رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا ريب أن انشقاق العقيد الطيار البطل حسن مرعي حمادة عن نظام الطغيان والفاشية في سورية كان حدثا مدويا في العالم كله، ليس لأن هذا الانشقاق فريد من نوعه، حيث إنه قد فر عدة طيارين وضباط كبار في سلاح الجو سابقا وأثناء الحراك الثوري ضد عصابة الإجرام الأسدية ولكن لأن الانشقاق في هذا الوقت بالذات حيث يصر نظام الأسد أنه قوي غير متخلخل يشكل إحدى الضربات الصاعقة له حيث يظهر أن مثل هذا الطيار وبهذه الرتبة الكبيرة قد انحاز إلى الشعب وثورته ليزيد من فرض الوقائع المؤثرة المعبرة على الأرض لا لمجرد الاستغراق الممل في ظلام دهاليز السياسة وبيع الكلام وإعطاء الفرص غير المجدية لحل الأزمة على حساب عشرات آلاف الضحايا بدم بارد والقمع الوحشي النازي من أجل سحق ثورة الشعب الثائر، فقذيفة الحق هذه لن تنسى في سجل نظام الإرهاب في دمشق ولذلك لاحظنا أنهم اعترفوا بعد ذلك صراحة بهذا الانشقاق، وصرح وزير الدفاع العماد داود راجحة أن هذا الطيار يعتبر فارا من الجيش وخائنا للوطن وسيلقى حسابه، في حين سارعت الحكومة الأردنية في اجتماع رئاسة الوزراء إلى تقديم اللجوء السياسي لهذا البطل حسب القانون الدولي وهذا يدل على شجاعة وموقف نبيل منهم مؤازرة لشعبنا الذبيح ورفعا لمعنوياته ودفعا في تعبئته، وغير خاف أن هذا الفعل الجهادي الطموح المغامر بهذه الشجاعة النادرة - رغم توقع كل المخاطر – سيكون حافزا رافعا لانشقاقات عدة من ضباط الجيش في سلاح الأرض والجو ومثبطا لمعنويات الجيش الخائن وإن انشقاق العقيد الطيار رافضا الاشتراك في ضرب مواقع الثوار في درعا الحدودية مع الأردن قد أدى في اليوم الثاني إلى انشقاق اربعة ضباط عمداء وعقداء من الجيش النظامي، وإن الغيث أوله قطر ثم ينهمر، ومن يتابع التحركات الروسية والأمريكية للقاءات قريبة لبحث الملف السوري بقوة هذه المرة يدرك مدى قيمة انشقاق العقيد الطيار، ومن يلاحق مسلسل المجازر الوحشية السابقة والحاضرة وتسعير القمع الشرس الذي يوفي به بشار بعد تهديده في خطابه الأخير يحس كم يقوي موقف الطيار ويلهب حماسة الشعب ويمنحه جرعة ناجعة لمواصلة الثورة رغم كل العذابات والفواجع، ويقدمه وهو يجاهد إلى أبواب النصر وهنا لابد أن أشير إلى أن العقيد الطيار لم ينشق إلا من أجل الحق الأحق ونصرة شعبه الذي خذله الحكام والمجتمع الدولي، كما عنون الثوار جمعتهم السابقة إذا خذلنا الحكام فأين الشعوب؟ فالطيار واحد من هذا الشعب المظلوم وهذه نصرته لهم عمليا وليس كما ذهب البعض أن انشقاق الطيار إنما جاء استجابة للرسالة الصوتية التي وجهها السفير الأمريكي في دمشق روبرت فورد ودعا فيها الضباط ورجال الأمن إلى الانشقاقات ومن هنا رحب البيت الأبيض بانشقاق الطيار واعتبر ذلك خطوة في الطريق الصحيح، فمتى كان الأحرار يستجيبون لنداءات أمريكا التي وإن كانت تبدي معارضة للنظام ظاهريا وتفرض بعض العقوبات التي لم تجد عليه إلا أنها تشارك فعليا في قتلنا السريع والبطئ بمواقفها المصلحية التي تتناغم مع أمن إسرائيل ولا تقف موقفا عمليا يوقف روسيا عند حدها ولو في الحدود الدنيا، ولا هي تسمح وتسهم في إنشاء مناطق آمنة في سورية أو حظر جوي حماية للمدنيين، وبالتالي فإن موقف الطيار موقف مبدئي ذاتي مستقل يمثل إرادة الشعب وطموحاته ومن هنا نجد كيف أن السلطة الباغية أسرعت بحرق منزله كما تعاقب الشعب بمثل هذه الأفعال الرخيصة الحاقدة شأن رئيسها الذي أخذ اليأس يأكله أكلا شيئا فشيئا، ولعل الموقف الشعبي الذي أبرزه الطيار وبلوره فزاده ألقا وعمقا بجواب نعم نعم وألف نعم لهذا الشعب العظيم وخطابه السامي، نعم لمبدأ أن الشعب أقوى من الحكومة وحقه أقوى من باطلها سيما أن سلاح الجو يعتبر عمودا فقريا ومؤسسته هي الأكثر ولاء للنظام.
