رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استكمالاً لما تطرق إليه زميلي الأستاذ إبراهيم عبد الرزاق في مقالته قبل أسابيع حول امتحانات الثانوية العامة، ووصفها بالمرعبة، فأتفق معه في الوصف، لأنها فعلاً امتحانات مرعبة، وسنة رعب ليس للطلاب فحسب، بل لأولياء أمورهم كذلك !
ظني أن هذه الأجواء هي نتاج فلسفة ونظام هذه الامتحانات التي وضعت قبل عقود مضت، وظلت راسخة لا تتغير ولا تتبدل، محصنة من أي محاولات تطوير تفرضها التحولات والتطورات الحاصلة بالعالم. هذا ما دفعني لطرح الموضوع، وأهمية إعادة النظر في آلية الاختبارات ضمن دائرة أوسع هي فلسفة التعليم الثانوي بشكل عام، وماذا نريد من الطالب مع دخوله المرحلة الثانوية وليس ما يريده الطالب، باعتبار أنه لم يصل بعد للنضج الذي يكون قادراً فيه على تصور مستقبله التعليمي والمهني دون دعم واستشارة.
لفت انتباهي تصريح لأحد معلمي الرياضيات في فنلندا حول برنامج دولي لتقييم طلبة المدارس، يقول: «نحضّر طلابنا ليتعلموا كيف يحصلون على المعلومات، ولا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات». فلسفة تعليمية جعلت طلاب فنلندا في التقييمات العالمية متفوقين، ليس لأنه يتم تحضيرهم لتلك التقييمات، بل لأن طريقة جذبهم وتشويقهم للعلم والتعلم في مدارسهم، تجعلهم يتفوقون تلقائياً.
الصورة الذهنية للثانوية
بعد هذه المقدمة أجد أهمية تغيير الصورة الذهنية لمرحلة الثانوية بشكل عام، كي تؤخذ سنوات المرحلة كلها بجدية ومثابرة، ولا يقتصر التركيز على السنة الأخيرة كما الحاصل الآن واعتبارها سنة نجاح أو فشل !! في عالم التعليم والتعلم ليس هناك فشل أو إخفاق، بل هي مجموعة ممارسات لأجل إظهار قدرات ومهارات تُنمّى وتُرسّخ عبر مناهج متخصصة، هدفها تنمية تلك القدرات والمهارات في كل طالب يعيش عصر التقنية السريعة والمعلومة المتطورة، وتوجيهه تبعاً لذلك نحو وجهة مناسبة له تلائم تلك القدرات والإمكانات والظروف المحيطة. وكلٌ مُيسّر لما خُلق له.
الصورة الذهنية لابد أن تتعدل وتساير التوجه العالمي في التعليم، الذي بدأ منذ سنوات عدة يتأثر بالثورة المعلوماتية المتسارعة وتقنيات البحث والحصول على المعلومات عبر أدوات وآليات متعددة ومتطورة، وصولاً إلى ما يسمى الآن بالذكاء الاصطناعي.. وهي كلها وسائل مؤثرة على مسألة التعليم والتعلم بشكل عام، ومنها فلسفة الاختبارات في كل مراحل التعليم وليس الثانوي فقط، والتي لابد أن تتوافق مع التطورات الحاصلة، بحيث لا تكون الاختبارات تقليدية روتينية تعتمد على قياس مهارات الحفظ والاستظهار في كثير من المواد، والتي لم تعد لهذه المهارات تلك الأهمية، ما يجعل تنويع طرق وأدوات التقييم ضرورة، بدءاً بالاختبارات السريعة، إلى اختبارات الكتاب المفتوح، ومروراً باستخدام الإنترنت في حل المسائل، ثم تقييمات القدرة على كتابة التقارير وعمل الأبحاث، وانتهاءً باختبارات شفوية تعتمد على النقاشات وتقديم العروض والمحاضرات وغيرها كثير..
