رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استكمالاً لما تطرق إليه زميلي الأستاذ إبراهيم عبد الرزاق في مقالته قبل أسابيع حول امتحانات الثانوية العامة، ووصفها بالمرعبة، فأتفق معه في الوصف، لأنها فعلاً امتحانات مرعبة، وسنة رعب ليس للطلاب فحسب، بل لأولياء أمورهم كذلك !
ظني أن هذه الأجواء هي نتاج فلسفة ونظام هذه الامتحانات التي وضعت قبل عقود مضت، وظلت راسخة لا تتغير ولا تتبدل، محصنة من أي محاولات تطوير تفرضها التحولات والتطورات الحاصلة بالعالم. هذا ما دفعني لطرح الموضوع، وأهمية إعادة النظر في آلية الاختبارات ضمن دائرة أوسع هي فلسفة التعليم الثانوي بشكل عام، وماذا نريد من الطالب مع دخوله المرحلة الثانوية وليس ما يريده الطالب، باعتبار أنه لم يصل بعد للنضج الذي يكون قادراً فيه على تصور مستقبله التعليمي والمهني دون دعم واستشارة.
لفت انتباهي تصريح لأحد معلمي الرياضيات في فنلندا حول برنامج دولي لتقييم طلبة المدارس، يقول: «نحضّر طلابنا ليتعلموا كيف يحصلون على المعلومات، ولا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات». فلسفة تعليمية جعلت طلاب فنلندا في التقييمات العالمية متفوقين، ليس لأنه يتم تحضيرهم لتلك التقييمات، بل لأن طريقة جذبهم وتشويقهم للعلم والتعلم في مدارسهم، تجعلهم يتفوقون تلقائياً.
الصورة الذهنية للثانوية
بعد هذه المقدمة أجد أهمية تغيير الصورة الذهنية لمرحلة الثانوية بشكل عام، كي تؤخذ سنوات المرحلة كلها بجدية ومثابرة، ولا يقتصر التركيز على السنة الأخيرة كما الحاصل الآن واعتبارها سنة نجاح أو فشل !! في عالم التعليم والتعلم ليس هناك فشل أو إخفاق، بل هي مجموعة ممارسات لأجل إظهار قدرات ومهارات تُنمّى وتُرسّخ عبر مناهج متخصصة، هدفها تنمية تلك القدرات والمهارات في كل طالب يعيش عصر التقنية السريعة والمعلومة المتطورة، وتوجيهه تبعاً لذلك نحو وجهة مناسبة له تلائم تلك القدرات والإمكانات والظروف المحيطة. وكلٌ مُيسّر لما خُلق له.
الصورة الذهنية لابد أن تتعدل وتساير التوجه العالمي في التعليم، الذي بدأ منذ سنوات عدة يتأثر بالثورة المعلوماتية المتسارعة وتقنيات البحث والحصول على المعلومات عبر أدوات وآليات متعددة ومتطورة، وصولاً إلى ما يسمى الآن بالذكاء الاصطناعي.. وهي كلها وسائل مؤثرة على مسألة التعليم والتعلم بشكل عام، ومنها فلسفة الاختبارات في كل مراحل التعليم وليس الثانوي فقط، والتي لابد أن تتوافق مع التطورات الحاصلة، بحيث لا تكون الاختبارات تقليدية روتينية تعتمد على قياس مهارات الحفظ والاستظهار في كثير من المواد، والتي لم تعد لهذه المهارات تلك الأهمية، ما يجعل تنويع طرق وأدوات التقييم ضرورة، بدءاً بالاختبارات السريعة، إلى اختبارات الكتاب المفتوح، ومروراً باستخدام الإنترنت في حل المسائل، ثم تقييمات القدرة على كتابة التقارير وعمل الأبحاث، وانتهاءً باختبارات شفوية تعتمد على النقاشات وتقديم العروض والمحاضرات وغيرها كثير..
