رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
زيارة رئيس وزراء ماليزيا " محمد نجيب " لغزة يوم الثلاثاء قبل يومين تأتي بعد - وفي ذات سياق - زيارة حضرة صاحب السمو " أمير قطر " لها، ثم زيارة رئيس وزراء مصر " السيد هشام قنديل "، والثلاثة عشر وزيراً عربياً ووزير خارجة تركيا الذين زاروها، وفي نفس سياق زيارة السيد " خالد مشعل " وأعضاء مكتب حماس السياسي لها.. هذا الحراك السياسي الذي تشهده غزة وحكومة المقاومة يسترعي الانتباه ويدلل على جملة من الحقائق لا بد من رصدها والاعتبار منها.. وأقول:
بداية لا بد من تقرير حقيقة أن هذه الزيارات لا يمكن قطعها عن سياقها السياسي ومستجدات ما بعد حربي الفرقان 2008 وحجارة السجيل الأخيرة وصمود حماس وإبداعاتها فيهما.. كما لا يجوز عزلها عما جرى في مصر بعد خلع الساقط ونظامه الذي كان يحاصر غزة ويمرر سياسات الاحتلال ضدها.. ثم إن الذين قاموا بالزيارات وبما يختلف عن كل محاولات كسر الحصار السابقة هم رجال سياسة وزعماء رسميون وليسو رموز عمل خيري.. صحيح أن في الزيارات دعما ماديا ولكن هذا الدعم يعطيها قيمة عملية وليس هو الأهم فنحن لا نتكلم فقط عن مشاريع أو عن أموال تأتي.
زيارات المسؤولين العرب هذه تؤكد أن المقاومة يمكن أن تهزم العدو سياسيا أيضا، ويمكن أن تكسر الطوق الذي يحاول يائسا فرضه عليها وعلى الشعب الفلسطيني منذ سنوات بقدر ما هي قادرة على الصمود في وجهه وإخافته وردع تعدياته ومنع احتلاله.. هنا لا بد من التذكير بأن المقاومة ولدت في رحم الحصار والإغلاق وفي بيئة التجاهل العربي والتناسي العالمي للقضية، وأنها – أي المقاومة – استطاعت هذا الذي استطاعته في فترة قصيرة في عمر الثورات، وبإمكانات محاصرة ومع معاكسة التيار الرسمي الفلسطيني الذي – ودون التوغل في نقده في هذه الفترة بالذات - اختار التسوية وقدم في كل اتفاق تنازلات كثيرة ومقتضيات أمنية ثم تبين بعد عشرين سنة أنها كانت في غير موضعها وأن العدو لا يحترمها وأنها الضريبة التي تدفع لمجرد البقاء أو لبقاء بعض الامتيازات..
الوفود والزيارات الرسمية التي تؤم غزة وتقدم دعمها واحترامها للشعب الفلسطيني ومقاومته اليوم جاءت بعد أن واجهت هذه المقاومة لحظة الانحراف العام عن أهداف التحرير فصححت المسار، وبعد أن عبرت ماديا وميدانيا وبدمها وفلذات كبدها عن إمكانية إهانة كبرياء هذا الكيان المتعجرف الذي لم يكن يحسب حسابا بقليل ولا بكثير لأي قيمة أخلاقية أو إنسانية أو لحرمة أي دولة جارة أو بعيدة.. هذه الزيارات جاءت أيضا بعد أن أثبتت المقاومة أن العدو يمكن هزيمته ليس فقط في الميدان العسكري وحرب الاستنزاف وقصف عاصمته ولكن على الصعد السياسية والدبلوماسية والقانونية والقضائية أيضا فضلا عن الإعلامية، لذا فلم يعد مقبولا أن يقول البعض " إنه يقبل بالمقاومة السلمية ثم يكتفي من كل هذه السلمية بالمظاهرات التي عدتها وسدتها المتضامنون الأجانب والمواطنون البسطاء فيما هو غافل أو متغافل وعن قصد أو من دونه عما يمكن فعله – كما تفعل حماس في غزة..
