رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يحتاج الأمر إلى جدال أو سجال لإثبات الاختلال في موقف واشنطن تجاه الاحتلال
الانتهازية الأمريكية.. والقضية الفلسطينية
يوماً بعد يوم، من أيام العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، وتواصل الصمود الفلسطيني المليء بالعزة، تتكشف المؤامرة الكبرى والتي تقودها الولايات المتحدة وتوابعها من دول الاتحاد الأوروبي، لتصفية القضية الفلسطينية، بعد شيطنة المقاومة، ومحاولة محو هويتها، وتشويه صورتها في أوساط الرأي العام الغربي، وإلصاق تهمة «الإرهاب»، بعملياتها النضالية، وأعمالها البطولية.
ولا يحتاج الأمر إلى نظر عميق، وبحث دقيق، أو جدال، أو سجال، لإثبات الاختلال، في الموقف الأمريكي، المؤيد لهذا العدوان على الشعب الفلسطيني.
فالتصريحات الصادرة من الرئيس الأمريكي «بايدن» ووزير خارجيته اليهودي «بلينكن» تؤكد عدم وجود أي انضباط أخلاقي، أو ضبط سياسي، أو ضابط إنساني، ولا أية ضوابط قانونية في موقف الإدارة الأمريكية، تجاه مخطط الإبادة الجماعية التي تنفذها الحكومة الإسرائيلية، لطمس كل ما هو فلسطيني، وكل من له علاقة بالمقاومة.
بالإضافة إلى محاولة فرض واقع إسرائيلي على الأرض، في قطاع غزة، يعمل على تفكيك القضية الفلسطينية، وتصغيرها، وتصفيرها بل وتصفيتها، عبر تهجير الفلسطينيين خارج قطاعهم المحتل، وتشريدهم خارج الوطن الفلسطيني، بعيداً عن القطاع المقطوع الأوصال!
ولم تكن الولايات المتحدة بحاجة لإظهار هذا الكم الهائل من التواطؤ المفضوح، مع الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
فهذه الانتهازية الأمريكية، ليست سراً من أسرار الكون، ولا تعتبر أمراً جديداً، لأن كل الإدارات المتعاقبة، التي حكمت «البيت الأبيض»، أظهرت وقوفها إلى جانب إسرائيل سياسيا، وتأييدها عسكرياً، ودعمها اقتصادياً.
لكن الجديد المتجدد، في الموقف الأمريكي الحالي، هو تحول الرئيس «بايدن» إلى بوق إسرائيلي، عبر تبني الخطاب الصهيوني، وكأنه الناطق الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية!
وتمثل تصريحات الرئيس الأمريكي عن أحداث فلسطين المروعة، حالة مخزية من حالات غياب الضمير، وإنكار القيم الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان، ومواد القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، ويكفي تصريحه الذي أكد فيه أنه لو لم توجد إسرائيل لأوجدناها.
ويشكل «الرئيس بايدن»، في انحيازه الماجن لإسرائيل، محاولة ممجوجة، لإقصاء الفلسطينيين من الحياة، ومن الوجود، ومن الأرض، ومن الحضور، ومن الحاضر والمستقبل، ومن الوطن الفلسطيني المحتل.
وبدلاً من سعي الولايات المتحدة للظهور كوسيط دولي نزيه، وسعيها لإيجاد حل سياسي شامل ودائم وعادل للقضية الفلسطينية، يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويرتكز على القوانين الدولية، نجدها تدعم الإرهاب الصهيوني، وتشجع العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني، الذي أدى خلال الأسبوعين الماضيين إلى سقوط أكثر من (2055) طفلاً شهيداً.
أما الأطفال الذين نجوا من نيران القصف العشوائي، ولهيب الحرائق، فإنهم يعانون من صدمات نفسية وحالات عصبية، بعدما أصبحوا أيتاماً بلا عائل، بعد فقدانهم عائلاتهم التي رحلت عن عالمنا.
ولا أنسى استشهاد أكثر من (5087) شهيداً، بينهم (1119) امرأة، بالإضافة إلى أكثر من (15273) مصاباً.
وهكذا، ونحن نتابع «المصاب الفلسطيني» الجلل الذي أصابنا بكثير من العلل، تواصل إسرائيل حملات التدمير وعمليات التهجير والتشريد في قطاع غزة، استناداً إلى «الضوء الأخضر» الساطع من البيت الأبيض في واشنطن.
