رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زيارة إلى سريلانكا برفقة مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، تم افتتاح المرحلة الأولى من مشروع مدينة الشيخ جاسم في محافظة "منار" الإسلامية في سريلانكا، وبلغ عدد الوحدات السكنية في المرحلة الأولى 446 وحدة سكنية، وتم توزيعها على 6 قرى منها قرية نورة بنت محمد محمود وتضم 100 وحدة سكنية عن طريق مؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية "راف"، و150 وحدة سكنية عن طريق منظمة الأمم المتحدة للإسكان، و17 وحدة سكنية عن طريق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الدولة، وذلك بالتعاون مع سفارة قطر في العاصمة السريلانكية كولومبو، ونصيب الأسد قامت به مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية حيث تبرعت بـ 179 وحدة سكنية بمجموع يصل لـ 446 وحدة سكنية هي نتاج المرحلة الأولى من مشروع مدينة الشيخ جاسم السكنية النموذجية في سريلانكا.
كان السفر يوم الخميس الموافق الثالث عشر من الشهر الجاري، واليوم الذي يليه الجمعة كان موعد الافتتاح حيث قامت مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية باستئجار هليكوبتر لتقوم بنقلنا إلى محافظة "منار" ذات الغالبية المسلمة، والتي قام نمور التاميل بتشريد أهلها وطردهم من بيوتهم ومزارعهم وممتلكاتهم، ولم يستطيعوا أن يأخذوا معهم أبسط الأمور كالملابس الخاصة بهم، وأُذكِّر حتى يعي القارئ الكريم حجم الظلم والذل الذي وقع بإخواننا المسلمين هناك أنها تمّت في عام 1990م حتى عام 2009م، أي ما يقارب العشرين عاما وهم يتوسدون الأرض ويلتحفون السماء ويغتسلون بماء المطر، ولم تقف معهم لا حكومات ولا منظمات إلا ما ندر، وبعد أن تولى الرئاسة الرئيس الحالي، حاول القضاء على المتمردين، وإدخال الأمن والأمان إلى كل فئات الشعب السريلانكي بكل أطيافه، وعند عودة معظم اللاجئين لم يجدوا لهم بيوتا أو ممتلكات أو أي شيء يمكن أن يدل على مسكن أو مسجد أو أي شيء آخر، بل وصل الأمر إلى طمس معظم المعالم للقرى والمناطق، فكانت الوقفة العظيمة للجمعيات الخيرية القطرية وعلى رأسها مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، التي قامت بأخذ المبادرة والعمل على إعادة المسلمين إلى ديارهم ومناطقهم، والمساهمة في أن تدب الحياة مرة أخرى في نفوس أهل المناطق والقرى، ولتكون رسالة لمن تخلّف للعودة إلى دياره بكل أريحية ويسر وسهولة، وقد كان لمؤسسة "راف" دور ومساهمة فعالة في البناء وإعادة الإعمار أيضا، وقد كانت جمعية الشيخ عيد حاضرة في محاولة منها لدراسة الأوضاع لتحديد نوعية المشاركة في المستقبل، وكذلك مؤسسة الأصمخ للأعمال الخيرية، وكان هناك حضور لمنظمة الدعوة الإسلامية، وجميعها تصب في المشاركة والاحتفال بافتتاح المرحلة الأولى، والتي امتزجت فيها الدموع بالضحك عند كل مشروع على حدة، فمن افتتاح للوحدات السكنية للمساجد والمدارس والمراكز الصحية، وكان الاستقبال عند كل مشروع بالورود كما هي العادة السريلانكية في كل فعالية للترحيب بالضيوف، والأجمل أن المشروع كما أوضح السيد سعيد مذكر الهاجري الرئيس التنفيذي لمؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، يأتي انطلاقا من توجهات القيادة الرشيدة وما أخذته دولة قطر على عاتقها من مساعدة ومساندة الشعوب التي عانت من ويلات الحروب والصراعات، التي ألحقت الضرر بالجميع في المناطق المنكوبة، وهذا ما تم العمل عليه وذلك بالتنسيق مع الحكومة السريلانكية في محاولة من المؤسسة في إعادة إسكان ما يقارب عشرين ألف نازح سريلانكي شردتهم الحروب من مناطقهم في محافظة "منار"، كما أكّد على أن التعاون الذي حصل بين مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية والجمعيات الأخرى، انطلاقة نحو ترسيخ قواعد العمل الخيري المشترك بين مؤسسات المجتمع المدني وبين الحكومات والجهات الرسمية بهدف تحقيق التنمية المستدامة للشعوب، خاصة تلك المناطق التي تحتاج إلى مد يد العون إليها.
