رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يحدث في مصر الآن ليس مدهشا فقط ولكنه مريب أيضا، لذلك فنحن مدعوون لئلا نأخذ الأمور بظاهرها، وأن نفكر جيدا في هوية الأطراف التي تحركها وحقيقة الأهداف التي تتوخاها.
(1)
جبان وعميل للأمريكان. هذان الوصفان أطلقهما على الرئيس محمد مرسي، عضو في مجلس الشعب عن حزب المصريين الأحرار، الذي أسسه السيد نجيب ساويرس. وقد ورد الاتهام في ثنايا خطبة ألقاها العضو المذكور أمام مؤتمر أقيم بمركز مؤتمرات الأزهر بمدينة نصر. ودعا إليه تكوين جديد باسم «التحالف القبطي الصوفي». وقد نشرت صحيفة «المصري اليوم» عرضا لوقائعه في العدد الصادر يوم 18 يوليو الحالي. ولم يكذب الكلام، وإنما مر كأن الاتهام شيء عادي لا غضاضة فيه ولا مؤاخذة عليه.
الهجوم على الرئيس مرسي ليس جديدا، ولكن تصعيده إلى حد وصف الرجل بالجبن والعمالة يصيبنا بدهشة بالغة. قبل أيام قليلة وصف أداؤه بالبلطجة السياسية في عنوان صحفي، وأشار إليه عنوان صحفي آخر بأنه «الرئيس الفضيحة»، وحين تسلم السلطة نشر أن «الفاشي» وصل إلى قصر الرئاسة. وفي أحد الأعداد ذكر عنوان تصدر الصفحة الأولى باللون الأحمر أنه «رئيس تحت الصفر». كما أشارت صحيفة أخرى إلى أن عضوا بالكونجرس تحدث عن أن أمريكا اشترته بخمسين مليون دولار!
هذا قليل من كثير تحفل به الصحف المصرية الصفراء في الأغلب. وهو ليس نقدا للرجل مما ندعو إليه ونشجعه، ولكنه سب علني وقذف يعكس المدى الذي ذهب إليه البعض في التطاول والاجتراء بعدما رفع الإصر عن الإعلام المصري وعن كل مصر بعد الثورة. ولأول وهلة يبدو الأمر وكأنه من قبيل الانفلات الذي أصاب وسائل الإعلام بعد سقوط الرئيس المقدس والإله وانتخاب رئيس ليس مجرد مواطن عادي فحسب، ولكنه من الإخوان أيضا. والأول مهدور الحق، والثاني مستباح عرضه وكرامته.
ما يلفت النظر في حملة الحط من كرامة الرئيس أن الذين يشاركون فيها لم نعرف عنهم جرأة ولا شجاعة في مواجهة السلطان، وإنما عهدناهم حملانا وديعة لم يتجاوز حلمها حدود الانضمام إلى حاشية السلطان واستجلاب رضاه. من هؤلاء أيضا نفر من أهل القضاء تطاولوا حتى وجهوا إلى الرئيس إنذارا طالبوا فيه بالتراجع عن قرار له خلال 36 ساعة وراحوا يسخرون منه ويلمزون فيه، في حين سكتوا ولم نسمع لهم صوتا يحتج على تزوير الانتخابات في السابق. وكنا قد رأيناهم حينما تستروا على تسفير المتهمين الأمريكيين في قضية التمويل الأجنبي ولم يروا في تلك الصفعة العلنية أي إهانة للقانون أو القضاء.
هذا الاستقواء على رئيس الجمهورية إلى حد اتهامه بالجبن والعمالة ليس أمرا عاديا، ولكنه يثير سؤالا كبيرا حول أهدافه وسؤالا أكبر وأخطر حول هوية الجهات التي تقف وراءه.
