة الطيبة الصادقة ومن خلال الإقناع المؤثر بعيداً عن التجريح الذي لن يورث إلا التجريح المضاد، وكذلك مصادرة الاحتقار والإزدراء لتسمو الروح بشموخ العزة والإباء عبر الألفة التي توجب المحبة، وبالتالي إنشاء صيغة ملائمة تتيح للجميع الانصهار في وحدة متكاملة مشكلة الإضاءة تلو الإضاءة.
قال الشاعر:
إذا طالبتك النفس يوماً بشهوة
وكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما
هواك عدو والخلاف صديق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1710
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1428
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
834
| 13 يناير 2026