رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بداية.. لا بد من الاعتراف، دون حدوث اختلاف، قد يؤدي إلى خلاف، أن أمتنا العربية، تواجه خطراً وجودياً، وتهديداً جوهرياً، ومأزقا مصيرياً، يستهدف أمنها، ويمس حدودها، وينال من حقوقها، وينتقص من سيادتها، ويؤثر في ثوابتها.
وعلى وجه الخصوص، ثوابت القضية الفلسطينية، المهددة بالتصفية، المستهدفة بمخطط تهجير الفلسطينيين، خارج وطنهم، وطردهم بعيداً عن ديارهم، لكي يهيموا في القفاري، وينزحوا نحو البراري، ويتشردوا في الصحاري!
ولتنفيذ هذا المخطط الاستعماري، تحاول إسرائيل، بدعم من ترامب، وإسناد من اللوبي الصهيوني، وتشجيع من قوى الاستكبار العالمي، وتحريض من الإدارة الأمريكية، تشريد الفلسطينيين، أهالي قطاع غزة، وتهويد ما تبقى من أراضي فلسطين المحتلة!
ولعل ما يثير القلق، ويسبب الأرق، ويبعث على الحنق، في مختلف الأوساط العربية، أن الإدارة الأمريكية، المنحازة لإسرائيل بأقوالها، والمساندة لها في أفعالها، والمتبنية لها في مواقفها، تتبنى دبلوماسية «الجمرة المشتعلة» مع الفلسطينيين!
وتستخدمها حتى ضد أطفال فلسطين، ومن بينهم «حنظلة»، الذي يقف حافي القدمين، مرتدياً لباسه المقطع، الذي يشهد على فقره المدقع، ويكتب على الجدران المدمرة، والبيوت المحطمة، عبارة «ثورة حتى النصر»، وهذا في المفهوم الأمريكي، تحريض على «الإرهاب»!
وعلى هذا الأساس، فهي تناهض «حماس»، وغيرها من حركات المقاومة الوطنية، وتمارس خلال تعاملها مع الشأن الفلسطيني، بمختلف مكوناته، وكل توجهاته، وجميع اتجاهاته، سياسة كرة النار المتدحرجة، مما يشكل ضيقاً فظيعاً، وضغطاً رهيباً، على النظام الرسمي العربي.
ومع تواصل هذا الضغط الأمريكي، الضاغط على العرب العاربة، والمستعربة، نشعر أننا أمام مشهد طويل لا ينتهي، محذوف بقرار من الرقابة، من صالات العرض السينمائي، من فيلم «الأب الروحي»، الذي تم إنتاجه وعرضه عام 1972، ويجسد القصص المروعة، والجرائم المريعة، التي ترتكبها عصابات الجريمة المنظمة، في الولايات المتحدة.
وخلال الواقع الفلسطيني، يؤدي الرئيس ترامب شخصية «فيتوكورليوني»، زعيم عصابة المافيا، التي تسيّدت المشهد الإجرامي، في نيويورك، من خلال أداء دور الممثل «مارلون براندو» في الفيلم الهوليودي.
لكن رئيس الإدارة الأمريكية، أضاف لهذه الشخصية السادية، بعداً إجرامياً عالمياً، عبر قيامه بالتحريض العلني المباشر، لفتح أبواب الجحيم على الفلسطينيين، مما يشكل جميع أركان الجريمة العالمية المنظمة، التي تعاقب عليها القوانين الدولية، وتدينها الأعراف الإنسانية.
والملاحظ أن الولايات المتحدة، في عهد رئيسها ترامب- بعد عودته الرئاسية الثانية- تحاول فرض وقائع استعمارية في المنطقة، يتم استحضارها من أزمنة العصور الوسطى، وأيام القراصنة، والمستعمرين، الذين ينتهكون حقوق الآخرين، بشكل لا ينسجم مع روح العصر، ولا يتفق مع سيادة القانون الدولي.