(2)
الأمر جدير بالتوقف عنده، فإهانة رئيس الجمهورية والحط من كرامته يشكلان أحد أضلاع مثلث مريب يرتسم في الفضاء المصري ويستدعي سيلاً آخر من الأسئلة. الضلع الثاني يتمثل في تخويف الرأي العام من شبح مواجهة أهلية يعد لها في مصر. ليست جديدة فزاعة الإخوان التي ألفناها منذ أكثر من ستين عاما. ولكن الجديد هو تلك الرسائل التي تبث من خلال وسائل الإعلام ملوحة باحتمالات حدوث قلاقل في البلد. فهي تحدثنا حينا عن «ميليشيات» تتدرب في بعض الأماكن النائية. وعن «حرس للثورة على الطريقة الإيرانية يعده الإخوان وفي أحيان أخرى تتحدث عن عشرة ملايين قطعة سلاح تسربت إلى داخل مصر عبر الحدود الليبية. وخطورة مثل هذه الشائعات لا تتمثل فقط في مضمونها الذي يفترض أن يشيع التوتر والقلق، لكنها تكمن أيضا في صدورها عن أطراف يفترض أنها وثيقة الصلة بالأجهزة الأمنية في البلد. الأمر الذي يشكك في أن تلك الأجهزة. أو عناصر فيها على الأقل. لها مصلحة ما في الترويج لتلك المعلومات. ذلك أننا حين نسمعها مثلا من لواء سابق في الجيش يقال لنا إنه خبير إستراتيجي، فإن أول ما يخطر على بالنا مجموعة من الأسئلة منها على سبيل المثال: إذا صح هذا الذي يقال، فلماذا تقف الأجهزة الأمنية متفرجة عليه؟ لماذا لا تبادر إلى ضبط وإحضار تلك الميليشيات للتحقيق مع مسؤوليها وعناصرها. ولماذا لا تقرر شن حملة لمصادرة تلك الملايين من الأسلحة التي يدعون تسريبها إلى داخل البلاد. وهل يمكن أن نفترض البراءة في السكوت على ذلك والاكتفاء بإبلاغنا بشأنه من خلال التليفزيون؟!
الضلع الثالث في مثلث الاسترابة يتمثل في محاولة استفزاز الجيش واستثارته. ذلك أن لك أن تتصور رد فعل أي ضابط حين يقرأ عنوانا رئيسيا على الصفحة الأولى لإحدى الأسبوعيات يتحدث عن «تسريح الجيش المصري». وتحويله من تشكيلات مقاتلة إلى فرق لمكافحة الإرهاب الدولي. ثم نجد في العناوين أن الخطة تتفق مع رغبة الإخوان في اختراق القوات المسلحة لإضعافها وإعادة هيكلتها للسيطرة عليها. وحين نقرأ الكلام نجد أن هناك خطة بهذا المضمون أعدت منذ ثماني سنوات، ولكن المشير طنطاوي رفضها، (دون أي إشارة إلى موقف الرئيس السابق الذي لم نعرف أنه رفض للأمريكان طلبا). في ذات الوقت نقرأ عنوانا على الصفحة الأولى أيضا ينقل عن المخابرات المركزية الأمريكية ادعاءها بأن الجيش المصري سيتحول إلى جيش إسلامي خلال 5 سنوات. كما نقرأ في موضع آخر تلميحاً إلى أن الإخوان على استعداد للتنازل عن جزء من أرض سيناء لصالح حركة حماس أو غزة، لكي تتوسع فيها وتمدد «إمارتها» الإسلامية.
الترويج لمثل هذه الشائعات المكذوبة له هدف واحد هو استعداء القوات المسلحة ودفعها إلى الانخراط في الاصطفاف الذي تشهده البلاد، لكي تصبح جزءا من المعركة الدائرة حاليا لإفشال الرئيس المنتخب وإسقاطه.
(3)
هل هي مصادفة أن يجتمع ذلك كله في وقت واحد. أعني أن يهان الرئيس وتستباح كرامته في حين يشاع أن مصر يهددها شبح الحرب الأهلية، وأن جيشها يراد تسريحه وإحلال الميليشيات الإسلامية مكانه بدعوى الدفاع عن الأمة الإسلامية. سنقترب من الإجابة إذا تأملنا: الضلع الأول من مثلث الاسترابة الذي نتحدث عنه. إذ حين نجد أناسا لم نعرف عنهم لا شجاعة ولا سجلا نضاليا ولا استعدادا للتضحية، يرتدون فجأة مسرح الفرسان ويمتشقون سيوف المقاتلين الصناديد، فينبغي أن نتساءل عن سر ذلك التحول. وإذا استبعد خيالنا فكرة تلقيهم حبوب الشجاعة التي تحول الحملان إلى فرسان، فلن يبقى أمامنا سوى احتمال واحد هو أن يكون هؤلاء قد اتكأوا على أحد مصادر القوة التي ساندتهم وحفزتهم.