التعليم الأساسي
حتى ندخل في صلب الموضوع ولا تضيع منا الخيوط، أقول:
بعد أن ينهي الطالب تعليمه الأساسي خلال سنوات عشر متتاليات تتكون من ست سنوات ابتدائية وأربع سنوات إعدادية، لا مجال فيها لإعادة السنة الدراسية (سنبين في نهاية المقال سبب الزيادة في الإعدادية) تكون خلالها القدرات والتوجهات الأولية والمهارات لدى كل طالب قد تشكّلت وظهرت، خاصة في السنة العاشرة أو السنة الإعدادية الرابعة، وبانت للجهة المشرفة عليه، وهي الإدارة المدرسية بقسميها الإداري والأكاديمي، بحيث لا يتخرج الطالب من التعليم الأساسي، إلا وتكون الرؤية واضحة له ولأهله والجهة التي ستتولى تعليمه، كي تكون انطلاقته صحيحة للسنوات الثلاث القادمات، بحيث يمكن بناء على ما حصل عليه من التعليم الأساسي من قدرات ومهارات وإمكانات، تحديد المرحلة التالية المناسبة له، إما مهنية أو أكاديمية نظرية.
وفي السطور التاليات شروح وتفصيلات..
الثانوية الأكاديمية
الثانوية الأكاديمية أو التعليم الأكاديمي، هو ذاك النوع من التعليم الذي يركز على الدراسة النظرية والعلمية في المواد المختلفة، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء أو التاريخ والجغرافيا واللغات. ويغطي المنهج الدراسي مجموعة واسعة من المواضيع تمنح الطالب قاعدة معرفية واسعة، مع تنمية مهارات حل المشكلات وتطوير المعارف ومهارات التفكير النقدي عنده، وتدريبه على طرائق وآليات القيام بأبحاث ودراسات عن الموضوعات الأكاديمية في كل مادة. ويكون هدف هذا التعليم هو إعداد الطالب لمهنة عامة مستقبلية عبر توجيهه نحو تخصص معين في المرحلة الجامعية وما بعدها.
وتكون الثانوية الأكاديمية نظرية عامة، أو تخصصية - والاتجاه العالمي نحو التخصصية أقوى من ذي قبل - بحيث تكون هناك ثانوية علمية، تكنولوجية، إدارية، إنسانية، تجارية، مالية، وغيرها من مجالات متنوعة بحسب حاجة كل بلد.
الثانوية المهنية
أما الثانوية المهنية أو التعليم المهني، فهو ذاك التعليم الذي يركز على تدريب الطلاب على مهارات تطبيقية ومهنية من أجل تمكينهم وتوجيههم نحو إكمال تعليمهم المهني في المعاهد الفنية العليا، أو للتوجه مباشرة إلى سوق العمل.. ويهتم المنهج بتوفير تدريب مهني وعملي في مجالات حياتية عديدة مثل مجالات الصيانة المختلفة، الإنشاءات، الصناعات، التمريض، الخدمات، وغيرها من مجالات مهنية متنوعة. ويركز على مجال معين من أجل تطوير مهارات الطالب الفنية ومعارفه العملية المؤدية به لإجادة مهنة محددة، يمكنه بعدها وبكل ثقة بعد إتمام المرحلة، خوض الحياة العملية، أو مواصلة دراسته المهنية في المعاهد الفنية العليا كما أسلفنا.
واقعنا التعليمي
الطالب الآن يبدأ تعليمه الثانوي دون توجيه حقيقي من المدرسة السابقة ولا اللاحقة. يبدأ عامه الأول بمواد كثيرة وعلى ضوء نتائجه، يحدد هو أو أهله إلى أي مسار يتجه، العلمي أم الأدبي. ومؤخراً المسار التكنولوجي، وإن كان لا يختلف عن العلمي في شيء. اختيارات الطلاب أو الأهالي تكون غالباً وفق تصورات ونظرات المجتمع للقسم العلمي والأدبي، أو النظرة لبعض المهن في المستقبل، أو بسبب نظام التوظيف بالخدمة المدنية، والمطلوب إعادة النظر فيه أيضاً، وهو موضوع يحتاج حديثاً مطولاً ليس مجاله ها هنا.
اختيار الطالب لمسار علمي أم أدبي أم مهني، عادة لا يكون وفق قدراته ومهاراته وإمكاناته وميوله، والتي غالباً لا يقدر على تحديدها دون مساندة واستشارة، ومن هنا تتضح أهمية دور المدرسة السابقة في إعداد تقرير مفصل يوضح فيه إمكانات كل طالب، والتوصية بالتوجه نحو تعليم أكاديمي أو مهني.