التعليم الأساسي
حتى ندخل في صلب الموضوع ولا تضيع منا الخيوط، أقول:
بعد أن ينهي الطالب تعليمه الأساسي خلال سنوات عشر متتاليات تتكون من ست سنوات ابتدائية وأربع سنوات إعدادية، لا مجال فيها لإعادة السنة الدراسية (سنبين في نهاية المقال سبب الزيادة في الإعدادية) تكون خلالها القدرات والتوجهات الأولية والمهارات لدى كل طالب قد تشكّلت وظهرت، خاصة في السنة العاشرة أو السنة الإعدادية الرابعة، وبانت للجهة المشرفة عليه، وهي الإدارة المدرسية بقسميها الإداري والأكاديمي، بحيث لا يتخرج الطالب من التعليم الأساسي، إلا وتكون الرؤية واضحة له ولأهله والجهة التي ستتولى تعليمه، كي تكون انطلاقته صحيحة للسنوات الثلاث القادمات، بحيث يمكن بناء على ما حصل عليه من التعليم الأساسي من قدرات ومهارات وإمكانات، تحديد المرحلة التالية المناسبة له، إما مهنية أو أكاديمية نظرية.
وفي السطور التاليات شروح وتفصيلات..
الثانوية الأكاديمية
الثانوية الأكاديمية أو التعليم الأكاديمي، هو ذاك النوع من التعليم الذي يركز على الدراسة النظرية والعلمية في المواد المختلفة، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء أو التاريخ والجغرافيا واللغات. ويغطي المنهج الدراسي مجموعة واسعة من المواضيع تمنح الطالب قاعدة معرفية واسعة، مع تنمية مهارات حل المشكلات وتطوير المعارف ومهارات التفكير النقدي عنده، وتدريبه على طرائق وآليات القيام بأبحاث ودراسات عن الموضوعات الأكاديمية في كل مادة. ويكون هدف هذا التعليم هو إعداد الطالب لمهنة عامة مستقبلية عبر توجيهه نحو تخصص معين في المرحلة الجامعية وما بعدها.
وتكون الثانوية الأكاديمية نظرية عامة، أو تخصصية - والاتجاه العالمي نحو التخصصية أقوى من ذي قبل - بحيث تكون هناك ثانوية علمية، تكنولوجية، إدارية، إنسانية، تجارية، مالية، وغيرها من مجالات متنوعة بحسب حاجة كل بلد.
الثانوية المهنية
أما الثانوية المهنية أو التعليم المهني، فهو ذاك التعليم الذي يركز على تدريب الطلاب على مهارات تطبيقية ومهنية من أجل تمكينهم وتوجيههم نحو إكمال تعليمهم المهني في المعاهد الفنية العليا، أو للتوجه مباشرة إلى سوق العمل.. ويهتم المنهج بتوفير تدريب مهني وعملي في مجالات حياتية عديدة مثل مجالات الصيانة المختلفة، الإنشاءات، الصناعات، التمريض، الخدمات، وغيرها من مجالات مهنية متنوعة. ويركز على مجال معين من أجل تطوير مهارات الطالب الفنية ومعارفه العملية المؤدية به لإجادة مهنة محددة، يمكنه بعدها وبكل ثقة بعد إتمام المرحلة، خوض الحياة العملية، أو مواصلة دراسته المهنية في المعاهد الفنية العليا كما أسلفنا.
واقعنا التعليمي
الطالب الآن يبدأ تعليمه الثانوي دون توجيه حقيقي من المدرسة السابقة ولا اللاحقة. يبدأ عامه الأول بمواد كثيرة وعلى ضوء نتائجه، يحدد هو أو أهله إلى أي مسار يتجه، العلمي أم الأدبي. ومؤخراً المسار التكنولوجي، وإن كان لا يختلف عن العلمي في شيء. اختيارات الطلاب أو الأهالي تكون غالباً وفق تصورات ونظرات المجتمع للقسم العلمي والأدبي، أو النظرة لبعض المهن في المستقبل، أو بسبب نظام التوظيف بالخدمة المدنية، والمطلوب إعادة النظر فيه أيضاً، وهو موضوع يحتاج حديثاً مطولاً ليس مجاله ها هنا.
اختيار الطالب لمسار علمي أم أدبي أم مهني، عادة لا يكون وفق قدراته ومهاراته وإمكاناته وميوله، والتي غالباً لا يقدر على تحديدها دون مساندة واستشارة، ومن هنا تتضح أهمية دور المدرسة السابقة في إعداد تقرير مفصل يوضح فيه إمكانات كل طالب، والتوصية بالتوجه نحو تعليم أكاديمي أو مهني.
