رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثيراً ما يَغفل بعض الملتزمين من المسلمين عن الآثار السلبية التي تنبثق (عملياً) في واقعنا من شيوع عقلية التشدد، ومن الإفراط في رسم الحدود والموانع والمُحرﱠمات.
لا نتحدث هنا عن النتيجة المعروفة لتلك المشكلة، حين يؤدي تزايدها إلى التطرّف وإلى ممارسة العنف غير المشروع بأي شكلٍ من أشكاله في حقّ الآخرين من البشر، مسلمين كانوا أو غير مسلمين. فرغم أن تلك الظاهرة بحدّ ذاتها في غاية السلبية، إلا أنها معروفة ومشهورة ويجري الحديث عنها بشكلٍ كثير في أدبياتنا الفكرية والشرعية والثقافية، وقد تحدثنا عنها في أكثر من مقال.
أما الحديث في هذا المقام، فإنه يتمثل في تأثير تلك المشكلة على المصابين بها أنفسهم، وليس على الآخرين. وهو ما أرجو حقاً أن يفكّر به بهدوء وتجرّد وبعيداً عن التشنّج خاصة أولئك الذين يشعرون بأن حفظ الإسلام وتحقيق مقاصده لا يُمكن أن يحصل إلا من خلال مداخل سدّ الذرائع، ومن خلال رفع سقف الضبط والربط الذي يؤدي، في اعتقادهم، إلى تمييع الدين وإفراغه من مضمونه ومعانيه.
إن الإصرار على تلك الممارسات إنما يدلّ قبل أي شيءٍ آخر على إصرارٍ مؤلم للعيش في مرحلة الطفولة البشرية وفي التمسّك بأساليبها والتشبّث بوسائلها البدائية البسيطة.
وهي ممارسات لن ينتج عنها غير خداع الذات، لأن أقصى ما تستطيع تحقيقه هو محاصرة النفس، ومحاصرة بعض الدوائر القريبة منها، داخل بعض الأسوار الثقافية المحلّية أو الإقليمية، في الوقت الذي تجتاحُ فيه الثقافات المنفتحة هذا العالم من مشرقه إلى مغربه، إلى درجةٍ تتآكل معها حتى تلك الدوائر المغلقة من أطرافها شيئاً فشيئاً.
ولن يمضي وقت طويل حتى يجد من يحاول العيش في هذا العالم بتلك العقلية نفسه وقد اقتحمت عليه تلك الثقافات ما كان يظنه حِصنه الحصين، وسَحبت من بين يديه كل غالٍ ورخيص.
إن جميع صور المبالغة التي يمكن وضعها في خانة الغلوّ والتشدّد، من المبالغة في التعلق بالغيبيات، إلى المبالغة في رسم الحدود والموانع والمحرّمات، إلى المبالغة في كبت النّفس والعقل، تدفع الإنسان إلى أن يدخل شيئاً فشيئاً في حالةٍ من الشلل الذّهني والنفسي التي يفقد معها الحيوية العقلية والقدرة على الحركة العملية، بحيث يصبح بين خيارين أمام هذا العالم المتفجر بالحيوية من حوله: فإما أن ينفجر في وجه العالم بصورةٍ من صور العنف أياً كانت، أو يبدأ في الهروب منه تدريجياً وفي الانزواء في قواقع تزداد ضيقاً من الرفض والانسحاب والعزلة، إلى درجة الاستسلام الكامل وانتظار الموت خلاصاً من هذا الواقع الأليم.
ولكن ما يؤلم أكثر هو أن كلا الخيارين يمكن أن يُمارَسا، عن طيب نيّة، في لَبوسٍ خادعٍ من دعاوى وشعارات التضحية والتميّز والغربة والثبات على المبدأ، وغيرها من القيم الصحيحة في ذاتها، ولكن فقط حين تُوضعُ ضمن ذلك الإطار الواسع الذي يطرحه الإسلام عن الدين ودوره العظيم الذي يدفع الإنسان للتفاعل الدائم والمتجدد مع الحياة في كل صورها وألوانها ومتغيراتها.