معنى هذا أن المرحلة الثانوية، ومن السنة الأولى، لابد أن تكون معالمها واضحة لكل طالب وأهله. فهذا طالب قضى عشر سنوات في التعليم الأساسي، وكانت المحصلة أنه صاحب قدرات ومهارات معينة تجعله يجيد التعامل مع التعليم النظري، وبالتالي فهو مؤهل لإكمال مسيرة التعليم الأكاديمي في هذه المرحلة وما بعدها في المرحلة الجامعية. فيما طالب آخر صاحب مهارات وقدرات تجعله يجيد التعامل مع التعليم العملي أو المهني ومؤهل لإكمال تعليمه بالمعاهد الفنية العليا، أو دخول سوق العمل إن كانت له رغبة في ذلك بعد إنهاء الثانوية.
بتلك المعطيات، نحفظ أعمار طلابنا من الضياع والتوهان بسبب التبديل بين هذا المسار وذاك، أو عدم التوفيق والنجاح بسبب عدم ملاءمة قدراته ومهاراته مع المسار الذي اختاره هو أو تم دفعه إليه، وهذا دون شك سبب رئيسي من أسباب التسرب من التعليم، وهدرٌ لا ينبغي أن يحدث في زمن العلم والتعلم.
الشهادة الثانوية
نأتي الآن إلى بيت القصيد..
الشهادة الثانوية أو السنة الأخيرة من التعليم الثانوي، أرى أن تكون كغيرها من السنوات السابقة فيما يتعلق بالتقييم، بحيث يتم احتساب كل مجهودات وأنشطة الطالب طوال العام، لا كما الحاصل الآن والمقتصر على اختبارين فقط بالصورة التقليدية المتبعة منذ سنوات.
لم لا تستمر عملية التقييم كما السنوات السابقة للطالب، بحيث يكون في كل فصل امتحانان، منتصف وآخر الفصل، بمجموع أربعة امتحانات طوال العام، بالإضافة إلى تقييم مجهودات أخرى للطالب مثل الواجبات اليومية، التقارير الأسبوعية، الأبحاث الشهرية، وغيرها من أنشطة وأعمال يمكن التفكير بشأنها والتوسع منها، ويكون القصد منها تنويع طرق كسب الدرجات، وتنويع طرق التقييم التي تراعي قدرات ومهارات كل طالب في كل وقت من أوقات العام الدراسي، لا أن تكون النسب موزعة على اختبارين فقط لتقييم قدرات الحفظ والاستظهار وقت الاختبار !
ولذلك نجد أن تنويع طرق التقييم وتحصيل الدرجات، عامل مهم في دفع الطالب ألا يتراخى ويتكاسل طوال عامه الدراسي الأخير، أو أن يتعامل مع الاختبارات التجريبية بتهاون وعدم جدية، كما الحاصل الآن. هذه نقطة أولى.
الرسوب والإعادة
نقطة ثانية متعلقة بالتقييم، وتتمثل في مسألة عدم تحقيق الطالب درجة النجاح الدنيا في أي مادة، والذي يتم حالياً التعامل معه عبر منحه فرصة ثانية لتقديم الاختبار في المادة أو المواد التي لم يحالفه التوفيق في تجاوز حد النجاح، أو تحقيق العلامة المأمولة، حتى إذا لم يحالفه التوفيق أيضاً في الدور الثاني، عليه إعادة سنة دراسية كاملة !! وهذا من وجهة نظري، هدر للجهود والأوقات والأموال، وسبب من أسباب التسرب من التعليم الثانوي.
فما الحل؟
إن كان ولابد من الإعادة للسنة الثانية - وسيظل هدراً على أي حال - أرى أن تكون الإعادة مقتصرة على المواد التي لم يحقق الطالب النجاح فيها. بحيث تكون سنة الإعادة فرصة لتحقيق درجة النجاح في المواد التي لم يحالفه التوفيق فيها فقط دون إعادة بقية المواد التي حقق درجات النجاح فيها.