ووفقاً لهذه المعطيات الخطيرة، تقف الأمة العربية، من أقصاها، إلى آخر مداها، حائرة، أمام مفترق طرق خطير، تتأرجح خلالها أقدامها على حافة الهاوية السحيقة:
- فإما أن تتخذ القرار، وتتحرك بعيداً عن الانحدار، وتتوجه لدعم الفئات الفلسطينية المسحوقة، وتتضامن لوقف الأطماع الصهيونية، المدعومة بالتصريحات «الترامبية» المسمومة..
- وإما أن تسير في طريق الانهيار، ليشهد التاريخ على نجاح الرئيس الأمريكي، في إجبار العرب، على تنفيذ مخططاته، التي تتجاوز القواعد القانونية، وتتخطى الحدود السياسية، وتنتهك المعايير الحقوقية، ليتم بعدها إعادة ترسيم الحدود الجغرافية، لصالح الحركة الصهيونية ومشروعها الجديد - القديم، المتمثل في تهجير الفلسطينيين خارج ديارهم، وطردهم باتجاه مصر والأردن وغيرهما.
والمؤسف، أن الإدارة الأمريكية، تعمل على إلغاء الواقع الجيوسياسي الحالي في قطاع غزة، دون مراعاة حقوق الفلسطينيين التاريخية الثابتة في أرضهم، ودون احترام سيادة الدول العربية، المجاورة للقطاع الفلسطيني، ودون اعتراف بالشرعية الدولية، ودون التزام بتطبيق القرارات الأممية، بكل حيثياتها القانونية، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
وهذه التحديات الخطيرة كلها، وكل المخططات والتهديدات المنبثقة منها وعنها، تستوجب وقفة عربية جماعية - جامعة، تحت سقف الجامعة العربية للتأكيد على أن ما يتم ترويجه حالياً في واشنطن، وما يتم النفخ فيه، بالأبواق اليهودية، في «تل أبيب»، هو أمر مرفوض عربياً، ومدحوض قانونياً، وغير مقبول سيادياً، وغير مبرر سياسياً، وغير مرحب به.. لا أخلاقياً ولا إنسانياً.
ومع مواصلة النفخ اليهودي الكثير، وإطلاقه في ذلك الكير، والتكلم بالكلام الكبير، عن مخطط الهجرة والتهجير، تدفعني وحدة المصير، إلى التنبيه والتحذير، من ذلك التحدي الخطير.
ولكل هذا، أواصل الكتابة، واستطرد في التعبير، مستنكراً بشدة، تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية، الاستفزازية، التي يحاول من خلالها تمرير أفكاره الشيطانية، بشأن إقامة دولة فلسطينية في السعودية، أو غيرها من الدول العربية، لأن ذلك يشكل انتهاكاً متعمداً للقرارات الدولية، وخرقاً متعدداً لميثاق الأمم المتحدة، ويؤدي إلى نسف مساعي السلام المتعثرة في الشرق الأوسط.
وما من شك، في أن السلام العادل والشامل والمستدام لن يتحقق في المنطقة، إلا بعد تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة، على حدود الرابع من يونيو 1967، وفرض سيادة الفلسطينيين على أراضيهم المحتلة.
وفي هذا السياق، أجدد الإشادة، بصفتي واحداً من أبناء الشعب القطري، بموقف قطر التاريخي، الثابت، والداعم لصمود الشعب الفلسطيني..
المناصر لقضية فلسطين العادلة، المؤيد لقرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، التي تضمن إقامة الدولة المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا أنسى، دعم المشروع القومي الأكبر، في تاريخ الأمة العربية، وهو إعادة إعمار قطاع غزة المدمر، مع بقاء الفلسطينيين في أراضيهم، دون تهجيرهم خارج وطنهم..
وتوفير فرص عمل للشباب الفلسطيني المقهور، والعمل على إخراجه من حالة القهر، وانتشاله من المعاناة والفقر، ليتمتع كغيره من شعوب الأرض، بالرخاء، ويحس بالعدالة، وينعم بالحرية، ويعيش الاستقلال، بعيداً عن تسلط الاحتلال.
