رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن البعض أصبحوا يستسهلون استفزاز المسلمين واستثارتهم من خلال التطاول على مقدساتهم وإهانتها. حتى صار بمقدور أي طائش أو كاره أو ساع للرواج والإثارة أن يقدم على خطوة من ذلك القبيل، لكي يستدرج آلاف المسلمين الغيورين والغاضبين إلى الشوارع من إندونيسيا إلى نيجيريا. وأمثال هؤلاء المتطاولين لا يفعلون ذلك من قبيل ممارسة حرية التعبير أو شجاعة الرأي، لأن كلا منهم يصاب بالخرس ولا يستطيع أن يفتح فمه بكلمة حتى إذا كانت على سبيل النقد الخفيف لا للعقيدة اليهودية فحسب، وإنما للتاريخ اليهودي أيضا. بوجه أخص فإن الأوروبيين الذين يتمسحون في حرية التعبير لتبرير تطاولهم على مقدسات المسلمين، يستسلمون للجبن المهين ولا يجرؤ واحد منهم على أن يدافع عن أي باحث أنكر شيئا من التاريخ اليهودي الذي يصر رواته على أن ضحايا المحرقة النازية هم ستة ملايين شخص، لا يستطيع أحد أن ينقص منهم واحدا. ومجنون أو يضحي بمستقبله العلمي من يشكك في المحرقة. وقانون «جيسون» في فرنسا يتكفل بردع كل من تسول له نفسه أن يدوس لليهود على طرف.
يطول بنا الحديث لو أننا شغلنا أنفسنا بالإجابة عن السؤال: لماذا يفعلون معنا ذلك، من الرسوم المسيئة التي ظهرت في الدنمرك منذ ست سنوات، إلى الشريط المنحط الذي ظهر في الولايات المتحدة مؤخرا، إلى استمرار مسلسل الإهانة والتطاول في فرنسا من خلال إحدى المجلات، وهي العدوى التي انتقلت إلى ألمانيا وربما كانت في الطريق إلى إيطاليا. ولا يستبعد أن ينتشر الوباء في دول أخرى، بعدما أصبحت اللعبة تستهوي البعض، الأمر الذي يضمن لهم الرواج والشهرة من ناحية، ويحقق غرضهم في استفزاز المسلمين واستثارتهم إلى جانب تشويه صورتهم والذي تتكفل به انفعالات بعض الغاضبين التي يتعذر التحكم فيها. خصوصا أن شرارات الغضب تنتشر في العالم الإسلامي بأسره.
حتى إذا كانت محاولات التجريح والإساءة مجرد حلقة حديثة في المسلسل المستمر منذ نزول الرسالة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك لا ينبغي أن يقابل بالسكوت، ويستحق الغضب لا ريب. لذلك فإنني أعذر الغاضبين وأتضامن معهم في موقفهم، لكنني أختلف مع طريقة التعبير عن تلك المشاعر. وإذ أقدر مواقف الجهات الرسمية أو المؤسسات الدينية في المجتمعات الغربية التي استنكرت دعوات إساءة المقدسات الإسلامية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يثنينا عن الغضب وإن ساعدنا على تحديد وجهته.
في هذا السياق يتعين علينا أن ندرك أن أغلب السياسيين في الدول الغربية لا يكنون ودا أو احتراما للعرب والمسلمين، وأن كفة حسابات المصالح عندهم أرجح بكثير من كفة القيم والمبادئ. وموقفهم الظالم من قضية فلسطين مكشوف للكافة، كما لم تعد خافية مساندتهم للأنظمة المستبدة في العالم العربي مادام ذلك يحقق مصالحهم. ولا أحد ينسى أن البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية) قرر في إحدى جلساته أن يحسم قضية تاريخية تتعلق بدعوى إبادة العثمانيين للأرمن أثناء الحرب العالمية الأولى، ولم يبال بتفجير أزمة سياسية مع تركيا، لمجرد رغبة الرئيس السابق نيكولاي ساركوزي في كسب أصوات 100 ألف شخص من أصول أرمنية يعيشون في فرنسا.
لا نضيف جديدا إذا قلنا إن حسابات المصالح هي التي تحرك أغلب إن لم يكن كل الساسة الغربيين. لكني استعدت تلك الخلفية لكي أدعو إلى مخاطبتهم بنفس اللغة. أعني أنه مادامت المصالح هي التي تهمهم قبل أي شيء آخر، فلماذا لا نتوجه بغضبنا نحوها، لكي نوصل إليهم رسالة توجعهم ردا على إهانة مقدساتنا، وهي رسالة للمتحاملين وإنذار في الوقت نفسه للذين تراودهم الرغبة في الانضمام إلى المتطاولين والكارهين.
لقد ثبت أن المظاهرات الصاخبة تظل فرقعات في الهواء لا تقدم ولا تؤخر. وتبين أن الاعتداء على السفارات أو على دبلوماسيي الدول المعنية الضرر فيه أضعاف النفع، فضلا عن أنه يعد من قبيل التصدي لجريمة بارتكاب جريمة أخرى. لذلك أزعم أن مقاطعة منتجات وسلع الدول التي يشترك مواطنوها في حملة الإساءة توصل الرسالة الموجعة بأسلوب رصين ومتحضر، ليس فيه ضجيج ولا تسلق لأسوار السفارات ولا إحراق السيارات التي تقف أمامها.
إن البعض يستسهلون استخدام الحناجر واستهداف السفارات وإثارة الزوابع الإعلامية. وهناك آخرون يزايدون على الجميع في ذلك لصرف الانتباه عن مشكلات أخرى تواجه مجتمعاتهم، لذلك فإنني صرت أتعامل بحذر وتوجس مع الصيحات التي تتردد في الفضاء والتشنجات التي نراها على شاشات التلفزيون بين الحين والآخر داعية إلى نصرة رسول الله والتعبير عن محبته والغيرة عليه. لكنني أزعم أن النصرة الحقيقية تكون بتحمل مسؤولية اللجوء إلى عمل جاد ورصين يوصل رسالة الإدانة والغضب إلى المتحاملين والكارهين، ولا أجد سبيلا إلى ذلك سوى إعلان مقاطعة السلع التي تنتجها تلك المجتمعات من خلال حملة شعبية واسعة النطاق تشمل أوسع دائرة ممكنة من العالم العربي والإسلامي.
إنهم إذا لجأوا إلى السخرية والغمز والإسفاف في تجريح مقدسات المسلمين، فبوسعنا أن نلقنهم درسا قويا يرد على الإساءة بضرب المصالح، بمنتهى البلاغة والرصانة والهدوء. وحينذاك سنرد الصاع صاعين، وربما أكثر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026