رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا ريب أن الاستبداد هو الاستبداد مهما كان نوعه وفي أي زمان ومكان ومن أي حاكم صدر، ولما كان فرعون موسى عليه السلام أبشع صورة من صور الاستبداد فإنه أصبح المثل الأسوأ المتبادل في التاريخ للتحذير من كل فرعونية تهلك البلاد والعباد كما يذكر الدكتور سيف الدين عبدالفتاح في كتابه النظرية السياسية من منظور إسلامي ص 420، ونحن منذ البداية نشعر بأن هؤلاء الفراعنة المستعبدين حيثما حلوا دفعت الشعوب ثمن ظلمهم واستبدادهم كل غال ونفيس وأصبح الناس عبيدا أمام أولئك الأسياد، ومن المعروف في علم الإدارة والقيادة مدى خطر القيادة الإرغامية التي يمثلها كل فرعون أمام القيادة الإقناعية التي مثلتها الملكة بلقيس بكل حوار وشورى في دعوة سليمان عليه السلام حيث أدى بها عقلها الراجح إلى إسلامها في النهاية. ولعل في عقد مقارنة سريعة بين الذي كنا نلاحظه في قيادة القذافي على جميع المستويات في ليبيا والذي لمسناه وما زلنا نكتوي بناره في عهد حافظ الأسد وابنه بشار في سورية كنموذجين فرعونيين، فإن ذلك يضعنا على أهم صفات المستبدين الذين لا يفكرون إلا بنرجسيتهم غير مكترثين بالقيم والقوانين، فهم وحدهم النظام المعصوم الذي يعتبر كل من يدلي فيه برأي خارجا عنه ويجب أن يعاقب باسم القانون والوطن والحفاظ على هيبة الدولة! لقد اعتبر فرعون الأول أنه الوحيد الصالح للتخطيط والرأي السديد بل هو الحاكم المتأله المستكبر على الضعفاء (فقال أنا ربكم الأعلى)، "النازعات: 24".
(ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، "غافر: 29"، والعلو الذي يدعيه جعله يفرق بين الرعية حتى لا يتفقوا على كلمة واحدة خدمة لمبدأ فرق تسد وبهذا يضمن خوف الشعب منه، وكذلك أدى به ذلك إلى استضعاف معظم الشعب إلا الفئة التي تلتقي مصالحها بمصالحه، ثم تسليط القسوة والبطش والذبح كأسلوب منهجي لسحق الآخرين، وأعوانه جاهزون لأنهم منتفعون ببقائه، هامان، السحرة، رجال القصر الذين عبر القرآن عنهم بالملأ (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون)، "الأعراف: 127".
ومن المعروف أن مثل هؤلاء يكونون سببا قويا في تسلط الحاكم الذي لا يملك قدرة فاعلة من دونهم إضافة إلى الهمج الرعاع الذين يعتبرون بكثرتهم الظاهرية عناصر فاسدة وإذ هم عامة الشعب الذي يعجز عن رد فرعون عن ظلمه ولا شك أن صورة اليوم وقد رأيناها في ليبيا القذافي وما زلنا نعاني منها في سوريا الأسد من الفوقية وما يغار الناس بعضهم على بعض والاستعانة بالنخب المنافقة وبالكثرة العاجزة والخائفة هي الوجه القبيح لتعامل الحاكم الظالم مع شعبه بالطريقة الإرغامية التي تجعل الناس يسمعون له إما بسبب الخوف أو الطمع وذلك بعكس القيادة الإقناعية التي يطيع الناس فيها تلقائيا برغبة ومحبة وراحة ورضى وهذا ما يؤدي إلى رفع معنوياتهم، خاصة في الحروب والمواجهات أيا كانت ولذا نقل اللواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله في كتابه بين العقيدة والقيادة ص 42 أن نابليون بونابرت كان يرى أن قيمة المعنويات بالنسبة للقوى المادية 75% ثم جاء اللواء (فولر) وقرر أن هذه النسبة 50% لكل منهما بعد التطور الهائل في عالم الأسلحة وهكذا ففعالية الجيوش في القيادة الإقناعية أعلى كفاءة منها في القيادة الإرغامية كما ينقل الأستاذ محمد زكريا النداف في كتابه الأخلاق السياسية ص 292، فإذا عرفنا ذلك أدركنا مدى ارتفاع معنويات الثوار الليبيين المقتنعين بأهدافهم تحت قيادة النوع الأول في مواجهة كتائب القذافي المرغمة والمرتزقة تحت القيادة الثانية مما جعلها في النهاية مهزومة مأزومة وقد هلك القائد والمقود وكذلك فإن الجيش السوري المبني على الأفكار الفاسدة والطائفية من قبل من يرغمهم ما كان متوقعا منه بناء على ذلك أن يصبح مؤهلاً لحرب مع اسرائيل منذ عقود فهو غير مقتنع في معظمه بأن قائديه وطنيون مخلصون بل بات يعرف حق المعرفة أنهم هم حماة إسرائيل لا أعداءها والتصريحات في هذا غزيرة والأفعال أقوى من الأقوال وكذلك فإن ما نراه من انشقاقات زادت كثيرا مؤخراً إلا دليل على أن القيادة الفرعونية الإرغامية سوف تضمحل وأن الإنسان الشريف في الجيش لا يمكن أن يسهم في قتل المتظاهرين والمدنيين.