وحتى لا يكون في الأمر لبسٌ يؤدي إلى الإفراط في مقابل التفريط الذي نشكو منه، فإن من الضرورة بمكان التفكير في مصطلح المُبالغة ودلالاته المقصودة في هذا المقام. فالإيمان بالغيب، وبما هو وراء طاقة الإنسان على الإدراك، وبالقَدَر خيرهِ وشرّه، ليس هو المُبالغة التي نتحدث عنها على سبيل المثال، وإنما المقصودُ بها ذلك التواكل المُستكين، وتلك الظنون الفارغة والأوهام السخيفة والقراءات الخيالية للنصوص والآثار التي تتحدث عن أسباب العزة والنصر والتمكين، في مقابل البحث عن أسباب النصر الحقيقية والأخذ بها، كما يجب أن يكون الحال عليه في سوريا هذه الأيام.
وكذلك، فإن الإيمان الفطري الطبيعي بالحلال البيّن والحرام البيّن ليس المبالغة التي نتحدث عنها، وإنما المبالغة تكمن في طباع التشدد والعنت والقسوة والغلاظة التي تريد أن تفرض نفسها على الرؤية الإسلامية الأصيلة، فتُحرِّم كثيراً من الطيبات ومما أحلَّ الله لعباده، وتريد أن تعيد إلى الناس شرعة الإصر والأغلال بعد أن حرّرهم الله منها.
وأخيراً، فإن رفض المبالغة في كبت النفس والعقل لا يعني إطلاق العنان للشهوات والغرائز الحيوانية، ولا إغفال بعض حدود العقل أمام علم الله المطلق، ولا إنكار دلالات النص الصحيح المُحكَم، وإنما تعني رفض تقزيم العقل وتقييده ومنعه من التحليق بقوةٍ وعزيمة في آيات الأنفس والآفاق بدعوى إجلال الله. وتعني رفض ممارسات الكبت والتحريم المتعسّفة، ورفض العودة إلى الرهبانية المبتدعة والمرفوضة في أي شكلٍ من أشكالها. فهذه هي المبالغاتُ التي تؤدي إلى الشلل العقلي والنفسي والعملي، وتؤدي إلى افتقاد القدرة على العمل والحركة الفعلية بغرض تحرير الأرض والإنسان من كل القيود.
وذلك هو الشلل العقلي والنفسي والعملي الذي كان يحاصر كثيراً من الجماعات والحركات في العالم العربي والإسلامي، وهو يحاصر بعض من يتحدثون باسم الإسلام في سوريا اليوم.
هذه حقيقةٌ يعترف بها كل مُنصِف، ونأمل ألا يقع البعض في إنكارها لمجرّد المعاندة. كما نأمل أن تكون حقاً مجالاً لكثيرٍ من الدراسة والتفكير والمُراجعات، خاصة في معرض البحث عن الوسطية الإسلامية في سوريا المُستقبل.
ويرحمُ الله الإمام سفيان بن سعيد الثوري، الذي انعقدت له الإمامة في الفقه والحديث والورع، حين قال فيما نقله عنه الإمام النووي في مقدمات المجموع: "إنما الفقهُ الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيُحسنه كل أحد".
الجمال.. أم الصحة؟
حين أصبح البحث عن معايير الجمال الشكلي مطلبا مجتمعيًا عند الكثير، وجد التجار والمروجون ضالتهم في الربح السريع،... اقرأ المزيد
111
| 16 مايو 2026
صنائع المعروف
بين الخير والشر مسافات، لا يميزها إلا من يعرف حقيقتها، فالخير حالة خاصة يعيشها الإنسان مع ربه ويتفانى... اقرأ المزيد
135
| 16 مايو 2026
ببغاوات الثقافة
هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون... اقرأ المزيد
240
| 16 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5025
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4938
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1638
| 13 مايو 2026