نعم لحال الطيار النفسية العالية وهي تحقق قوله تعالى (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) محمد: 31، نعم للبلبل السوري بطل الحرية الذي يغني: حيث تكون الحرية يكون الوطن وأنه كما قال الأخطل الصغير:
نفس الكريم على الخصاصة والأذى
هي في الفضاء مع النسور تحلق
وكما قال عمرو بن يحيى:
الحزم قبل العزم فاحزم واعزم
وإذا استبان لك الصواب فصمّم
ومتى توافرت الإرادة سهلت الطريقة وتحققت المعجزات وكما قال زينون: كلنا نجذف في قارب واحد ويد الله مع الجماعة كما قال صلى الله عليه وسلم وإن مثل هذه الثوابت هي التي تعزز الثقة في النفوس حتى تلهم الآخرين وتقودهم إلى هذه الثقة كما قال غوته وهوراس وبهذا تعود سورية لشعبها قلعة حصينة أمام الغزاة والمغتصبين الجدد وان هذا الطيار الذي هو الشعب نفسه قد قام بواجبه القانوني الذي لا يقبل المخالفة كما قال فيكتور هيجو وقد أدى في أيام مشهودة وبهذا الموقف يستريح الضمير الذي هو المحكمة العادلة اليقظة في النفوس فياله من نجاح طار بجناحه طيارنا المغوار بطموح لا يشيخ.
أما من الجانب الآخر فإنه قد عبر بحاله أكثر من مقاله عن رفضه ورفض شعبنا الأبي لأوامر الجلادين ومن في جيشهم من الإمعات والخونة وأسقط خطاب الرئيس القاتل الرافض للتصالح مع الأحرار والوطنيين وهنا جاءت اللاءات تترى فألف لا لقاتل الإنسانية المتوحش الذي لا يخجل من أي قبيح ثم يدعي الإصلاح، جاءت لا بكل صدق ليبين الطيار أن للمرء الحق في حرية أن يختار كسر القيود على ذل العبيد منشداً مع المتنبي:
وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى
وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
وانه لا يمكن أن يشارك في قتل شعبه لأن مثل هذا الذوق السيئ هو الذي يقود إلى الجريمة في حقه وأنه المواطن الصالح الصادق الأمين وليس الخائن الذي يبيع الوطنية باللسان ويخالفها بالافعال كما قال قاسم أمين: إن الوطنية تعمل ولا تتكلم، أو كما قال بوالو: يمكن للمرء أن يكون رجلا دون أن يدمر الأرض، فهذا المسلك إنما يقوم في دولة الأشخاص لا دولة القانون، وألف لا للخيانة فمثل الذي يخون وطنه ويبيع بلاده مثل الذي يسرق من مال أبيه ليطعم اللصوص فلا أبوه يسامحه ولا اللصوص يكافئونه كما قال نابليون، والخائن يكرهه الجميع ولكن الوضع للأسف اصبح كما قال غاستون اندربولي: كم خائن اليوم لا يشنق بل يشنق الآخرين، وإذا كان بشار قال في خطابه الأخير نقول للوطني وطني ولغيرالوطني غير وطني، فإن الوطني الحقيقي هو من عرف ربه ونفسه وشعبه وعند ذلك لن يضره ما يقول أي إنسان عنه طوبى لطيارنا الأسد الحقيقي ولمن يلحق به في درب البطولة في سورية وألف لا لمن يحكمون العباد والبلاد بلا إخلاص ويا شعبنا المصابر اهتف مع أبي تمام مثابرا على الثورة حتى النصر:
إذا قلت في شيء نعم فأتمه
فإن نعم دين على الحر واجب
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
489
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
604
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
411
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3432
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3231
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1248
| 01 أكتوبر 2026