معنى هذا أن المرحلة الثانوية، ومن السنة الأولى، لابد أن تكون معالمها واضحة لكل طالب وأهله. فهذا طالب قضى عشر سنوات في التعليم الأساسي، وكانت المحصلة أنه صاحب قدرات ومهارات معينة تجعله يجيد التعامل مع التعليم النظري، وبالتالي فهو مؤهل لإكمال مسيرة التعليم الأكاديمي في هذه المرحلة وما بعدها في المرحلة الجامعية. فيما طالب آخر صاحب مهارات وقدرات تجعله يجيد التعامل مع التعليم العملي أو المهني ومؤهل لإكمال تعليمه بالمعاهد الفنية العليا، أو دخول سوق العمل إن كانت له رغبة في ذلك بعد إنهاء الثانوية.
بتلك المعطيات، نحفظ أعمار طلابنا من الضياع والتوهان بسبب التبديل بين هذا المسار وذاك، أو عدم التوفيق والنجاح بسبب عدم ملاءمة قدراته ومهاراته مع المسار الذي اختاره هو أو تم دفعه إليه، وهذا دون شك سبب رئيسي من أسباب التسرب من التعليم، وهدرٌ لا ينبغي أن يحدث في زمن العلم والتعلم.
الشهادة الثانوية
نأتي الآن إلى بيت القصيد..
الشهادة الثانوية أو السنة الأخيرة من التعليم الثانوي، أرى أن تكون كغيرها من السنوات السابقة فيما يتعلق بالتقييم، بحيث يتم احتساب كل مجهودات وأنشطة الطالب طوال العام، لا كما الحاصل الآن والمقتصر على اختبارين فقط بالصورة التقليدية المتبعة منذ سنوات.
لم لا تستمر عملية التقييم كما السنوات السابقة للطالب، بحيث يكون في كل فصل امتحانان، منتصف وآخر الفصل، بمجموع أربعة امتحانات طوال العام، بالإضافة إلى تقييم مجهودات أخرى للطالب مثل الواجبات اليومية، التقارير الأسبوعية، الأبحاث الشهرية، وغيرها من أنشطة وأعمال يمكن التفكير بشأنها والتوسع منها، ويكون القصد منها تنويع طرق كسب الدرجات، وتنويع طرق التقييم التي تراعي قدرات ومهارات كل طالب في كل وقت من أوقات العام الدراسي، لا أن تكون النسب موزعة على اختبارين فقط لتقييم قدرات الحفظ والاستظهار وقت الاختبار !
ولذلك نجد أن تنويع طرق التقييم وتحصيل الدرجات، عامل مهم في دفع الطالب ألا يتراخى ويتكاسل طوال عامه الدراسي الأخير، أو أن يتعامل مع الاختبارات التجريبية بتهاون وعدم جدية، كما الحاصل الآن. هذه نقطة أولى.
الرسوب والإعادة
نقطة ثانية متعلقة بالتقييم، وتتمثل في مسألة عدم تحقيق الطالب درجة النجاح الدنيا في أي مادة، والذي يتم حالياً التعامل معه عبر منحه فرصة ثانية لتقديم الاختبار في المادة أو المواد التي لم يحالفه التوفيق في تجاوز حد النجاح، أو تحقيق العلامة المأمولة، حتى إذا لم يحالفه التوفيق أيضاً في الدور الثاني، عليه إعادة سنة دراسية كاملة !! وهذا من وجهة نظري، هدر للجهود والأوقات والأموال، وسبب من أسباب التسرب من التعليم الثانوي.
فما الحل؟
إن كان ولابد من الإعادة للسنة الثانية - وسيظل هدراً على أي حال - أرى أن تكون الإعادة مقتصرة على المواد التي لم يحقق الطالب النجاح فيها. بحيث تكون سنة الإعادة فرصة لتحقيق درجة النجاح في المواد التي لم يحالفه التوفيق فيها فقط دون إعادة بقية المواد التي حقق درجات النجاح فيها.
