رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تستضيف طهران هذا الأسبوع اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في منتدى حوار التعاون الآسيوي “ACD”، حيث سيشارك في الاجتماع وزراء وكبار المسؤولين من الدول الـ 35 الأعضاء في المنتدى، بالإضافة إلى رؤساء المنظمات الإقليمية ومتعددة الأطراف الآسيوية.
يأتي هذا الحدث متعدد الأطراف المهم في وقت يخيم فيه الحزن على الجمهورية الإسلامية الإيرانية إثر استشهاد اثنين من رواد التعدّدية، فخامة الرئيس آية الله رئيسي ومعالي وزير الخارجية الدكتور أمير عبداللهيان. وكان قد تم التخطيط في وقت سابق لعقد هذا الاجتماع في طهران بدعم من هاتين الشخصيتين الكبيرتين وفي سياق رؤيتهما طويلة الأمد، حيث كان يولي الرئيس ووزير الخارجية الشهيدان اهتماماً كبيراً وجدياً بعدم حصر التعاون في التعاون مع الغرب وعدم الاعتماد عليه، من خلال التوجه نحو الشرق، وتعزيز الهوية الآسيوية، وفي نهاية المطاف، وضع سياسة حسن الجوار في خدمة التنمية والأمن الجماعيين. لا شك في أن التقارب الإقليمي في إطار العضوية الفعالة في المنظمات الإقليمية والعالمية سيحرر المجتمع العالمي من آفات نظام الهيمنة ويدفع نحو التعددية باعتبارها السبيل إلى تحقيق العدالة على الساحة الدولية. ومن هذا المنظور يمكن تقييم الاهتمام الخاص الذي أولته حكومة الرئيس رئيسي لمنظمة شنغهاي ومجموعة بريكس، والذي بدأ بإضفاء الطابع الرسمي على عضوية الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هاتين الآليتين الدوليتين من منطلق فكرة التعددية واستمر من خلال المشاركة النشطة فيهما. وينبغي، في سبيل تحقيق التعددية، الاهتمام أيضاً بالهوية والمثل العليا، وهو حاجة ملحة بإمكان منتدى حوار التعاون الآسيوي أن يلبيها. إن مشاركة القوى الناشئة في هذا المنتدى تعطي زخماً أكبر لعملية تطور هوية هذا المنتدى وستعزز الآمال في مستقبله المشرق.
لا یزال یخیم على آسيا والعالم حزن عميق وصدمة شديدة بسبب استمرار الجرائم والإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني في غزة. اليوم وبعد مرور أكثر من 8 أشهر على الكارثة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، فشل المجتمع الدولي في وقف هذه الانتهاكات والاعتداءات على الأبرياء، خاصة النساء والأطفال، بسبب العقبات التي وضعها نظام الهيمنة العالمي. وفي هذا الخضم، قد بذل أعضاء منتدى حوار التعاون الآسيوي، كل بدوره، جهوداً من أجل إنهاء هذه الجرائم وإقرار وقف إطلاق النار وإرسال المساعدات الإنسانية إلى غزة، مع ذلك، فإن الجهود الجماعية في هذا الصدد لا تزال ضرورة ملحة وخطوة نحو تحقيق أهداف هذا المنتدى وهو ما سيتم التأكيد عليه خلال الاجتماع الذي سيقام في طهران.
ويجدر بالذكر أنه في شهر يونيو/ حزيران، وأثناء اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية (D8) في تركيا، شهدنا مساعي الدول الأعضاء في تلك المجموعة لتبني مواقف جماعية لوقف الهجمات وإنهاء أعمال الإبادة الجماعية في غزة.
إن منتدى حوار التعاون الآسيوي الذي تأسس في عام 2002، يغطي مساحة كبيرة من قارة آسيا الشاسعة؛ تضم الدول الـ 35 الأعضاء في هذا المنتدى 56 % من سكان العالم وتملك 35 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسعى من خلال الحوار والشراكة إلى تطوير العلاقات في مختلف المجالات، بما فيها المواصلات، والاتصالات، والعلوم والتكنولوجيا والابتكار، والتعليم وتنمية الموارد البشرية، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة والأمن المائي، والثقافة والسياحة، والتنمية الشاملة والمستدامة.