وها هي تفعل كل ما تريد في مخططها الشيطاني ضد الشعب الفلسطيني، وتواصل عدوانها الوحشي، وانتقامها الهمجي على الفلسطينيين، دون أن نسمع من الإدارة الأمريكية كلمة انتقاد واحدة، أو إدانة انتهاكاتها للقانون الدولي!
والمعيب، أن الدعم الأمريكي المريب لإسرائيل وصل إلى درجة أن وزير خارجية الولايات المتحدة «أنتوني بلينكن» يتباهى بأصله، ويتفاخر بنسبه، ويؤكد يهوديته، ويعلن في «تل أبيب»، خلال زيارته «التضامنية» أنه أتى إليها بصفته مواطنا «يهوديا»، وليس كوزير خارجية دولة عظمى، يفترض أن يقوم بدبلوماسية نشطة لوقف الحرب والقصف العشوائي، وعمليات العنف الدموي.
ووصلت به الحالة اليهودية المتورمة، والنرجسية المتضخمة، لدرجة أن تدمير غزة على رؤوس ساكنيها الأعزاء، وقتل سكانها الأبرياء، وتشريد أهلها الأوفياء، لم يحرك ساكناً في كيانه، ولم يوقظ ذلك الشيء «الظلامي» في داخله، الذي يسمونه الضمير الإنساني!
ولأن الطبع اليهودي يغلب على التطبع، ولا أقصد «التطبيع»، نجد وزير الخارجية الأمريكي يدعم الغطرسة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، ويشجع العربدة الإسرائيلية في قطاع غزة، دون أن يسعى لتجنيب المدنيين الفلسطينيين تبعات القصف العشوائي الإسرائيلي، ودون أن يعمل من أجل خفض التصعيد العسكري الذي يستهدفهم، وهو ما أثار حفيظة الكثير من موظفي خارجيته الذين أبدوا استياءهم من تعامله مع هذا الملف، ومن التعامل الهمجي مع الفلسطينيين بوجه عام، ووصل الأمر إلى أن يعد الموظفون رسالة ينتقدون فيها تجاهل وزارتهم التام لمعاناة المدنيين الفلسطينيين، وقد أقر بلينكن بالفعل بالأثر العاطفي الذي تركته هذه الحرب على موظفيه، ولم يقف الأمر عند وزارة الخارجية، حيث يشهد الكونجرس حاليا تزايدا في الاستياء، وقد قام حوالي 400 موظف بالتوقيع على خطاب يدعو لدعم وقف إطلاق النار.
ولعل ما يثير الامتعاض هو دخول «ريشي سوناك»، بصفته رئيس وزراء بريطانيا على خط الأزمة، ومشاركته في حفلة الانتهازية الغربية، واتهامه للمقاومة الفلسطينية بأعمال «الإرهاب»!
وما دام مهتماً ـ ولن أقول متهماً ـ بفتح ملف الأعمال «الإرهابية» المروعة في الشرق الأوسط، من الضروري أن يحدثنا عن الفظاعات، والانتهاكات الحقوقية التي ارتكبها الجيش البريطاني خلال غزو العراق.
هناك في «بلد الرشيد»، خلال غزو الإنجليز بلاد الرافدين، انتهكوا الحقوق، وقتلوا الأبرياء، واعتدوا على النساء، وعذَّبوا المعتقلين، وأرهبوا كل العراقيين!
ولا أعتقد أن «ريشي سوناك»، يملك «ذاكرة نملة» ليتجاهل تورط القوات البريطانية، في جرائم الحرب واسعة النطاق، والانتهاكات الجسيمة، التي ارتكبها جنودها خلال احتلال العراق، من مارس 2003، حتى مايو 2009، وتمثلت في الاعتداءات على العراقيين، واعتقالهم قسرياً، واحتجازهم بشكل غير قانوني، وإساءة معاملتهم، وتعذيبهم في سجن «أبو غريب»!
والغريب أنه رغم كل هذه الحقائق الموثقة، لم تبادر الحكومة البريطانية بفتح تحقيق جنائي محلي لمساءلة المتورطين.
بل على العكس، تدخلت بشكل سافر في مسار العدالة، وضغطت لإغلاق التحقيق الجنائي المفتوح في المحكمة الجنائية الدولية!
وأريد إبلاغ «ريشي سوناك»، وأنا أهز رأسي يميناً ويساراً، على طريقة «أميتاب باتشان» وزميله «شاروخان»، أن بريطانيا استندت على «كذبة كبرى» لغزو العراق، روَّجها الرئيس الأمريكي الأسبق «بوش».