فإن حالفه التوفيق ونجح في سنته تلك، يتم اعتماد درجات المواد الجديدة مع درجات المواد التي تجاوزها العام الفائت وتحسب له النسبة المئوية النهائية. أما إن لم يحالفه التوفيق في سنة الإعادة مرة أخرى في مادة أو أكثر، يُحتسب له الدرجة الدنيا من النجاح، ويتم تخريجه ولا يعيد سنة ثالثة ورابعة ويضيع عمره وجهده وجهود من معه، باعتبار أن خروجه من بيئة الثانوية أو المدارس، ربما دافع له لإكمال مسيرته العلمية في بيئات جديدة بالنتائج التي حصل عليها، سواء كانت ملائمة لإكمال التعليم الأكاديمي الجامعي أم المهني، أو يتجه لسوق العمل كأضعف الإيمان، ويتحول لعنصر منتج إيجابي.
السنة الثالثة بالثانوية
نقطة ثالثة تتعلق بالسنة الثالثة بالثانوية، سواء الأكاديمية أم المهنية، ولكن قبل ذلك نجيب على تساؤل ربما لاح في الأذهان حين ذكرنا بأن التعليم الأساسي مدته عشر سنوات متتاليات (ست ابتدائيات وأربع إعداديات) ولماذا الزيادة بالمرحلة الإعدادية دون توضيح ؟
السنة الرابعة الإعدادية، هي بمثابة الأول الثانوي حالياً، أو السنة الحاسمة التي على ضوء نتائج تحصيل الطالب خلالها يتم توجيهه نحو المسار الأفضل له بالمرحلة الثانوية، كما شرحنا في حديثنا عن التعليم الأكاديمي والتعليم المهني أعلاه.
عودة إلى النقطة الثالثة إذن والمتعلقة بالسنة الثالثة الأخيرة في الثانوية، أقترح أن تكون مواد هذه السنة هي المواد الأساسية والاختيارية ذاتها والمقررة على الطالب في السنة الأولى بالجامعة، وهي مواد اللغة العربية والثقافة الإسلامية واللغة الإنجليزية ومواد إنسانية أخرى كالتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا وغيرها من مواد اختيارية معروفة بالجامعات عندنا في قطر. بحيث يكون هناك تنسيق واتفاق بين الوزارة وجامعة قطر وتوابعها من الكليات، لاعتماد تلك المواد التي يدرسها طالب السنة الأخيرة في الثانوية كمواد سنة أولى بالجامعة، بحيث يبدأ الطالب مباشرة في التخصص. بمعنى آخر، يختصر سنة دراسية في الجامعة أو الكلية.
وهذا موضوع آخر وجيه نحتاج للتحدث فيه مستقبلاً، والمتعلق باختصار زمن التعليم الجامعي في ظل التطورات التقنية والمعلوماتية والبحثية في العالم.
ملخص القول
كلما كانت البداية صحيحة كانت النهاية سعيدة دون كثير هدر في الجهود والموارد. إن بداية دخول الطالب المرحلة الثانوية بشكل علمي صحيح، هي الأساس الذي بناء عليه يتم الوصول للنهاية المأمولة، بعد أن تكون الرؤية قد اتضحت مع انتهاء الطالب من التعليم الأساسي، وعرف كل طالب قدراته ومهاراته، وأين يمكنه الإبداع والإنتاج والعطاء.
لهذا كله أجد أن الموضوع يحتاج جرأة وهمة وإرادة في مس محظور مخيف يتجنبه كثيرون، وتفضيل البقاء في منطقة الأمان بالسير على هدى من وضع أسس وقوانين التعليم الثانوي قبل خمسين عاماً أو أكثر، يوم أن كانت الظروف ملائمة ومتوافقة معها، والتي لا أشك اليوم لحظة واحدة أنها لم تعد تتلاءم مع الثورات العلمية والتقنية الهائلة السريعة في عالم التعليم والتعلم، التي أوجزها ذاك المعلم الفنلندي، أنهم يعلمون طلابهم «كيف يحصلون على المعلومات، وليس كيف يجتازون الامتحانات». المهمة ليست يسيرة، لكنها ليست مستحيلة، بل أجدها ضرورة يفرضها واقع الدولة والتحديات التي أمامها في كثير من المجالات، والتعليم هو الأساس، خاصة أن الدولة تسعى جادة لتجسيد رؤية لم يبق لها من الزمن سوى سنوات ست قادمات، مليئات بكثير من الصعاب والتحديات..
فمن يبادر ويعلق الجرس ؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
33033
| 01 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
5364
| 03 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
4461
| 30 أغسطس 2026