رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدعوة كريمة من هيئة تحرير مجلة لندن الأدبية قدر لي المشاركة في ندوتها السنوية لعام 2010 والتي اشترك فيها عدد من أهل القلم المهتمين بالأدب السياسي والتاريخ واللغة ودارت حوارات معمقة ليومين متتابعين حول الأدب العربي وجائزة نوبل، الأدب العربي وتصديه لظاهرة الإرهاب العالمي، تاريخ الأدب العربي قبل الإسلام وبعد ظهوره، تأثير الأدب العربي في النهضة الفكرية إبان عصر النهضة في أوروبا، الأثر السياسي في تفعيلة الأدب لخدمة السلم والأمن الدوليين، إلى جانب مواضيع أخرى تتعلق بالشرق الأوسط خاصة منطقة الخليج العربي في ظل الصراعات الإقليمية والدولية والضعف العربي.
(2)
بعد هذه المقدمة فلا بد من التعريف بهذه المجلة الشهرية لأن الكثير في تقديري من أهل القلم في عالمنا العربي لا يعلمون الكثير عن هذه المجلة التي أسست عام 1732 م إنها أقدم مجلة انجليزية تهتم بالأدب والفن في انجلترا، وهي المرة الأولى التي تؤول ملكية هذه المجلة ـ المهتمة بالأدب والفن الحضاري في أوروبا وبعد مرور 278 عاما على تأسيسها ـ إلى يد عربية صادقة في انتمائها لامتها العربي دون الإخلال بحقوق الوطن الجديد بعد أن عز عليه البقاء في عالم تنخره الطائفية والعشائرية والعصبية والمتنفذين من بين هؤلاء، وما علينا إلا نعبر عن شكرنا العميق نحن العرب لمثل هؤلاء الرجال الذين يعملون لامتهم في صمت وبعيدا عن الأضواء وعلينا واجب آخر وفي صمت دون ادعاء أن نمد اليد لمثل هذه الفعاليات التي تحمل هموم أمتنا العربية كما تفعل كل الأمم عندما يتصدر أحد مواطنيها للعمل العام الذي يخدم أهداف تلك الأمم.
إن ما تفعله هذه المجلة رغم عمرها القصير في يد عربية صادقة الشيء الكثير. لا شك أن علينا دورا نحن العرب حكاما ومحكومين يجب أن نؤديه تجاه هذه المؤسسات الفكرية والإعلامية التي تأسست في الغربة البعيدة عن الوطن.
(3)
في هذه الزاوية، اليوم سأتحدث عن حوار دار بيني وبين رواد تلك الندوة وبعيدا عن قاعات الاجتماعات المقررة لتداول الرأي حول المواضيع المطروحة على جدول الأعمال وسأفرد لتلك الحوارات إطلالة أخرى في قادم الأيام.
كان الحديث بعد أن تحلق أهل المنتدى حولي يدور حول قطر" ودبلوماسية الرياضة " التي تتبعها في حاضر الأيام لاستقطاب العالم وجذب انتباههم نحو قطر. قلت لجمهوري لماذا تختصرون دورنا نحن قطر في دبلوماسية الرياضة كما أسميتموها دون النظر إلى دبلوماسية المصالحة التي تقوم بها بلادي بين أطراف عربية وغير عربية تعيش في خلافات وصراعات تكاد تقود منطقة الشرق الأوسط إلى حروب دامية؟ ولا تنظرون إلى جهودنا الكبيرة في مجالات التعليم والبحث العلمي والإعلام الحر الممثل بمحطة الجزيرة الفضائية بلغات متعددة، ولماذا تتجاهلون دورنا نحن في قطر في الحد من سباق التسلح في الشرق الأوسط، لماذا تتجاهلون دورنا في دعم عقد التنمية الذي أقرته الأمم المتحدة، لماذا تتجاهلون دورنا في مساعدة الكثير من الدول النامية خاصة في منطقة الشرق الأوسط من أجل النهوض بعملية التنمية على كل الصعود، وماذا تعرفون عن مشروع صلاتك الذي توليه دولتنا العناية الكبرى ويرتكز على تدريب وإعداد كوادر عربية في كل مجالات التنمية في أقطار عربية متعددة.
قال أحدهم: لسنا في مجال البحث أو الحديث عما تفعل قطر ما نريد أن نعرف هل قطر بإمكانها أن تستضيف "دورة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022" دون اضطرابات خاصة أن قطر تقع في دائرة هلال الأزمات الدولية والإقليمية والقطرية، وإنها ستكون قادرة على توفير الرفاهية لكل محبي هذه اللعبة العالمية رغم الاختلافات في كل مناحي الحياة لديكم؟
كان جوابي: نحن شعب قطر نشكل نسيج أسرة واحدة متكاملة، نحن شعب مضياف، نتمتع بانسجام اجتماعي ووحدة وطنية قل نظيرها بين كثير من الدول، نحن دولة تنعدم فيها الطائفية التي تنخر في جسد الكثير من دول المنطقة والتي تهدد استقرار تلك المجتمعات،الولاء عندنا للوطن وقيادته السياسية، ليس لدينا ولاءات متعددة كل هذه المعطيات تحقق لنا الأمن ولضيوفنا عشاق كرة القدم العالمية وغيرها من الألعاب الرياضية الأخرى، طموحنا، إلى جانب طموحات أخرى، هي أن نكون نادي العالم لجميع الألعاب الرياضية، ونحن قادرون على تنظيمها وحمايتها وتوفير الرفاهة الشريفة لكل مشجعي تلك الفعاليات الدولية.قال أحدهم: إن قطر لم تحصل عل حق تنظيم دورة مونديال عام 2022 بطرق نزيهة، وقد لعب المال غير المشروع دورة في هذه المناسبة. قلت نحمد الله، هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي. سي) وصحيفة الصنداي تايمز البريطانية نشرت تحقيقات عن رشاوى لبعض أعضاء اللجنة التنفيذية في منظمة (الفيفا) ولم تشر إلى قطر وإنما كانت الإشارات إلى أطراف أخرى غيرنا، وأريد التأكيد على الطالب الضعيف هو الذي يمارس الغش في امتحاناته، إنما الطالب المتفوق لا يلجأ إلى الغش. نحن كان ملفنا مكتملا، نعم أعددنا له العدة وعملنا واجبنا الوطني الذي يحقق لنا الفوز، نحن لم تكن المنافسة بيننا وبين دول من العالم الثالث حتى نتهم بتقديم رشاوى لأي إنسان، كانت منافستنا مع أغنى دول العالم وأكثرها تأثيرا في كل المجالات بما في ذلك التهديد والوعيد، كنا في منافسة مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي بيدها كل وسائل القوة والإكراه، كنا في تنافس مع أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية أليست هذه الدول ذات شأن أكبر من قطر في القدرة على التأثير على كل صاحب صوت أو على دولته. أقول: لقد عملنا لتحقيق أهدافنا بكل إخلاص ونلنا الفوز على الآخرين بجدارة.
آخر القول: في جعبتي الكثير من الحوارات حول قطر والخليج العربي واللغة ولنا عودة إلى تلك الحوارات.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
66
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
81
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
57
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5895
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2772
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2475
| 02 يونيو 2026