والجميل الذي أفرحني ما وجدته من فرح وسرور على ملامح أهل محافظة "منار" حصول العائلة على مسكن خاص بها ومزرعة بمساحة 2500م، حتى تستغل كل عائلة هذه المساحة للزراعة أو الاستثمار، ويكون لها مصدر دخل ثابت تستطيع من خلاله العيش والاعتماد على نفسها دون مد اليد للآخرين، وقد أوضح الهاجري أن هذا المشروع والمساحة التي تم طلبها من الحكومة للعوائل المسلمة، هي في الأساس المشروع الرئيسي، لأنه وكما أوضح أن رؤية المؤسسة تتمثل في (التمكين والبناء والتنمية) حتى تتحقق الحياة الكريمة نحو مستقبل أفضل، فمن خلال هذه الرؤية أستطيع أن أقول بكل ثقة هذا هو المطلوب من الجمعيات الخيرية القطرية، فليس المطلوب أن تقدم مأوى دون أن تحاول أن تضمن مصدر دخل ثابت؛ حتى تستفيد العوائل من المِنح التي حصلت عليها، وإن لم تتوافر فمن المؤكد أن هناك من المتربصين بهم من يحاولون شراء منازلهم ومزارعهم بأبخس الأثمان، وبالتالي تذهب جميع هذه الأعمال هباء منثورا، ولكن عند العمل والمحاولة على إيجاد فرص السكن مع فرص ربطها بمصدر دخل ثابت سيجعل كل عائلة استفادت من هذه المشاريع الخيرية تتمسك بما حصلت عليه، فقد أوضح السيد الهاجري أن التفاوض تم مع الحكومة السريلانكية بأن يتم تخصيص 2500م لكل عائلة، وأن تستفيد من الأرض بزراعتها أو استثمارها، كما تم التوصل مع الحكومة السريلانكية أيضا إلى أن تقوم ببناء المدارس والمراكز الصحية والبنية التحتية، وتتحمل المؤسسة وبعض الجمعيات الأخرى بناء الوحدات السكنية، وهذا ما تم بالفعل تنفيذه، كما أن التوزيع تم ترتيبه بين الحكومة والمؤسسة، وقامت الحكومة بتسجيلها بأسماء المستفيدين وتسلمت المؤسسة صور شهادات التسجيل حفاظا على حقوق المستفيدين.
انتهت المرحلة الأولى بتسليم 446 وحدة سكنية لمستحقيها، وتم التوقيع بعد حفل الافتتاح بيوم على المرحلة الثانية والتي ستشمل بإذن الله 554 وحدة سكنية، والعدد الإجمالي سيتم تنفيذه على أربع مراحل ليصل عدد الوحدات السكنية في نهاية المشروع إلى 2000 وحدة سكنية، وقد لمس أعضاء الوفد المشارك فرحة الشعب السريلانكي، وكما قال لي خطيب صلاة الجمعة بعد الافتتاح: أشكر قطر دولة وحكومة وشعبا ولا ننسى الدور المهم للجمعيات الخيرية القطرية التي أصبحت مضربا للمثل فيما تقدمه وتعمل عليه، وأريد أن أقول لك إن كل وحدة سكنية بالنسبة لنا أهم من بناء المساجد والخدمات، لأن من تتوافر لهم المساكن يستطيعون الصلاة في أي مكان، كما أن المدارس والمراكز الصحية تأتي في المرتبة الثانية حتى يتعلم أبناؤنا وبناتنا ويتسلحوا بالعلم والعمل، ويكون لهم دور مثل السيد إرشاد بدرالدين.
والسيد إرشاد بدرالدين هو وزير التجارة والصناعة في الحكومة السريلانكية، وهو أحد أبناء المنطقة الذين تم طردهم منها، ولكنه بالعلم والعمل أصبح عضوا في مجلس البرلمان ووزيرا للتجارة والصناعة، وقد كان في استقبالنا منذ اللحظة الأولى، وملازما لنا في جميع تحركاتنا حتى توديعنا مرة أخرى في المطار، وكان نشيطا وحيويا لدرجة أنني أشك أنه لم ينم منذ وصلنا حتى عودتنا إلا ساعات معدودة، وقد شاهدت سعادة الوزير ودموعه تنهمر عند افتتاح بعض المشاريع في ذلك اليوم.