فإن حالفه التوفيق ونجح في سنته تلك، يتم اعتماد درجات المواد الجديدة مع درجات المواد التي تجاوزها العام الفائت وتحسب له النسبة المئوية النهائية. أما إن لم يحالفه التوفيق في سنة الإعادة مرة أخرى في مادة أو أكثر، يُحتسب له الدرجة الدنيا من النجاح، ويتم تخريجه ولا يعيد سنة ثالثة ورابعة ويضيع عمره وجهده وجهود من معه، باعتبار أن خروجه من بيئة الثانوية أو المدارس، ربما دافع له لإكمال مسيرته العلمية في بيئات جديدة بالنتائج التي حصل عليها، سواء كانت ملائمة لإكمال التعليم الأكاديمي الجامعي أم المهني، أو يتجه لسوق العمل كأضعف الإيمان، ويتحول لعنصر منتج إيجابي.
السنة الثالثة بالثانوية
نقطة ثالثة تتعلق بالسنة الثالثة بالثانوية، سواء الأكاديمية أم المهنية، ولكن قبل ذلك نجيب على تساؤل ربما لاح في الأذهان حين ذكرنا بأن التعليم الأساسي مدته عشر سنوات متتاليات (ست ابتدائيات وأربع إعداديات) ولماذا الزيادة بالمرحلة الإعدادية دون توضيح ؟
السنة الرابعة الإعدادية، هي بمثابة الأول الثانوي حالياً، أو السنة الحاسمة التي على ضوء نتائج تحصيل الطالب خلالها يتم توجيهه نحو المسار الأفضل له بالمرحلة الثانوية، كما شرحنا في حديثنا عن التعليم الأكاديمي والتعليم المهني أعلاه.
عودة إلى النقطة الثالثة إذن والمتعلقة بالسنة الثالثة الأخيرة في الثانوية، أقترح أن تكون مواد هذه السنة هي المواد الأساسية والاختيارية ذاتها والمقررة على الطالب في السنة الأولى بالجامعة، وهي مواد اللغة العربية والثقافة الإسلامية واللغة الإنجليزية ومواد إنسانية أخرى كالتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا وغيرها من مواد اختيارية معروفة بالجامعات عندنا في قطر. بحيث يكون هناك تنسيق واتفاق بين الوزارة وجامعة قطر وتوابعها من الكليات، لاعتماد تلك المواد التي يدرسها طالب السنة الأخيرة في الثانوية كمواد سنة أولى بالجامعة، بحيث يبدأ الطالب مباشرة في التخصص. بمعنى آخر، يختصر سنة دراسية في الجامعة أو الكلية.
وهذا موضوع آخر وجيه نحتاج للتحدث فيه مستقبلاً، والمتعلق باختصار زمن التعليم الجامعي في ظل التطورات التقنية والمعلوماتية والبحثية في العالم.
ملخص القول
كلما كانت البداية صحيحة كانت النهاية سعيدة دون كثير هدر في الجهود والموارد. إن بداية دخول الطالب المرحلة الثانوية بشكل علمي صحيح، هي الأساس الذي بناء عليه يتم الوصول للنهاية المأمولة، بعد أن تكون الرؤية قد اتضحت مع انتهاء الطالب من التعليم الأساسي، وعرف كل طالب قدراته ومهاراته، وأين يمكنه الإبداع والإنتاج والعطاء.
لهذا كله أجد أن الموضوع يحتاج جرأة وهمة وإرادة في مس محظور مخيف يتجنبه كثيرون، وتفضيل البقاء في منطقة الأمان بالسير على هدى من وضع أسس وقوانين التعليم الثانوي قبل خمسين عاماً أو أكثر، يوم أن كانت الظروف ملائمة ومتوافقة معها، والتي لا أشك اليوم لحظة واحدة أنها لم تعد تتلاءم مع الثورات العلمية والتقنية الهائلة السريعة في عالم التعليم والتعلم، التي أوجزها ذاك المعلم الفنلندي، أنهم يعلمون طلابهم «كيف يحصلون على المعلومات، وليس كيف يجتازون الامتحانات». المهمة ليست يسيرة، لكنها ليست مستحيلة، بل أجدها ضرورة يفرضها واقع الدولة والتحديات التي أمامها في كثير من المجالات، والتعليم هو الأساس، خاصة أن الدولة تسعى جادة لتجسيد رؤية لم يبق لها من الزمن سوى سنوات ست قادمات، مليئات بكثير من الصعاب والتحديات..
فمن يبادر ويعلق الجرس ؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2427
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2010
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
717
| 25 يناير 2026