ستلاحقنا الشكوك أيضا إذا ما نظرنا إلى مصادر التلميحات التي تتحدث عن احتمالات الحرب الأهلية، والتسريبات التي تحذر من تسريح الجيش أو التفريط في أرض الوطن، وحينئذ سيبرز السؤال الكبير: من صاحب المصلحة في كل ذلك؟
لن أختلف مع من يشير إلى دور بعض المثقفين والسياسيين الهواة الذين دخلوا إلى الساحة بعد الثورة، وشغلوا بتصفية الحسابات وصراعات القوى، وحولتهم الفضائيات إلى «نجوم» وهميين استغرقتهم الحروب الصغيرة ولم يروا غيرها. إذ لست أشك في أن لهؤلاء إسهامهم في تسميم الأجواء وتعميق التناقضات. لكنني أزعم أن اللعبة أكبر من هؤلاء. وأن هناك أطرافا أخرى ذات بأس وقوة لها دورها في توتير الأجواء وتأزيم الموقف الداخلي. وسواء سميت تلك الأطراف بالدولة العميقة أو الدولة الحارسة أو مراكز القوى، فما يجمع بينها أنها موجودة داخل مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن، وأنها رافضة لما يجري وتستهدف تغييره على نحو يصفي حساباتها ويحمي مصالحها. وليس ذلك كله مجرد استنتاج، لأن المعلومات التي تسربت عن سيناريوهات معركة انتخابات الرئاسة، تدل على أن تلك الأطراف ساندت الفريق أحمد شفيق بكل ما تملك من إمكانات ونفوذ، وأنها خططت لتمكينه من الفوز. وللادعاء بحدوث اضطرابات بعد ذلك تتهم بالضلوع فيها خلايا قادمة من قطاع غزة، الأمر الذي يبرر إعلان الأحكام العرفية، ويؤدي إلى استعادة نظام مبارك بعد ذلك بصورة تدريجية.
(4)
إننا إذا تتبعنا المعارك التي شهدتها مصر منذ قامت الثورة في 25 يناير من العام الماضي، سنجد أنها تدور بين المثقفين والقوى السياسية من ناحية، وبين مؤسسات الدولة بعضها البعض من ناحية ثانية. ومن ثم سنلاحظ أن هذه المعارك بعيدة كل البعد عن الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، خصوصا ما تعلق منها بإقامة الدولة الديمقراطية المستقلة، التي تتبنى قيم الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية. لا أخلي مسؤولية حزب الحرية والعدالة الذي يمثل الإخوان عن جانب من الارتباك الحاصل، ذلك أن الحزب لم ينجح في اختبار التوافق، كما أن حساباته أخطأت في قراءة الخريطة الإستراتيجية للواقع المصري. وموازين القوى فيه، إلا أن النخب والجماعات السياسية الأخرى ظلت طول الوقت مشغولة بحساباتها ومعاركها الخاصة المتعلقة بحضورها وحظوظها، ولم تعط معركة الوطن حقها من الأولوية أو الاعتبار، ولا يعفى المجلس العسكري من المسؤولية أيضا، لأنه حتى إصدار الإعلان الدستوري المكمل في 17 يوليو الماضي، كان بدوره مشغولا بسلطاته وحصته ولم نستشعر في التعديل اكتراثا بأهداف الثورة وتسليم السلطة إلى الشعب صاحب الثورة.
هذا الاستغراق في المعارك الصغيرة يمثل سحبا من رصيد الإعداد للمعركة الكبرى التي تدور رحاها حول أهداف الثورة وتأسيس النظام الديمقراطي الجديد. وحين يحدث ذلك فإن الأبواب تنفتح تدريجيا أمام المتربصين بالثورة الذين يوهموننا الآن بأنهم يصوبون سهامهم ضد الإخوان، في حين أن الهدف الحقيقي أبعد من ذلك وأكبر. إنهم يمهدون للانقلاب على الثورة - لذا لزم التنويه والتنبيه.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1245
| 28 سبتمبر 2026