وهذا يتحقق، من خلال الشروع في مشاريع الإعمار، التي ينبغي إنجازها بالسواعد العربية، والكفاءات العربية، والقرارات العربية، بمشاركة دول العالم الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.
وإنفاذاً لكل ذلك، جاء تحديد موعد انعقاد القمة العربية، المقرر عقدها في «أم الدنيا»، في الرابع من مارس المقبل، بعد تأجيلها الصادم لبضعة أيام، ليعيد الزخم القومي، في عروق القضية الفلسطينية، ويشعل جذوة التفاؤل بإمكانية توحيد الجهود السياسية العربية، لتحقيق التضامن العربي المفقود، والوقوف صفاً واحداً، في مواجهة التهديدات الصهيونية المدعومة من الإدارة الأمريكية.
ولعل ما يميز القمة المرتقبة المصيرية، التي ستلئم في الرحاب المصرية، أنها ستعقد في شهر رمضان، هناك في القاهرة، العاصمة العربية، التي قهرت جميع الأعداء الطامعين.
ولا يحتاج الأمر إلى التذكير، بأن أعظم البطولات العربية، ارتبطت بشهر الصيام، وأعظمها انتصار العاشر من رمضان، الذي تحقق على العدو الإسرائيلي، في السادس من أكتوبر عام 1973.
وفي هذا النصر المبين، كان جنود الجيش المصري الباسل، بمختلف تشكيلاته، وجميع قطاعاته يحاربون على جبهات القتال، هناك على ضفاف القنال، وهم في حالة صيام، وألسنتهم تلهج «الله أكبر».
ومع هذا التكبير، نجحوا في تحطيم «خط بارليف» الذي كان يوصف، بأنه أكبر وأصلب وأقوى خط دفاعي إسرائيلي، عرفه التاريخ المعاصر.
ومن ذلك التاريخ المطرز بالانتصارات، إلى هذا الحاضر المستهدف بالمخططات، لا أنسى مع الإعلان عن عقد القمة العربية، في شهر رمضان، أن أكبر الفتوحات الإسلامية، تحققت في هذا الشهر العظيم، بداية من غزوة بدر، وهي المعركة الفاصلة في تاريخ المسلمين، مروراً بفتح مكة المكرمة، وصولاً إلى فتح الأندلس.
إضافة إلى المعارك الحاسمة، وأبرزها معركة حطين، وعين جالوت، وعمورية، والزلاقة، وغيرها.
وهذا يؤكد، أن في شهر رمضان تنبثق روح النصر، وأنه وسط التهديد الوجودي، تولد إرادة الفخر، ونأمل أن يتحقق ذلك، في القمة العربية المصيرية، التي ستعقد في العاصمة المصرية.
هناك في القاهرة، العاصمة القاهرة، التي قهرت عبر تاريخها الكثير من التحديات، وأبطلت الكثير من التهديدات، وأفشلت العديد من المؤامرات الخارجية.. هناك ستعقد القمة العربية، في أمسية رمضانية، تحت عنوان واحد، هو إفشال المخططات الصهيونية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وتشكيل جبهة عربية صلبة تتصدى للمشروع الصهيوني وتعمل على إعادة إعمار قطاع غزة دون تهجير سكانه وأهله.
.. هناك في القاهرة، حيث ترتفع المآذن، وتعلو المنارات، وحيث يسكن الإيمان في القلوب، والأزقة، والدروب، والعمارات، وحيث يرتفع الأذان إلى العنان، في شهر رمضان، عندما يصدح «الله أكبر»، بصوت الشيخ أبو العينين شعيشع، الذي «يشعشع» الأمل، في النفوس المحبطة، ويطرد الإحباط الذي «يعشعش» في القلوب المحطمة، ويزيل الاضطراب، الذي «يشوش» العقول المرتبكة.