لقد أثبتت هذه الزيارات أن الرأي العام الدولي والعالمي ليس حكرا حصريا على الغرب وأمريكا ودوائر الاستغلال والاستكبار العابرة للحدو كما كان يُسوّقُ دائما لتبرير الخضوع له... أثبتت أنه لا داعي لمواجهة المقاومة بمقولة " لسنا في جزيرة معزولة " أو مقولة " لا نريد أن نحرج أصدقاءنا في العالم.. " وأثبتت أن الدائرة الأهم قبل الرأي العام العالمي الذي طالما خطبنا وداده وهو منافر شموص هو الرأي العام الإقليمي والعربي والإسلامي الذي يحتضن بحنان الوطنية والقومية والمشاعر الإسلامية الموقف الفلسطيني ويعضده ويحميه وأنه ينبغي المراهنة عليه وحشده.. وهنا لا بد من أربع إشارات:
الأولى: أن المقاومة وحكومتها كانت على قدر عال من الرشد السياسي وتفهم المقتضيات والتحولات في خطابها الإعلامي وفهم ما يمكن وما لا يمكن من استقطاب لهذا الرأي العام ثم استثماراته.. ما جعل دولا غير متهمة بدعم الإرهاب ولا بالخصام مع دوائر القرار العالمي كقطر وتركيا وتونس.. بل ومن الغرب نفسه تستقرب إمكانية الاندفاع بخطوة تقارب مع حماس ومع المقاومة وإلى البحث في إمكانية التواصل معها..
الإشارة الثانية: أن الإسلاميين وبالأخص الممتازين بالوسطية والانفتاح وبالقدرة على التفاهم والتفهم والعزيمة على المقاومة والصمود - كحماس- يمكن أن ينجحوا فيما أخفق فيه الآخرون ودون أن يأخذهم ذلك إلى الغرور أو الاستبداد أو إقصاء الآخرين.. ذلك فعلته حماس في غزة ويفعله الإخوان في مصر.. ودعك مما يقوله الخصوم الذين لا تعنيهم الحقيقة إلا بقدر ما تخدم غاياتهم ورغباتهم.. صحيح أن تجربة الإسلاميين قصيرة وأن إنجازاتهم لا تزال محدودة ؛ ولكن المكتوب يقرأ من عنوانه.. وإذن فليعط الإسلاميون الفرصة كما أعطيت لكل من هب ودب، وليكن في الذهن أن ذلك ليس لفائدة الإسلاميين وحدهم ولكنه أيضا لفائدة الشعوب والأمة وحتى لا تحرم البلاد والعباد من إبداعاتهم وإمكاناتهم..
الإشارة الثالثة: لم يبق مسوّغ لمن لا يزالون يتلكأون – حتى الآن – في التواصل مع غزة وفك الحصار عنها أو لا يزالون متخلفين رجعيين يدورون حول مقررات مؤتمر شرم الشيخ الأمني 1996 من القرن الماضي الذي كان يستهدف المقاومة وسمعتها.. ولئن فات هؤلاء السبق والريادة فلا أقل من أن يكونوا من الذين اتبعوا السابقين والرواد بإحسان.. ولست أدري بعد اليوم كيف يغمض جفن من يدعي عروبة أو إسلاما ثم هو يساهم في استهداف المقاومة أو يحاول إحياء أهواء وأحلام الصهاينة العاثرين بتآمر أو بتخاذل!
الإشارة الرابعة: أن التفاهم الوطني الفلسطيني يجب أن يكون على برنامج (سياسي أساسه التحرير) وعلاقات المقاومة المستجدة والمتصاعدة مع المحيطيْن العربي والإسلامي ؛ فالتحرير وليس المفاوضات وركوب الصعاب وليس الخطابات هو من جمع هؤلاء الأنصار حول المقاومة وهو الذي جعلهم يراهنون عليها.. وإذن فالخطوة الأولى التي يجب أن تبقى ثابتا فلسطينيا كما هي ثابت عالمي وأخلاقي وإنساني ومنطقي أن انتزاع أي حق من الاحتلال وأي كيان سياسي لا يكون إلا عبر المقاومة الحقيقية وعلى الرأس منها وليس في ذيلها المقاومة المسلحة..
آخر القول: لقد تأكد اليوم أن المقاومة وردع العدو لا يتناقضان مع العمل الدبلوماسي والقانوني والسياسي، وأن حصار غزة صار شيئا من الماضي الذي تجاوزه الفلسطينيون ولا يجوز أن يستعيدوه تحت أي ظرف وأي مقاربة سياسية أو وطنية أو قومية.. وأن المقاومة ووجاهتها وكسر الحصار عنها يجب أن يكون نقطة الانطلاق لأي عمل سياسي وأي أفق مستقبلي..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
667
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
970
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
609
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3321
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026