كلما أحاول أن أنهي المقال أتذكر بعض الصور المؤثرة والتي أُحب أن أذكرها جميعا، لكن المجال لا يتسع، وسوف أسرد هنا قصة للعبرة، فعند حفل الافتتاح ألقى كل من السيد إرشاد بدرالدين وزير التجارة والصناعة كلمة ثم تحدث السيد سعيد الهاجري الرئيس التنفيذي لمؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، ثم الدكتور عايض القحطاني مدير عام مؤسسة (راف)، ولا تسمع إلا التكبير والتصفيق من الحضور، وشد انتباهي إحدى السيدات التي لم أستطع رؤية وجهها لتغطيتها بيديها من شدة البكاء، وعند سؤالي للشيخ السريلانكي، الذي يجيد اللغة العربية عن سبب بكائها وقد تبادر إلى ذهني أنها تريد مساعدة ولم يسمح لها الحرس بالاقتراب نحونا، قلت له انظر ما بها، وعند عودته أخبرني أنها لا تريد شيئا بل أخذت تدعو لكم بالخير والبركة وأن يحفظ الله قطر وأهلها من كل سوء، وهي تبكي فرحة بأنها رأت بأم عينيها إخوانها العرب والمسلمين ماثلين أمامها، وهي التي اعتقدت أنهم نسوهم في سريلانكا!! فكم كانت فرحتي بهذه الكلمات التي سمعتها وحزني أيضا لما كانت تشعر به!! لدرجة أنني كنت أتساءل مع نفسي هل كانت تشعر بهذه المشاعر منذ سنة؟ أم أكثر من ذلك بقليل؟ أم منذ تهجيرهم وتشريدهم عام 1990!!
قصة أخرى وأخيرة، فعند الانتهاء من الاحتفال التقيت أحد الإخوة السريلانكيين، ويتحدث العربية بطلاقة، وقد زار دول الخليج كثيرا، وقال بما معناه أُحب أن أشكر دولة قطر ومؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية على ما قاموا به وسيقومون به لاحقا، ويكفينا شرفا أن تكون المدينة باسم عربي هو "مدينة الشيخ جاسم" فقد فرحنا وبكينا كثيرا بهذا الاسم العربي على إحدى مناطقنا السريلانكية، والتي تم تغيير أسماء كثير من مناطقنا بأسماء لا صلة لنا بها، أسماء مخالفة لديننا ومعتقداتنا، واليوم بعد أن تم إطلاق اسم الشيخ جاسم عليها، تم نسف جميع الأسماء السابقة ويبقى اسم مدينة جاسم محليا ورسميا من الجهات الحكومية، وهو ما يؤكد هويتنا الإسلامية بإطلاق الأسماء العربية، وفعلا فترديد اسم الشيخ جاسم كثيرا بلغتهم وفي خطاباتهم سوف يعمل على ترسيخ الاسم والمعتقد والدين أيضا.
الأهم من ذلك أن هذه الأعمال الخيرية عندما تكون في الدول التي تستحق وفيها من الإخوة والأخوات الذين يشاركوننا الدين والإنسانية، تكون ذات وقع في نفوس المستضعفين فيدعون من قلوب نظيفة بأن يحرس الله دولة قطر قيادة وحكومة وشعبا من كل سوء ومكروه... ونحن نُردد معهم آمين، فشكرا لمؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية على هذه المشاريع الضخمة والكبيرة والمُختارة بعناية ودراسة؛ حتى يكون نفعها لهم ولمن بعدهم إن شاء الله، والشكر موصول لمؤسسة (راف) ولجميع الجمعيات الخيرية لما تقوم به من مشاريع خيرية لا تملك إلا أن تفتخر بها وبمن وراءها والعامل عليها.
ooredoo..؟
كلما تذكرناها، تذكرنا الزمن الجميل الذي سايرناه برفقتها، من كيوتل، وصولا إلى أوريدو، نحنّ إليها ونفضلها ونسعى ألا... اقرأ المزيد
1997
| 19 مارس 2017
وداعاً أعناب
فعلاً كان الخبر محزناً للكثير من المتابعين لمجلة أعناب الثقافية الفصلية، التي كانت تصدر عن الشرق كل ثلاثة... اقرأ المزيد
766
| 12 مارس 2017
جائزة التميّز العلمي للاختصاصي الاجتماعي
شرّف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله، صباح الأربعاء الماضي،... اقرأ المزيد
679
| 05 مارس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2547
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1098
| 14 أكتوبر 2026