.. هناك في القاهرة الظافرة، ستعقد القمة العربية، في عاصمة انتصار العاشر من رمضان، حيث تسمع «شقشقة» عصافير الأمل في الصباح، وحيث الديك «بيدن كوكو كوكو» في الفجرية، على طريقة سيد درويش، ملحن النشيد الوطني المصري «بلادي بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي»، والذي ألّفه محمد يونس القاضي.
.. هناك يقف الديك المصري، فوق برج القاهرة، يوجه النداء القومي، إلى أمتنا العربية، لتستيقظ من سباتها العميق، وتدافع عن تاريخها العريق، وتتوحد أمام الهجمة الصهيونية الوحشية، المدعومة من الإمبريالية الأمريكية.
.. هناك في القاهرة العريقة، صاحبة القصص، والمليئة بالحكايات، والزاخرة بالروايات المدهشة، التي كتبها نجيب محفوظ، والقصائد التي صاغها الأبنودي، والألحان، التي هندسها بليغ حمدي.
.. هناك في القاهرة، سنسمع خلال انعقاد القمة العربية، لحن الانتصار المدوي، الذي لحنه الموسيقار العبقري، بليغ (ملك الموسيقى)، وكتبه الشاعر عبدالرحيم منصور «بسم الله، الله أكبر، بسم الله، بسم الله».
.. هناك في القاهرة الشعبية العتيقة، بكل حواريها، وجميع حوانيتها، وكافة أزقتها، ومشربياتها، ومقاهيها سنسمع خلال القمة العربية، نشيد:
«حلوة بلادي، السمرا بلادي الحرة».
.. هناك وسط مبانيها، سنسترجع قصة بانيها «الحلواني»، الذي أضاف اللمسة الحلوة، على شخصيتها الحلوة، وأضاف الحلاوة على ناسها الرايقين، وأهلها الطيبين، وسكانها الحلوين.
.. هناك في القاهرة، التي تشتهر بأجوائها الروحانية، في الليالي الرمضانية، ستعقد القمة العربية، بينما تتهادى على المسامع ابتهالات الشيخ «النقشبندي»، وهو يبتهل بصوته الرنان، منشداً روائع البيان، التي تحرك جذوة الإيمان، في داخل الإنسان، وتعتبر أشهر ملامح شهر رمضان، وأشهرها ابتهال «مولاي إني ببابك قد بسطت يدي».
ومع تلك اليد «المبسوطة»، أو الممدودة إلى السماء، والألسن التي تلهج بالدعاء، في كل صباح ومساء، لا يمكن أن ننسى صوت محمد عبدالمطلب، الذي يعتبر أيقونة شهر الصيام، وهو يعبر عن مشاعر الناس، التي تتصاعد مع حركة الأنفاس، ويترجم بكل إحساس، فرحة المصريين بقدوم الشهر الكريم، خلال أغنيته الشهيرة:
«رمضان جانا، وفرحنا به بعد غيابه، وبقاله زمان».
.. هناك في القاهرة، التي تجمع العرب تحت مظلتها، وجه الأمين العام لجامعة الدول العربية، دعوة حماسية، لحركة حماس، وطالبها بشكل حماسي، بالتخلي عن إدارة قطاع غزة.
ولأن هذه الحركة الفلسطينية، التي تقود المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، لا تحتاج إلى دعوة «أبو الغيط» لتأكيد أنها لا تتمسك بحكم القطاع، ما دام ذلك يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني، وقضيته العادلة، في هذه المرحلة المصيرية.
من الواجب على «أبو الغيط»، المتحمس بشدة للموقف الحماسي، إثبات أن موقفه السياسي، ينبع من قناعة ذاتية، وليس من توجيهات خارجية!
وهذا لن يتحقق، إلا من خلال تطبيق «نكران الذات»، على نفسه أولاً، والمبادرة بالتخلي عن منصبه القيادي في الأمانة العامة، التي تشهد في عهده حالة غير مسبوقة من الضعف والوهن والهوان، والانفصام عن الواقع.