قد انضمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى منتدى حوار التعاون الآسيوي في عام 2004 وتعتبر أحد الأعضاء الفاعلين فيه. ومنذ أكتوبر 2023، تولى وزير الخارجية الشهيد، السيد حسين أمير عبداللهيان، رئاسة هذا المنتدى. بالإضافة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يضم المنتدى أعضاء آخرين هم تايلاند، وإندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وبروناي، وسنغافورة، وكمبوديا، وفيتنام، وميانمار، ولاوس، والنيبال، وروسيا، وتركيا، واليابان، والصين، ومنغوليا، وكوريا الجنوبية، والهند، وأفغانستان، وباكستان، وبنغلادش، وسريلانكا، وبوتان، والكويت، والبحرين، والسعودية، وقطر، والإمارات، وعمان، وفلسطين، وكازاخستان، وأوزبكستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان.
إن أحد الأهداف الرئيسية التي أعلنها المنتدى هو تشكيل «المجتمع الآسيوي». بالنظر إلى الثراء الثقافي والقيم الآسيوية الراسخة، فضلاً عن الإمكانات والمقدرات الكبيرة الاقتصادية والتكنولوجية في هذه القارة، إذا تعزز الشعور المشترك لدى شعوب قارة آسيا في الانتماء إلى مجتمع آسيوي، فلا شك في أنه سيجلب لهم الكثير من البركات والمكاسب. كما من شأنه أن يشجع الدول الآسيوية على إنشاء تحالفات آسيوية وبالطبع «الاتحاد الآسيوي» في الوقت المناسب، ويمكن لمنتدى التعاون الآسيوي أن يلعب دوراً مهماً في هذا الصدد. في هذا السياق، لا ينبغي أن نتجاهل تأثير التفاعل بين الشعوب والدور الذي يلعبه القطاع الخاص في تحقيق هذه الأهداف القيمة. كما تشكل السياحة والتبادلات الثقافية بين بلدان آسيا، والدور القوي للقطاع الخاص لدى الدول الأعضاء في التعاملات الاقتصادية والتجارية بين البلدان الآسيوية، محركاً فعالاً في هذا الصدد.
في فترة رئاستها لهذا المنتدى، اتخذت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطوات جيدة في كلا المجالين المذكورين أعلاه. فقد وفر إعلان مدينة يزد “العاصمة السياحية لمنتدى حوار التعاون الآسيوي في عام 2024” أرضية مناسبة لعقد بعض الأنشطة والبرامج السياحية - الثقافية الآسيوية. كما سيتم عقد اجتماع لوزراء السياحة للدول الأعضاء في المنتدى في مدينة يزد هذا العام ليقرروا أوجه التعاون المستقبلي. كما استضافت مدينة أصفهان، في مايو هذا العام، غرف التجارة للدول الأعضاء في المنتدى، حيث تم التوصل إلى توافقات حول بعض الإجراءات المشتركة المستقبلية ونشر «ميثاق أصفهان”.
إن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية تقوم على أساس التعددية، وحسن الجوار، والتنمية الجماعية من خلال الإقليمية؛ لذلك فإن التصدي للأحادية والهيمنة، ودعم الآليات متعددة الأطراف الإقليمية الدولية، هي من أولويات الدبلوماسية الإيرانية. وعليه، وظّفنا فرصة رئاستنا لمنتدى حوار التعاون الآسيوي لتعزيز وترسيخ أسس الحوار والتعاون، وبدعم من الدول الأعضاء والأمانة العامة للمنتدى، قد تم اتخاذ خطوات فعالة وإيجابية في هذا الصدد. وستتم مناقشة بعض هذه الإجراءات والمبادرات خلال اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في طهران لاتخاذ القرارات المناسب بشأنها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4602
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1260
| 28 سبتمبر 2026