ثم يضاف إلى ذلك أن منطق الحاكم الفرعوني يقوم على عدم أو ضعف الاهتمام بحجم المعارضة ولكن مع شدة خوفه منها!
قال فرعون الأول: (إن هؤلاء الشرذمة قليلون وإنهم لنا الغائظون وإنا لجميع حاذرون)، "الشعراء: 54-56"، أي حذرون خائفون ولكن كيف يكونون قلة وفرعون خائف منهم متأهب لقتالهم!
إنه المنطق الحكومي نفسه في سورية حيث يزعمون أن عدد المتظاهرين والمعارضة قليل جدا مع أنهم أصبحوا بمئات الآلاف ثم يخدع النظام من لا يعرف سورية بمظاهرات ومسيرات تأييد في دمشق وحلب مباهيا بكثرة عددها وأنها خرجت عفوية تأييداً للأسد وإن كل حر في سورية لا يغيب عنه أنها مُسيَّرات وليس مسيرات بل تقول بالإجبار وتفرز وسائل النقل من كل مكان لنقل الموظفين والطلاب والعمال للمشاركة ثم يا ويل من لم يفعل على نفسه ورزقه و..، ثم أننا نتحداهم بكل قوة: إن مظاهراتكم محروسة ومحمية حتى بالحوامات ولكن مظاهرات الأحرار مستهدفة بالرصاص الحي يوميا، فإن كنتم صادقين فاسمحوا بالمسيرات دون قمع وقتل وستجدون، خاصة الآن ملايين السوريين في وجهكم وهذا ما يعني سقوطكم الفوري وهل دام حكمكم لولا الإرهاب والقمع والفرعونية؟
إن الناس باتوا جميعا يعرفون أن قيادتكم الإرغامية إلى زوال كما زال من قبلكم في تونس ومصر وليبيا والأيام بيننا ودماء الشهداء لن تذهب هباء وإن قيادتكم الإرغامية هذه هي التي جعلت سورية مناحر للمذابح والمجازر اليومية وخاصة في حمص وحماة وادلب ودرعا والرستن وريف دمشق ثم لا يخفى على أحد تضليلكم الإعلامي خاصة في قناة الدنيا كما كان القذافي يضلل الآخرين في تليفزيون الجماهيرية على مسلك تصريحات فرعون الذي يعتبر الإصلاح إفساداً لأنه يخالف السلطة ولابد من اقناع الرعاع بضرورة القضاء على المصلحين (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)، "غافر: 26".
تلك هي الظاهرة الفرعونية وفق الهوى لا وفق الشرع والقانون ثم لا ننسى نغمة الفراعنة من اتهام المخالفين من المعارضة بالتآمر دون أن يقيموا أي اعتبار لعقول البشر التي عرفت أن الثورة السورية ثورة شعبية عفوية ضاق صدرها حتى اختنق أمام هذا الاستبداد الشنيع.
هكذا قال فرعون لموسى (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله...) وهكذا فإن كل من يتعشق السلطة يعتبر كل تذكير ونهي له مؤامرة انقلابية داخلية أو خارجية ثم ما أسهل أن تصاغ لها ادعاءات العصابات المسلحة والإرهابيين والعملاء، أما هم فملائكة أطهار لا نظير لديمقراطيتهم التي تعتبر فيها الشورى شكلانية وأعضاء مجلس الشعب ليسوا فيها إلا دمى وهل ننسى في ظل القيادة الإرغامية عضو مجلس التهريج في الخطاب الأول، حيث قام وقال للرئيس يا سيادة الرئيس العالم العربي قليل عليك تحكمه أنت يجب أن تحكم العالم كله يا سيادة الرئيس!!
لقد كاد الأجدر بالقذافي قبل أن يبلغ مصارع الطغاة والأجدر بالأسد أن يتبعا القيادة الإقناعية ولا يتكبرا على أمثالهم من الآخرين بوصفهم أشباه رجال. وأن يقنعوا شعوبهم بسجع الحمام لا بزئير الأسود كما قال وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو لبشار: ليس المهم أن تقنعني، لكن المهم أن تقنع شعبك، وهل من استفادة من مسلك الملكة بلقيس الإقناعي لا الإرغامي؟
وهل تتحرر الجامعة العربية فتقنع بشار بإيقاف حمام الدم وأنها مع الضحية لا مع الجلاد؟
Khaled-hindawi@hotmail.com
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
60
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
78
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
54
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5859
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2772
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2472
| 02 يونيو 2026