ويكفي أن «الأمين العام»، لم يكلف نفسه بزيارة قطاع غزة، ولم يبادر بزيارة مدينة «العريش» المصرية المتاخمة للقطاع الفلسطيني، لتفقد أحوال الجرحى الفلسطينيين الذين يتلقون العلاج في مستشفى المدينة.
ولم يفكر ـ مجرد التفكير ـ بالوقوف من بعيد، أمام بوابة «معبر رفح»، والتقاط صورة «سيلفي» أمام المعبر، عند الجانب المصري، وهو يمسك بعلم فلسطين، ويلوح به بيده اليمنى، أو علم الجامعة العربية، أو علم «نيكاراغوا»، التي بادرت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، تضامناً مع الشعب الفلسطيني، واحتجاجاً على استمرار العدوان الإسرائيلي، ورداً على الإبادة الجماعية الوحشية، التي ترتكبها الحكومة الصهيونية الفاشية، ضد الفلسطينيين!
وكان يمكنه الذهاب إلى هناك، وفي يده «كوباية» شاي، أو صينية «بسبوسة»، أو «ربطة خبز»، في دلالة رمزية تعبر عن تضامنه مع أطفال غزة وأهاليهم، ورفضه لتجويعهم، ووقوفه إلى جانبهم، وسعيه لكسر وطأة الجوع، الذي تعاني منه تلك الجموع، التي لم تعرف «الهجوع»، ولا كيفية الرجوع الآمن إلى منازلهم والعودة الى بيوتهم المدمرة، ويعانون الحرمان، ويحتاجون إلى الدعم والرعاية وتوفير الأمان، والكثير من الحنان من الجامعة العربية.
لكن «أبو الغيط» اكتفى بإرسال، مساعده «حسام زكي» لزيارة المعبر في منتصف الشهر الجاري، بعد مرور أكثر من عام على إطلاق الصاروخ الإسرائيلي الأول، على قطاع غزة!
وهذا يؤكد إشكالية القصور، ومشكلة التقصير، في تعامل الأمانة العامة، مع مأساة الفلسطينيين، بسبب اتباعها الأسلوب الإداري السقيم، والأداء العقيم، الذي لا يستقيم، مع معاناة الشعب الفلسطيني العظيم.
وربما لا يعلم «أبو الغيط»، أن «أنطونيو غوتيرش» الأمين العام للأمم المتحدة، حضر خصيصاً من نيويورك، للتضامن مع الفلسطينيين، وقام بزيارة تضامنية في شهر مارس الماضي، إلى رفح الواقعة على بعد أمتار، من الخاصرة الرخوة في قطاع غزة، وتوقف أمام بوابة المعبر، ووجه حديثه لأهالي القطاع قائلا:
«لستم وحدكم».
كل هذه المواقف، وتلك الوقفات، تؤكد أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تعيش في عهد أمينها العام، حالة مأساوية، من الترهل الإداري، والانتفاخ الذاتي، والانفصال التام عن قضايا الأمة، الذي يستوجب على «أبو الغيط» التخلي الفوري، والتنازل الطوعي عن المنصب القيادي.
الغرب الذي فضحه إبستين
لهذا لم يكن هناك تعاطف لأطفال ورُضع غزة حينما كانت تُنتَزع أرواحهم انتزاعا ويُمثَل في أجسادهم الصغيرة لأنهم... اقرأ المزيد
30
| 12 فبراير 2026
إبستين.. ووجه الحرية القبيح
حين تفجَّرت فضيحة جيفري إبستين، حاول كثيرون حصرها في إطار «جريمة أخلاقية فردية»، أو «انحراف شخصي»، أو «ثغرة... اقرأ المزيد
36
| 12 فبراير 2026
سلوك الناس.. اعترافات صامتة في العمل
في بيئة العمل، لا تكون التصرفات اليومية عشوائية أو بلا معنى: تعليق ساخر، تجاهل متعمد، تقليل من جهد،... اقرأ المزيد
33
| 12 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
12435
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1227
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
783
| 10 فبراير 2026