وقام جنود الدولتين بأعمال إرهابية مروعة ضد العراقيين، وانتهاكات بشعة بحق المدنيين، دون أي اعتذار، أو اعتبار لمنظومة «حقوق الإنسان» التي يتبجحون بها!
بل على العكس من ذلك، كانوا يرسخون خلال غزوهم غير الشرعي وغير القانوني للعراق، منهجهم الاستعماري، القائم على إثارة المصائب وكثرة المصاعب للشعوب.
ولا أنسى قيام «الأمير هاري»، نجل الملك تشارلز، حفيد الملكة اليزابيث، بأبشع «عمل إرهابي» فردي، عندما اعترف في مذكراته، التي نشرها بعنوان «سبير» أي «الاحتياطي»، أنه قتل (25 أفغانياً) بدم بارد، خلال خدمته العسكرية في أفغانستان، مشبهاً ذلك بإزالة «قطع شطرنج من فوق اللوح»!
وفي إطار «لعبة الشطرنج» القذرة التي تمارسها بريطانيا «العظمى»، وكشفت خلالها ادعاءاتها الكاذبة عن حقوق الإنسان، ودورها في إشعال الحروب، وسرقة ثروات الشعوب، وتأجيج الصراعات في المنطقة، أتوقف عند ذلك الوعد المشؤوم الذي أطلقه «أرثر بلفور» وزير الخارجية البريطاني في رسالته الموثقة بتاريخ الثاني من نوفمبر 1917، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين!
لقد شَكَّلت تلك الرسالة أبشع دعم بريطاني رسمي لانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني الذي كان يشكل الأغلبية العظمى من السكان المحليين في فلسطين المنكوبة.
وأريد أن أسأل «ريشي سوناك» رئيس وزراء بريطانيا، باللغة «السنسكريتية» التي يفهمها، وأنا أهز رأسي يميناً ويساراً مجدداً:
ألا يعتبر ذلك الوعد شكلاً من أشكال «الإرهاب الدبلوماسي»، الذي تسبب في اندلاع الصراع العربي الإسرائيلي؟!
ومشكلة هذا «البريم منستر»، الذي وصلت شعبيته إلى أدنى مستوياتها منذ توليه رئاسة الحكومة البريطانية قبل عام تقريباً أنه يريد أن يثبت للعالم أنه إنجليزي أكثر من الإنجليز!
ولهذا فهو يزايد عليهم في كل التوجهات والاتجاهات والملفات، وآخرها موقفه المعلن، ولا أقول الملعون، سيراً على خطى بلفور، عندما أعلن خلال زيارته «التضامنية» إلى «تل أبيب»، أنه فخور بالوقوف مع نتنياهو في أحلك أوقات إسرائيل كصديق لليهود.
.. وأنه سيقف متضامناً معهم، ومع شعبهم، وأنه يريدهم أن ينتصروا، دون أي احترام للقانون الإنساني، ودون أي التزام بمواد القانون الدولي، التي تنص على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.
وبعيداً عن هذه الانتهازية السياسية الغربية، أتوقف أخيراً عند الدبلوماسية القطرية الحكيمة، التي تسعى لخفض التصعيد، ووقف الأعمال العدائية، وتجنيب المدنيين تداعيات الحرب المدمرة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بنجاح الوساطة القطرية في الإفراج عن «محتجزتين» أمريكيتين، مما يعكس نبل أخلاق قطر، وحرص الدوحة على سلامة المدنيين.
ويثبت للعالم قدرة القوة الناعمة القطرية على رفع المعاناة عن الأبرياء، ومحاولة احتواء الأزمة المتفاقمة، وتخفيف تداعياتها المتراكمة على أرواح المدنيين الضعفاء.
ومع كتابة السطور الأخيرة في مقالي، يبقى تأكيد حرصي على وضع «الكوفية الفلسطينية» حول عنقي، ذلك الوشاح التراثي النضالي، الأبيض المرقط بالأسود، تأكيداً بأن «فلسطين قضيتي».
وتجسيداً لموقفي الثابت، دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس.
وتعبيراً عن تضامني مع أهلنا في غزة، الذين يتعرضون لحملة «إبادة جماعية»، في هذا الزمن الرديء، الذي غابت فيه القيم الإنسانية، وانتهكت فيه الحقوق الفلسطينية، وضاعت فيه العدالة الدولية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8715
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2763
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1497
| 25 أكتوبر 2026